ساعة واحدة
سلام في دمشق.. تفاهمات سياسية وأمنية واقتصادية تعيد رسم العلاقة بين سوريا ولبنان
الأحد، 10 مايو 2026
زار رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام إلى العاصمة السورية دمشق، أمس السبت، على رأس وفد وزاري رفيع، في زيارة هي الثانية من نوعها منذ سقوط نظام الأسد، وسط مساعٍ مشتركة لإعادة ترتيب العلاقات بين البلدين، وفتح ملفات سياسية وأمنية واقتصادية طال انتظارها.
والتقى سلام الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب، بحضور نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري، ووزراء الطاقة والاقتصاد والأشغال، إلى جانب عدد من المسؤولين والمستشارين، في حين عُقدت سلسلة اجتماعات موازية بين الوزراء اللبنانيين ونظرائهم السوريين في قصر تشرين ومقار رسمية أخرى بدمشق.
وبحسب ما أفادت به الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، فإن اللقاءات تناولت ملفات متعددة تتعلق بالتنسيق السياسي والأمني، وتطوير العلاقات الاقتصادية، وإعادة تفعيل مشاريع الطاقة والربط الإقليمي، إضافة إلى قضايا الحدود واللاجئين السوريين في لبنان.
وكشف مصدر خاص لـ"تلفزيون سوريا" أن الزيارة بدأت بخلوة سياسية - أمنية جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نواف سلام وطارق متري، خُصصت لبحث ثلاثة ملفات رئيسية.
وتناول الملف الأول المفاوضات مع إسرائيل، وضرورة تنسيق أو توحيد المسار التفاوضي السوري - اللبناني في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، في حين ركز الملف الثاني على أمن الحدود، وضبط المعابر، ومنع التهريب والتحركات المسلحة بين البلدين.
أما الملف الثالث، فتمحور حول التعاون الاقتصادي، وإعادة تنشيط حركة الصادرات اللبنانية عبر الأراضي السورية، ومعالجة العقبات اللوجستية، إلى جانب ملفات الطاقة والاتصالات وإعادة تفعيل خطوط النقل والعبور.
وتأتي هذه الزيارة في سياق انتقال العلاقة بين دمشق وبيروت من مرحلة "فتح القنوات" إلى مرحلة معالجة الملفات العالقة، في ظل التحولات السياسية التي شهدتها سوريا بعد إسقاط النظام المخلوع في 8 من كانون الأول 2024.
قال الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين إن الدولة السورية الجديدة نجحت منذ ما بعد التحرير في إعطاء “دفعة إيجابية” للبنانيين، عبر تقديم صورة مختلفة عن طبيعة الحكم الجديد في سوريا، تقوم على الرغبة بعلاقات طبيعية مع لبنان بعيدا عن العداء أو التدخل في شؤونه الداخلية.
وأوضح الأمين خلال مشاركته في برنامج سوريا اليوم، أن العلاقة التي بدأت تتشكل بين دمشق وبيروت بعد الزيارات المتبادلة هي “علاقة ودية وطبيعية”، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء اللبناني تحدث عن “طي صفحة الماضي” وبدء مرحلة جديدة تقوم على الندية بين الدولتين والتعامل الحقيقي بينهما.
وأضاف أن الخطاب السوري الجديد تجاه لبنان ساهم في تهدئة الاستقطاب داخل المجتمع اللبناني، خاصة في ظل الإرث الثقيل الذي خلفه تدخل “حزب الله” في سوريا، إضافة إلى العداء الذي كانت تبديه أطراف لبنانية تجاه نظام الأسد الأب والابن.
وأشار إلى أن اللقاءات التي جمعت مسؤولين سوريين برئيس الوزراء اللبناني وشخصيات لبنانية أخرى حملت رسائل واضحة تؤكد أن سوريا تريد علاقة طبيعية مع لبنان، وأن الشعبين بحاجة إلى بعضهما، لافتا إلى أن جزءا كبيرا من اللبنانيين وقف إلى جانب السوريين خلال سنوات الثورة واحتضن اللاجئين السوريين.
وفي حديثه عن الجهات التي قد تستفيد من توتير العلاقة بين البلدين، قال الأمين إن إيران و”حزب الله” والاحتلال الإسرائيلي لا يريدون استقرار العلاقة السورية اللبنانية، معتبرا أن إيران هي “الخاسر الأكبر” من تطور العلاقة الطبيعية بين دمشق وبيروت بسبب تراجع نفوذها في لبنان.
وأضاف أن “حزب الله” بات أقل نفوذا مع وجود جيش سوري ينتشر على الحدود السورية اللبنانية، ووجود تنسيق مباشر بين الجيشين السوري واللبناني، إضافة إلى الحراك السياسي والدبلوماسي المستمر بين الحكومتين.
ولفت إلى أن الزيارة الأخيرة التي أجراها وفد حكومي لبناني إلى دمشق عكست وجود رغبة حقيقية لدى الطرفين لبحث ملفات مشتركة والعمل على بناء مستقبل جديد للعلاقات بين سوريا ولبنان.
من جهتىه، قال الكاتب والمحلل السياسي صهيب جوهر إن العلاقة بين سوريا ولبنان دخلت مرحلة “الثقة المتبادلة”، معتبرا أن العنوان الأبرز للمسار الحالي هو انتقال العلاقة إلى مستوى التعامل من دولة إلى دولة.
وأوضح جوهر أن الحكومة اللبنانية تتعامل بجدية مع ملف العلاقة مع سوريا، في مقابل قيادة سورية حريصة على تذليل العقبات وبناء علاقة مؤسساتية مع لبنان.
وأضاف أن هذه الثقة ظهرت في أكثر من مسار، أبرزها تكليف الدولة اللبنانية نائب رئيس الحكومة طارق متري، الذي وصفه بأنه من أكثر الشخصيات حنكة ودبلوماسية، بإدارة ملف العلاقة مع سوريا.
وأشار إلى أن متري أنجز ملف نقل الموقوفين، وأن الجانبين دخلا المرحلة الثانية من هذه العملية، وفق ما أعلنه رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام.
وقال جوهر إن الجانب السوري يتعامل مع لبنان بمنطق الدولة، مستشهدا بمؤشرين: الأول حصر العلاقات التقنية والسياسية والأمنية مع الدولة اللبنانية، والثاني ما تحدثت عنه وسائل إعلام عن رفض القيادة السورية ضغوطا أميركية وإسرائيلية للانخراط في عملية عسكرية داخل منطقة البقاع.
واعتبر أن هذا الموقف يعكس وجود “سوريا ناضجة”، مختلفة عن سوريا التي عرفها اللبنانيون خلال حكم الأسدين.
في السياق الاقتصادي، بحث وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار مع وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط سبل توسيع التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين البلدين.
وقالت وزارة الاقتصاد السورية إن الجانبين ناقشا إعادة النظر بآليات التجارة الثنائية، وتنظيمها بصورة أكثر فاعلية بما يحقق السرعة والكفاءة في حركة البضائع والصادرات.
كما اتفق الطرفان على العمل لتشكيل مجلس رجال الأعمال اللبناني - السوري، ليكون نظيراً لمجلس الأعمال السوري - اللبناني، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية بين القطاع الخاص في البلدين.
وكشفت وكالة "المركزية" اللبنانية أن الاتفاق تضمن تأسيس مجلس أعمال مشترك يضم نخبة من رجال الأعمال السوريين واللبنانيين، على أن يزور وفد اقتصادي لبناني دمشق خلال شهر حزيران المقبل لاستكمال المباحثات الاقتصادية.
وتزامنت الزيارة مع تحركات لبنانية لإعادة تفعيل مشاريع الطاقة الإقليمية، إذ أعلن وزير الطاقة اللبناني جو الصدي البدء بإعادة تأهيل جزء من خط الغاز العربي الممتد من دير عمار إلى الحدود السورية بطول 30 كيلومتراً، خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر.
وأوضح الصدي أن المشروع يشمل تحديثات تقنية مرتبطة بأنظمة التحكم عن بعد، بالتنسيق مع مصر والأردن وسوريا، تمهيداً لإعادة تشغيل خط الغاز العربي.
وأكد الوزير اللبناني أن المشروع يمثل خطوة أساسية لتحويل لبنان إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، مع استمرار العمل لإبرام اتفاقيات شراء الغاز واتفاقيات عبور الغاز عبر الأراضي السورية.
كما ناقش الجانبان ملفات الربط الكهربائي وتحسين شبكات النقل والطاقة، بما يسمح للبنان باستيراد الكهرباء من سوريا وعبرها، إلى جانب تسهيل حركة النقل البري والشاحنات وربط الطرق والمعابر الحدودية.
وفي الملف الأمني، استقبل وزير الداخلية السوري أنس خطاب نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري، حيث ناقش الطرفان تطوير استراتيجيات التعاون الأمني، ومتابعة أعمال اللجنة الأمنية المشتركة بين البلدين. وتركزت المباحثات على ضبط الحدود ومنع التهريب وتعزيز التنسيق الأمني، إلى جانب بحث ملف اللاجئين السوريين في لبنان والجوانب القانونية المرتبطة بأوضاعهم ووثائقهم الرسمية.
وأشار نواف سلام إلى أن النقاشات تناولت تسهيل العودة الآمنة للاجئين السوريين إلى بلادهم، وتنظيم العمالة السورية في لبنان، مؤكداً استمرار الحوار والتعاون بين البلدين في هذا الملف.
كما شدد سلام على ضرورة التشدد في ضبط الحدود السورية – اللبنانية، ومنع استخدام المعابر في عمليات التهريب أو التحركات غير القانونية، مشيراً إلى الحاجة لتشغيل الجسور الحدودية وتنظيم حركة الأفراد والبضائع والشاحنات.
وفي موقف سياسي لافت، أكد رئيس الحكومة اللبنانية أن بلاده "لن تسمح مجدداً باستخدام لبنان منصة للإساءة إلى الأشقاء العرب، خصوصاً سوريا".
وتأتي هذه المباحثات في ظل استمرار التنسيق بين البلدين بشأن ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، إذ سبق أن وقع الطرفان في شباط الماضي اتفاقاً لنقل نحو 300 محكوم سوري إلى بلادهم.
وبحسب تقديرات رسمية لبنانية، يبلغ عدد السوريين الموقوفين في السجون اللبنانية نحو 2500 شخص، أي ما يقارب ثلث إجمالي السجناء في لبنان.
Loading ads...
وتكتسب الملفات الأمنية حساسية إضافية بعد إعلان وزارة الداخلية السورية، في الخامس من أيار الجاري، إحباط "مخطط إرهابي لخلية مرتبطة بحزب الله" داخل سوريا، وهو ما نفاه الحزب لاحقاً، مؤكداً دعمه لاستقرار البلاد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


