شهر واحد
مسلسل "ما اختلفنا 3".. السخرية السياسية في حقل ألغام الراهن السوري
الجمعة، 27 فبراير 2026
منذ سنوات لم ينظر المتلقي أو النقد الفني بعين الرضا والمتعة إلى المنتج الكوميدي في المسلسلات السورية، فجماهيرياً يمكن العودة إلى العام 2014 مع مسلسل (ضبوا الشناتي، ممدوح حمادة- الليث حجو)، ونقدياً يمكن العودة إلى مسلسل الثنائي نفسه (حمادة وحجو) للعام 2018 بعنوان (الواق الواق)، الذي نال حظوة نقدية بأكثر منها جماهيرية، وما زال النقاش مستمراً عن أهمية أو سطحية مسلسل (نسمات أيلول، علي معين صالح- رشا ويزن شربتجي) العام الماضي. بينما تتجه الأنظار بانتباه إلى المنتج الكوميدي هذا العام، كونه القادر على حمل روح النقد والسخرية حول الأوضاع السياسية والاجتماعية السورية بعد تغير النظام السياسي.
ومن هنا تأتي أهمية مسلسل السكيتشات الكوميدي (ما اختلفنا) بالجزء الثالث، من إخراج: وائل أبو شعر، وكتابة مجموعة من الكتاب والكاتبات تحت إشراف (زياد ساري)، والذي يمكن تلمس الموضوعة التي نبحث عنها من شارة البداية (كلمات وألحان فادي مارديني)، التي تقول بنوع من السخرية المبطنة:
وتتابع الأغنية بتوصيف حال "المغني-المواطن" باعتباره الخاسر دوماً في كل التغييرات:
"كيف ما بتحسب ما بتسلم،
شو ما رح تعمل رح تندم".
راهن المدينة الغارقة بأيديولوجيا الماضي
يروي سكيتش بعنوان (الضياع، تأليف: مازن طه)، حكاية عتالان (تمثيل أيمن رضا وطلال مارديني) يقومان بنقل براد إلى زبون (تمثيل تيسير إدريس) في أحد المناطق السكنية من العاصمة (دمشق) فيتوهان عن العنوان، يختلفان في الطريق الذي يجب أخذه للوصول إلى الزبون، ويخطآن في الشوارع بين شارع "تشرين التحرير" و"تشرين التصحيح" في الإشارة إلى الشهر الذي يحمل معاني مختلفة بين النظام السابق والنظام الحالي. ويبدأ التواصل بينهما وبين الزبون، الذي يشرح عبر الهاتف كيفية الوصول إلى منزله، عبر "دوار التحرير" الذي لا يعرفه أحد، والذي كان سابقاً يحمل اسم "دوار الأسد" لكن المارة ينكرون معرفته بالدوار الذي يحمل اسم الرئيس البائد. أثناء الحديث الذي يشرح فيه الزبون طريق الوصول إلى العنوان تظهر مجموعة من أسماء الأماكن، الساحات، الجسور، والشوارع التي تحمل إشارات إيديولوجية تتعلق بالنظام السابق (ساحة الباسل، مفرق المهندس الركن، أوتوستراد محور الممانعة، دخلة الحركة التصحيحية)، وفي كل ذلك إشارة ساخرة إلى أماكن المدينة وأسمائها المفخخة بالإيديولوجية والمواقف السياسية المفروضة على الناس، ومع وصول العتالان في نهاية الحلقة إلى منزل الزبون، يرفض الزبون استلام البرد أو إدخاله إلى منزله لأنه من ماركة تحمل اسم الرئيس السابق، "الحافظ"، رغم أن المدينة غارقة بأسماء تتعلق به كما رأينا خلال مجريات الحلقة.
يبتكر الكاتب (زياد ساري) شخصيتين: زوج (تمثيل جرجس جبارة)، وزوجة (تمثيل سوسن أبو عفار) سيرافقاننا على امتداد عدد من السكيتشات، وستعكس الأحاديث بينهما العديد من القضايا والموضوعات التي تدور في المجتمع السوري حالياً. في سكيتش بعنوان (ما دخلنا)، وبينما يشرب الزوجان قهوة الصباح، يطرق باب المنزل خاصتهما، وحين تنهض الزوجة لتفتح الباب، يمنعها الزوج محاولاً اقناعها بأن "ما دخلنا"، مقدماً المبرر تلو الآخر، بأن الطرق المتواصل على باب المنزل لا يعنيهما: "ما دخلنا، ربما يكون جيران لأجل حفلة البناية الجماعية، وحتى وإن كانت أم يعرب جارتك المفضلة، رح يكون كل حديثها عن الوظيفة والدولة والحكومة، فما دخلنا. وحتى لو كان ابن أبو فايز بياع الغاز، لا تفتحي، لأن والده صاير محلل استراتيجي، فما دخلنا". ومن هنا تسأل الزوجة: "طيب شو هي الموضوعات يلي دخلنا فيها، التقسيم؟ ارتفاع أسعار الكهرباء والانترنت؟ الفلول؟ الأقليات؟" ويتابع الزوج تكرار جواب واحد: "ما دخلنا"، إلى أن يأتي خبر أن "بعض الدول الأوروبية بدها ترجع المهجرين"، هنا يهتم الزوج، ذلك أن خبر كهذا يعني إيقاف التحويلات التي تصلهم من أبناءهم وبناتهم في المهجر.
القضايا السياسية تحتل مساحة التواصل الإجتماعي
يشير السكيتش السابق إلى أن الحديث السياسي يحتل الأولوية في التواصل الاجتماعي في الفترة الحالية، وفي الآن عينه يشير إلى الحيرة في الإجابة على الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع. وهذا ما سيكون عليه موضوعة سكيتش ثان للثنائي الزوجي، والذي تجري أحداثه خلال حديث على الهاتف مع ابنتهما التي تقطن خارج البلد وتحار في زيارته بعنوان (مكالمة دولية، تأليف رضوان شبلي). يشجع الأب ابنته على زيارة البلد فالأحوال تتحسن والكهرباء والماء يعودان إلى المنازل، بينما الأم في حالة من الانفعال تنبه ابنتها من القدوم: "أوعى تنزلي، لا تصدقي أبوكي تبع بكرة أحلى، الوضع كلمالو أسوأ، وكل يلي عم تسمعي عن تحسن البلد دعايات". هذه الأحاديث التي تتكرر بشكل يومي في حياتنا السورية، وفي تواصلنا مع الأقرباء والأصدقاء الذي يقيمون خارج البلاد يلخص في حوار هذا الثنائي.
يتطرق أيضاً سكيتش آخر بعنوان (مشوار رايحين مشوار، تأليف كلوديا مرشيليان) إلى العلاقة بين السوريين في الداخل وفي الآخر، وفي مجريات الحلقة يزور الثنائي (باسم ياخور، رنا شميس) القادمين من (دوسلدورف) الألمانية، الثنائي (فادي صبيح، ديمة الجندي) المقيمين في (دمشق). يبالغ الثنائي القادم من المهجر في مشاعر الحنين إلى دمشق، ويتوقعان استعادة متعة الطعام والمشاوير والسيرانات التي لم تعد ممتعة للمقيمين في دمشق، وبينما يمضي الثنائي القادم من المهجر الوقت في الطلبات المتواصلة للذهاب إلى أماكن الأكل التقليدية وزيارة الأماكن القادمة من ماضي الحنين، فإن الثنائي المقيم في دمشق يشعر بالثقل والإفلاس الذي تسببه لهم طلبات ورغبات السائحين. كل شيء من قهوة الصباح، إلى الفطور والغذاء والعشاء يثير شهية الثنائي الزائر فيما يسبب للثنائي المقيم المزيد من الهم والغم والإفلاس. وتأتي الكوميديا من هذا التضارب في المشاعر حيال الثنائي الزائر الغارق في الحنين والثنائي المقيم الغارق في مشاكل وهموم المدينة دمشق.
البراغماتية والتفاؤل، قيم المرحلة الحالية
يمكن اعتبار سكيتش بعنوان (براغماتية، تأليف رانيا فاروق درويش) من أكثر السكيتشات ارتباطاً بالموضوعات السياسية الراهنة، وهو يروي عن اختبار يتعرض له (سامر النجار، تمثيل طلال مارديني) للتوظيف في شركة تديرها امرأة ثورية (تمثيل ميسون أبو أسعد)، فتعرضه لكل أسئلة الانتماء إلى الثورة، باختبار قاسي لميوله السياسية، فتحزره الهتافات الثورية "يا درعا حنا معاكي للموت"، وللأغاني "ميلي يا حماه ميلي" و"ثوري ثوري درعا، بعتامنا أنت شمعة"، وتسأله إن كان معارضاً للنظام السابق وتطلب إثبات بأنه تعرض للاعتقال، فلا ينجح المتقدم للوظيفة بإكمال أياً من الشعارات، ولا يحفظ أياً من أغاني الثورة، كما أنه لم يعترض في الماضي إلا على لجنة البناء الذي يقطنه، ولم يتعرض للاعتقال إلا بسبب حادث سيارة، فتتهمه المديرة بأنه "مكوع" وتكاد تطرده من المكتب إلا أن يقدم لها رشوة، إسوارة من الذهب، تقلب مزاجها رأساً على عقب وتقبل بتوظيفه. وحين تدخل عليها احدى سكرتيرات الشركة وتخبرها بأن (سامر النجار) عوايني ومتعاون مع النظام السابق وأدى إلى اعتقال أحد أبناء عمتها، تتعلل المديرة بكفاءته، وبالشهادات العلمية التي يحملها، وتخبرها بضرورة الاستفادة من هذه الكفاءات، وضرورة التحلي بالبرغماتية. السكيتش جريء، وهو بالوقت عينه الذي يبين ضرورة صرامة الانتماء إلى الخطاب الثوري، يوضح أن الفساد ما يزال مستشرياً وينتقل بين نظام وآخر، ويلمح إلى البرغماتية التي اتسم بها الخطاب السياسي الحالي.
أيضاً يتطرق سكيتش بعنوان (مكانك راوح، تأليف مهند قرقماز) للمقارنة بين النظام السابق والنظام الحالي، وذلك من خلال حكاية تجري على حاجز عسكري، في القسم الأول من السكيتش نكون أمام حاجز لجيش النظام السابق، يلقي الضابط (تمثيل ملهم البشر) الخطاب الصباحي عن كيفية التعامل مع "حبيبي المواطن" وكيفية نهبه بطريقة سلسلة ومعقولة، وفي المشهد التالي نتابعه وهو يوقف ميكرو على الحاجز ويسخر من الركاب ويمارس سلطته في التفتيش والاعتقال، ويأمرهم بالهتاف للجيش: "رشوا الورد ورشوا الرز، هلّ علينا جيش العز). تلعب الأغاني دوراً أساسياً في السرد الدرامي، حيث تشير أغنية (ارفع راسك فوق، أنت سوري حر) لانتقالنا إلى القسم الثاني من السكيتش وإلى الحاجز العسكري للنظام الحالي، ونسمع في الخطاب الصباحي للضابط الأعلى رتبة (تمثيل طلال مارديني): "نحنا كتير تعبنا لوصلنا لهون، والناس تعبانة، ومهمتنا نحمي البلد من أي حدا بدو يشوه صورتها". يمر الميكرو مجدداً أمام حاجز النظام الحالي، وتكرر بعض الأحاديث بين الركاب والضابط الأعلى رتبة، ونرى في الميكرو ضابط النظام السابق وهو يرتعد من الخوف ويرتعش من الرهبة، ويشي به سائق الباص بأنه من ضباط النظام السابق، فتظهر الكوميديا حين يقوم الضابط الحالي بتهديد الضابط السابق بقدرته على "اعتقاله ونفيه وبهدلته" لكنه لا يقوم بذلك، بل يهديه وردة عوضاً عن ذلك.
الأفراد والمجتمع في العلاقة مع الذاكرة والماضي
العلاقة مع الماضي ومع الذاكرة، موضوعة سكيتش آخر بعنوان (خدعة مخابرات، تأليف كلوديا مرشيليان)، وفيها يتوهم الأب بأن الشابين اللذين دقا بابه للسؤال عن أغراض عتيقة للبيع، بأنهما رجلا مخابرات يحاولان البحث في ماضيه للعثور على ما يمكن أن يعبر عن انتمائه السياسي للنظام السابق، فيقرر أن يخرج كل أغراض المنزل العتيقة والمتعلقة بالماضي، ويعمل على إتلافها. تعالج الكاتبة (مرشيليان) في هذا السكيتش علاقة المواطن السوري مع ماضيه وذاكرته، وتتطرق إلى أزمة الانتماء إلى ماضي انكشفت عيوبه القيمية وعجز عن التخلي عنه. فالأب هنا يتلف صورة ابنته في المدرسة لأن صورة الرئيس البائد معلقة على الحائط، ويتلف ميدالية تفوق ابنه في الرياضة لأنه توج بها على يد أحد ضباط النظام السابق، وكذلك يتلف الكاميرا نفسها التي صورت كل هذا الماضي. يقول الأب: "كتاب التاريخ ملغوم بدو تلف" حتى أدب الماضي وقصص الأطفال تصبح موضع شك وتتعرض للإتلاف على يديه. وبينما تمثل كل هذه الأشياء ذاكرة العائلة بالنسبة لباقي أفراد العائلة، فإنها تمثل للأب الموتور ذاكرة فاسدة محمولة إلى حاضر مختلف: "معلش خلينا ننسى الماضي ونركز بالحاضر، ليصير عنا مستقبل".
يعتمد سكيتش بعنوان (بالحب، تأليف رانيا فاروق درويش) على الحبكة التقليدية لمجموعة من الشبان والشابات من كل أطياف المجتمع السوري متحمسين ل"بالحب بدنا نعمرها" وللعمل الجماعي التطوعي، فيصورون فيديو عن نشاط اجتماعي تطوعي يقومون به بتلوين أحد أدراج المدينة وتنظيفه، لكن الخلاف ما يلبث أن ينشب بينهم حول اللون الذي يمكن أن يجمع كل السوريين دون أن يتمكنوا للوصول إلى لون موحد، فالأحمر يشير إلى النظام السابق، والأخضر يشير إلى النظام الجديد، والأسود يرمز إلى داعش، والرمادي يذكر بمواقف بعض أفراد المجتمع من الأحداث الثورية. هكذا يشير السكيتش إلى فكرة بسيطة حيث يصبح الخلاف على اللون، دلالة على عجز السوريين على الاتفاق على أي فكرة، وكذلك يتضمن فكرة أعمق وهي عجز الشعارات التي تقول "بالحب بدنا نعمرها" عن تحقيق أي نتائج، وأن هذا النوع من الخطاب السياسي والاجتماعي ليس إلا حماس مثالي يشابه حماس مجموعة الشبان والشابات المروي خلال أحداث السكيتش.
وأخيراً، يأتي سكيتش بعنوان (البخاخ، تأليف نادين خليل) ليتطرق بسخرية إلى المزاج الإيجابي الذي يفترض أن يسود في المجتمع السوري في الفترة الحالية، فعند الصباح ترش الزوجة (تمثيل نانسي خوري)، وجه زوجها (تمثيل رامز الأسود) وابنها بالبخاخ الذي يسبب السعادة ويفتح الابتسامة على وجه المواطنين، وفي الوظيفة يتعرض الموظفين إلى فحص من قبل المسؤولة تقيس فيه مدى سعادتهم وطول الابتسامة المرسومة على وجوههم بالسنتيميتر. إن الجميع في الحكاية يدعي السعادة، وبرامج الإعلام في الفترات الصباحية لا تتكلم إلا عن السعادة والتفاؤل السائدة في المجتمع "بكرة أحلى"، ونتابع مراسلة التلفزيون وهي تقابل المارة في الشارع وتسألهم عن مزاجهم، فتقول احدى المواطنات أمام الكاميرا: "أنا زوجي صرلو 4 أشهر بدون وظيفة، ومع هيك مبسوطة، مبسوطة لأنو خسرت بهالفترة 4 كيلو"، وكأن الجميع يُجبر على التفاؤل والسعادة من قلب المأساة، فتنتهي الحلقة حين يقول الموظف أمام شاشة الكاميرا بأنه طرد من العمل ولكن تلك هي فرصة ليمضي وقتاً أطول مع العائلة والأولاد.
Loading ads...
هي إذاً تنويعات على أبرز الموضوعات السياسية والاجتماعية التي يعيشها الراهن السوري، يتطرق لها مجموعة كتاب وكاتبات المسلسل، تثبت قدرة الإبداع الكوميدي والساخر على ممارسة دوره في النقد الاجتماعي والسياسي، ومعالجة أدق القضايا السورية في هذه المرحلة التي يصعب فيها قياس مدى الرقابة ومعرفة المحظور والمسموح.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



