3 أشهر
من حلم الإدارة الذاتية إلى الاندماج... كيف أعادت الحرب رسم حدود الطموح الكردي في سوريا؟
الأربعاء، 21 يناير 2026

شهد شمال-شرق سوريا تحولا حاسما خلال يومين فقط، أنهى فعليا تجربة الإدارة الذاتية الكردية في مناطق واسعة من الرقة ودير الزور، وأعاد السلطة المركزية في دمشق إلى قلب منطقة كانت خارج سيطرتها منذ سنوات. هذا التحول لم يكن نتيجة معركة طويلة الأمد، بل ثمرة تلاقي عوامل سياسية وعسكرية واجتماعية، أبرزها تبدل مواقف العشائر العربية، وتراجع موقع قوات سوريا الديمقراطية، وإعادة تموضع القوى الدولية الداعمة. اليوم، لم يعد الصراع يدور حول قيام دولة كردية، وهو احتمال خرج عمليا من حسابات القوى الدولية وفقا لمراقبين، بل حول شروط الإدماج، وحدود اللامركزية، ومستقبل البنية العسكرية لـ"قسد"، وما إذا كانت ستتحول إلى قوة محلية ضمن الدولة أو تُفكك تدريجيا. سوريا: القوى الأمنية تنتشر داخل مخيم الهول غداة انسحاب الوحدات الكردية منه مع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المدن ذات الغالبية العربية، دخلت القوات الحكومية السورية إلى الرقة ودير الزور، بعد أن كانت هذه المناطق قد خضعت لإدارة كردية منذ هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" بدعم من التحالف الدولي بين عامي 2016 و2019. هذا التقدّم أتاح للسلطة الجديدة في دمشق، بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، استعادة السيطرة على جزء كبير من الإقليم الذي كان يُعرف باسم "روج آفا"، بما يشمله من موارد نفطية وغازية استراتيجية. التحول الميداني ترافق مع انهيار سريع في انتشار قوات سوريا الديمقراطية، التي أعادت تمركزها شمالا في محيط الحسكة وكوباني والقامشلي. هذا الانسحاب عكس اختلالا في ميزان القوى، كما كشف محدودية قدرة القوات الكردية على الحفاظ على مناطق لا تتمتع فيها بحاضنة اجتماعية متينة، خصوصا في الأرياف والمناطق الزراعية العربية. بنود الاتفاق بين دمشق والأكراد إعلان التوصل إلى اتفاق سياسي بين دمشق وقيادة قوات سوريا الديمقراطية الأحد مثّل الإطار الرسمي لإنهاء هذه المرحلة. الاتفاق، المؤلف من أربعة عشر بندا، نص على وقف إطلاق النار، وتسليم محافظتي الرقة ودير الزور للحكومة المركزية، ودمج مؤسسات محافظة الحسكة ضمن أجهزة الدولة السورية، إضافة إلى إعادة السيطرة الحكومية على المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز. كما منح كوباني شكلا من أشكال الإدارة المحلية المحدودة، مع تخصيص مناصب مدنية وعسكرية لمسؤولين أكراد سوريين، مقابل اشتراط خروج عناصر حزب العمال الكردستاني من الأراضي السورية.
لعرض هذا المحتوى من X (Twitter) من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات X (Twitter).
Loading ads...
الاتفاق تضمن كذلك دمج عناصر قوات سوريا الديمقراطية في وزارتي الدفاع والداخلية على أساس فردي، وتحميل الدولة مسؤولية ملف معتقلي تنظيم "الدولة الإسلامية" وعائلاتهم، إضافة إلى السماح بعودة النازحين الأكراد إلى عفرين والأحياء الكردية في حلب. وبهذا، لم يقتصر التغيير على إعادة رسم خطوط السيطرة، بل طال البنية الإدارية والأمنية التي تشكلت خلال سنوات الإدارة الذاتية. سياسيا، يُنظر إلى الاتفاق بوصفه تتويجا لاستراتيجية دمشق في استعادة المناطق تدريجيا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. في المقابل، يرى مراقبون أن قبول القيادة الكردية بالاتفاق عكس إدراكا لمحدودية الخيارات، في ظل تراجع الدعم الأمريكي، ورغبة في تفادي انزلاق المنطقة إلى حرب أهلية مفتوحة. هذا التحول حظي بدعم علني من الولايات المتحدة، التي اعتبرت ما جرى نقطة انعطاف لصالح الشراكة بدل الصراع. "أعظم فرصة" للأكراد؟ شهدت علاقة واشنطن بقوات سوريا الديمقراطية تحولا منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصبه العام الماضي وإعلان دعمه الكامل للرئيس الحالي أحمد الشرع. في هذا السياق، وصف المبعوث الأمريكي توم براك في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي عرض الاندماج في الدولة السورية المركزية مع منح حقوق المواطنة والحماية الثقافية والمشاركة السياسية بأنه "أعظم فرصة" للأكراد. وأضاف أن الهدف الأصلي لقوات سوريا الديمقراطية، التي دعمتها واشنطن كحليف محلي رئيسي لها في محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، قد انتهى إلى حد بعيد وأن الولايات المتحدة ليس لديها مصلحة على المدى الطويل في الاحتفاظ بوجودها في سوريا. وخلال مؤتمر صحافي في واشنطن، بدا ترامب وكأنه يؤيد الرئيس السوري أحمد الشرع، قائلا إنه "يبذل جهودا حثيثة"، مشيرا إلى أنه ناقش معه مسألة المنشآت التي يُحتجز فيها مقاتلو تنظيم "الدولة الإسلامية" في شمال شرقي سوريا. وأضاف ترامب أن واشنطن "تحاول أيضا حماية الأكراد". ميدانيا، سبقت الاتفاق سلسلة تطورات متسارعة، أبرزها انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مناطق غرب الفرات، وانتشار القوات الحكومية في محيط حلب الشرقي. هذا الانتشار قوبل بترحيب واسع في الأوساط العربية المحلية، التي اعتبرت أن الإدارة الكردية فُرضت عليها بالقوة، ولم تختلف في ممارساتها عن النظام السابق، بحسب روايات كثير من سكان تلك المناطق. في الوقت نفسه، رافق التقدم الحكومي توترا أمنيا، مع اتهامات متبادلة بخرق الاتفاق، ووقوع اشتباكات محدودة، واستخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية. كما ذكرت جمعيات حقوقية تسجيل حالات تصفية واعتقال خلال الانسحاب، ما ألقى بظلال ثقيلة على مشهد "التحرير" كما تقول القوات الحكومية، خاصة في مدن مثل الطبقة، حيث ترافقت استعادة السيطرة مع خسائر بشرية تركت أثرا اجتماعيا عميقا. هل تبخر حلم الدولة الكردية؟ الكاتب والباحث السوري جورج برشيني يرى أن القضية الكردية "مجمدة لا منتهية" وأن الحلم الكردي "لم يتبدد، بل جرى تجميده إلى أجل غير مسمى بفعل توازنات إقليمية ودولية معقدة". برشيني يوضح أن قوات سوريا الديمقراطية، "لا تزال تسيطر اليوم على مساحة تقارب 10 آلاف كيلومتر مربع في شمال وشرق سوريا (أجزاء من الحسكة، كوباني، ومناطق أخرى)، وهي مساحة تعادل تقريبا مساحة لبنان، وتضم ثروة نفطية وغازية تقارب نصف موارد سوريا، إضافة إلى قوة عسكرية تُقدَّر بين 50 و55 ألف مقاتل بعد انضمام متطوعين أكراد من الخارج وتشكيلات عرقية أخرى". لكن، على الرغم من هذه المقومات، فإن المتحدث أقر بأن المشروع الكردي "يواجه تقاعسا إقليميا (من حكومة إقليم كردستان العراق) وبرودا أمريكيا متزايدا، لكن، ليس تخليا كاملا. إذ تنظر الولايات المتحدة إلى قسد بوصفها ورقة ضغط تُستخدم عند الحاجة، لا شريكا استراتيجيا دائما". وفقا هذا المنطق، يؤكد الباحث السوري أن الملف الكردي "جمد مؤقتا مقابل توجيه ثقل السلطة الجديدة لمواجهة إيران وحلفائها في المنطقة، خصوصا في لبنان والعراق، مع قبول دمشق بتنازلات كبرى، أبرزها الجنوب السوري". ماذا تبقى من "قسد"؟ بموجب الاتفاق الموقع بين دمشق و"قسد" سيتم دمج قوات سوريا الديمقراطية في إطار قوات وزارة الدفاع، على أن تُدمج قوات الأمن الكردية (الأسايش) ضمن وزارة الداخلية. الباحث السوري جورج برشيني أوضح أن السيناريوهات المطروحة أمام قسد تتراوح بين اندماج عسكري وإداري محدود مع دمشق مقابل مكاسب جزئية (إدارة محلية، أدوار أمنية)، أو حرب استنزاف سياسية وأمنية لتحسين شروط التفاوض. أو في أسوأ الأحوال، تقليص مكتسباتها إلى إدارات محلية بلا سيطرة فعلية على الموارد". من جانبه، يؤكد الباحث المختص في الشؤون السورية مسلم إبراهيم أن ما بقي من "قسد" اليوم هو جوهرها الأصلي، أي وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، مع وجود محدود لبعض المكونات المحلية في الحسكة. أما اسم "قوات سوريا الديمقراطية" فلم يعد، عمليا، وفقا للمتحدث "سوى إطار سياسي شكلي يُستخدم لتوقيع الاتفاقات، بينما الواقع الميداني عاد ليعكس طبيعة كردية أساسية لهذه القوات". في المقابل، يرى المتحدث أن "حلم الدولة الكردية أو مشروع الإدارة الذاتية، لم يتبخر"، ذلك أن الإدارة الذاتية وفقه "سبقت تأسيس "قسد" ولا تزال قائمة حتى الآن، وتواصل عملها وإصدار بياناتها". كما أن الاتفاق الأخير "يتضمن مؤشرات على استمرار هذا المشروع بصيغ معدلة، من خلال خصوصية محافظة الحسكة، وتشكيل إدارة مدنية في كوباني، بما يشبه نموذج الإدارة الذاتية السابق. وبالتالي، المشروع لم يُلغَ، بل تم تأجيله وإعادة تكييفه وفق موازين القوى والاتفاقات الراهنة". في المحصلة، يستشف أن ما جرى في شمال-شرق سوريا مثل نهاية مشروع الإدارة الذاتية الكردية بصيغته السابقة، وبداية مرحلة جديدة تعيد تركيز السلطة في دمشق، مع تقديم تنازلات محدودة تتعلق بالتمثيل المحلي والخصوصية الإدارية. هذا التحول لا يعكس فقط نتيجة موازين القوة العسكرية بحسب مراقبين، بل أيضا فشلا بنيويا في ترسيخ نموذج حكم قادر على التوفيق بين التعدد القومي والاجتماعي في منطقة شديدة التعقيد، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على تحديات الاستقرار وإعادة بناء الثقة بين المركز والأطراف.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




