ساعة واحدة
رمز فلسطيني عالمي تحت التصنيف الأمني.. كيف تحوّل البطيخ إلى ملف لدى الاستخبارات الألمانية؟
الإثنين، 18 مايو 2026

أدرج جهاز الاستخبارات الداخلية في ألمانيا، المعروف باسم المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV)، رمز شريحة البطيخ ضمن دليل جديد يتناول ما يصفه بـ"أشكال التطرف العلماني المؤيد لفلسطين"، وذلك في إطار تحديث إرشاداته المتعلقة برصد الرموز والإشارات ذات الدلالات السياسية والأيديولوجية داخل البلاد.
وأشار المكتب في تعريفه لهذا التصنيف إلى أنه يشمل طيفًا واسعًا من الفاعلين، من تنظيمات قديمة وأخرى حديثة، إضافة إلى أفراد وشبكات غير منظمة، تتباين في خلفياتها الفكرية والتنظيمية، لكنها تتقاطع في موقفها الرافض لإسرائيل وعدم الاعتراف بحقها في الوجود بحسب تقييم الاستخبارات الألمانية.
كما أوضح التقرير أن هذه البيئات تمثل نقطة التقاء بين تيارات متباينة أيديولوجيًا، تمتد من اليسار الراديكالي إلى بعض التيارات الإسلامية وصولًا إلى مجموعات من أقصى اليمين، إلا أنها تلتقي حول خطاب مشترك يتسم بالعداء لإسرائيل.
وأكد المكتب أن "العداء الشديد لإسرائيل ومعاداة السامية" يشكلان "العامل الرابط الأساسي بين هذه المجموعات"، مشيرًا إلى أن الهدف العام لبعضها يتمثل في إنهاء وجود دولة إسرائيل. كما يضيف أن الخطاب المستخدم في هذا السياق يقوم في جزء منه على تصوير إسرائيل باعتبارها مرادفًا لليهودية، وهو ما اعتبره المكتب أحد المحركات الأساسية لخطابات الكراهية.
وفي إطار رصده للرموز والإشارات المستخدمة داخل هذا السياق، يورد التقرير عددًا من الأمثلة التي يعتبرها دالة على هذا النوع من الخطاب. ومن بينها رمز شريحة البطيخ، الذي انتشر في السنوات الأخيرة، إضافة إلى استخدام تمثيلات بصرية لخريطة إسرائيل ملوّنة بألوان العلم الفلسطيني، وهو ما يراه المكتب تعبيرًا رمزيًا عن رفض وجود الدولة.
تحول شعار شريحة البطيخ إلى أحد أبرز رموز التضامن مع فلسطين على مستوى العالم، للتطابق البصري بين شريحة البطيخ وألوان العلم الفلسطيني، حيث تتكوّن من القشرة الخضراء، واللب الأحمر، والبذور السوداء، إضافة إلى الطبقة البيضاء بين القشرة واللب، ما جعل منه رمزًا بصريًا بسيطًا وسهل الاستخدام للتعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية.
كما يرتبط استخدام هذا الرمز بسياق تاريخي يعود إلى ما بعد حرب عام 1967، حين فرضت السلطات الإسرائيلية قيودًا على رفع العلم الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، واعتُبر ظهوره في بعض الحالات غير قانوني. ونتيجة لذلك، لجأ فنانون ونشطاء فلسطينيون إلى اعتماد رموز بديلة للتعبير عن الهوية الوطنية، وكان البطيخ أحد أبرز هذه الرموز، إذ جرى توظيفه في اللوحات والأعمال الفنية والأسواق الشعبية كبديل غير مباشر عن العلم.
واكتسب هذا الرمز بُعدًا جديدًا مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا في السنوات الأخيرة التي شهدت تصاعدًا في المحتوى المتعلق بالقضية الفلسطينية. ومع ما يصفه ناشطون بـ“تقييد الوصول” أو “حظر الظل” لبعض المنشورات على المنصات الرقمية، لجأ مستخدمون إلى استخدام رمز البطيخ أو الإيموجي الخاص به كبديل عن الكلمات المباشرة مثل فلسطين أو غزة، بهدف ضمان انتشار المحتوى وتجاوز خوارزميات الحذف أو التقييد.
كما يحمل البطيخ بعدًا ثقافيًا وزراعيًا مرتبطًا بالأرض الفلسطينية، إذ يُزرع في عدد من المناطق التاريخية، ويُعد جزءًا من الإنتاج الزراعي المحلي، ما أضفى عليه دلالة إضافية تتعلق بالارتباط بالأرض والهوية الريفية والزراعية، في مواجهة محاولات طمس هذا البعد الثقافي.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الرمز من أداة محلية للتعبير غير المباشر إلى أيقونة عالمية تُستخدم في المظاهرات والفعاليات التضامنية، كما يظهر في الشعارات والملصقات والملابس في العديد من الدول، ليصبح رمزًا بصريًا حديثًا يجمع بين البساطة وسهولة الانتشار والحمولة الرمزية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
كما تطرق تقرير جهاز الاستخبارات الداخلية في ألمانيا إلى رموز أخرى مثل المثلث الأحمر المقلوب، الذي ارتبط في الأصل بالدعاية العسكرية لحركة حماس، إضافة إلى شعارات مثل "من النهر إلى البحر" و"يلا انتفاضة".
وأشير إلى أن هذه العبارات قد تُستخدم في سياقات مختلفة، إلا أنها يمكن أن تحمل دلالات تدعو إلى إنهاء وجود إسرائيل أو تغيير بنيتها السياسية بشكل جذري، بحسب التقرير.
وحذر المكتب من أن هذه الرموز لا تعمل فقط في بعدها المباشر، بل يمكن أن تؤدي إلى "الخطاب المشفّر"، حيث تُستخدم إشارات غير مباشرة يفهمها المنتمون إلى بيئة فكرية معينة، بينما قد تبدو للآخرين غير ذات دلالة سياسية أو حتى بريئة. ويؤكد التقرير أن هذا النوع من الرموز يتطلب معرفة سياقية وخلفية ثقافية لفهمه بشكل كامل.
وفي سياق موازٍ، أصدر المكتب وثيقة موسعة من نحو 80 صفحة بعنوان "رسائل خفية، رموز وأكواد معادية للسامية"، تهدف إلى توعية المعلمين والمهتمين بالشأن العام بطرق التعرف على ما يعتبره أشكالًا مشفّرة من خطاب الكراهية. وتوضح الوثيقة أنها ليست قاموسًا قانونيًا أو مرجعًا نهائيًا، بل أداة توعوية تساعد على فهم الأنماط الرمزية المستخدمة في هذا السياق.
وتتناول الوثيقة ما تصفه بآليات انتشار هذه الخطابات، مشيرة إلى أن معاداة السامية الحديثة قد تتخذ أشكالًا غير مباشرة تعتمد على التلميح والرمز بدل التصريح، بما يسمح بانتشارها في البيئات الرقمية والاجتماعية دون إثارة ردود فعل فورية. كما تؤكد أن بعض المصطلحات قد تحمل معاني متعددة، لكن تكرار استخدامها في سياقات معينة قد يكشف دلالات أيديولوجية أعمق.
وتصنف الوثيقة هذه الرموز ضمن عدة محاور، منها ما يرتبط بنظريات المؤامرة المالية، حيث تُستخدم مصطلحات مثل "المال العالمي" أو الإشارة إلى شخصيات مثل جورج سوروس أو روتشيلد أو بلاك روك كرموز يُزعم أنها تمثل نفوذًا خفيًا، وهو ما تعتبره المؤسسة إعادة إنتاج لصور نمطية معادية لليهود.
كما تشير إلى محور ثانٍ يتعلق بنظريات "المؤامرة العالمية"، والتي تتضمن مفاهيم مثل "القوى الخفية" أو "النظام العالمي الجديد" أو "الخطة الكبرى"، إضافة إلى استخدام رموز بصرية مثل الدمى المتحركة أو السيطرة غير المرئية، وهي صور تعتبرها مرتبطة بخطابات تقليدية عن السيطرة اليهودية العالمية.
وتتناول الوثيقة أيضًا ما تسميه "تشويه التاريخ والذاكرة"، حيث يتم توظيف رموز مرتبطة بالمحرقة النازية بشكل معكوس، أو استخدام شعارات توحي بأن مجموعات معينة هي "الضحايا الحقيقيون"، وهو ما يعتبره التقرير محاولة لإعادة صياغة الذاكرة التاريخية بطريقة تخدم خطابًا سياسيًا معينًا.
وفي قسم آخر، تحذر الوثيقة من ما تسميه "تجريد الإنسان من إنسانيته"، عبر استخدام صور أو تعابير تُظهر مجموعات بشرية بشكل شيطاني أو حيواني، وهو أسلوب تقول المؤسسة إنه قد يمهّد لتبرير العنف ضدها.
كما تؤكد أن خطورة هذه الرموز تكمن في قدرتها على العمل على مستويات متعددة: عاطفية عبر إثارة الخوف أو الغضب، ومعرفية عبر تقديم تفسيرات مبسطة للعالم، وأخلاقية عبر تقويض قيم المساواة، وأخيرًا عملية عبر تحفيز السلوك الفعلي.
Loading ads...
وختم التقرير بالتأكيد على أن هذه الرموز تنتشر غالبًا دون وعي كامل بدلالاتها لدى الجمهور العام، ما يجعلها أكثر تأثيرًا وخطورة. كما شدد على أن الهدف من هذه الإرشادات هو رفع مستوى الوعي العام وتعزيز القدرة على التمييز بين الخطاب السياسي المشروع وما يعتبره أشكالًا من خطاب الكراهية المشفر، وذلك في إطار حماية النظام الديمقراطي في ألمانيا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





