2 ساعات
معرة النعمان تكشف ذاكرتها التاريخية خلال إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار
الجمعة، 24 أبريل 2026
كشفت أعمال إزالة الأنقاض في معرة النعمان جنوبي إدلب عن الذاكرة التاريخية للمدينة، مع العثور على مدافن أثرية تعود إلى العهد الروماني خلال عمليات إعادة الإعمار التي ينفذها الأهالي.
وتعد المدينة من أقدم مدن شمالي سوريا، إذ نشأت على موقع استراتيجي يربط حلب بدمشق، ما جعلها نقطة استقرار مبكرة للحضارات القديمة، وارتبطت تاريخياً بمراكز كبرى مثل إيبلا وأفاميا وقنسرين، مستفيدة من سهولها الخصبة ومناخها المعتدل، في حين تعكس مواقعها الأثرية تعدد طبقاتها الحضارية عبر القرون.
وعقب سقوط النظام المخلوع وتحرير المدينة، كشفت أعمال إزالة الركام عن مدافن جديدة تحت الأنقاض، فخلال حفر أساسات منزل سكني داخل المدينة، ظهر مدفن أثري صغير تبين لاحقاً أنه جزء من شبكة أوسع في المنطقة، ما أعاد طرح سؤال قديم: ماذا تخفي المدينة تحت سطحها؟
ولا يأتي هذا الاكتشاف بمعزل عن مكانة معرة النعمان، التي اشتهرت بتاريخها الثقافي والعلمي، بوصفها مسقط رأس أبي العلاء المعري، إلى جانب ما تحتضنه من مواقع أثرية مثل القلعة والخانات ومتحف الفسيفساء، ما يجعلها مدينة متعددة الطبقات التاريخية.
واليوم، وبين عودة تدريجية للأهالي وعمليات ترميم متفرقة، تبدو معرة النعمان كمدينة لا تعيد بناء ما فوق الأرض فقط، بل تكشف ما تحتها أيضاً، حيث يلتقي التاريخ البعيد مع واقع حديث هش، في مشهد يعكس العلاقة المعقدة بين الإعمار والذاكرة.
وفي تصريحات خاصة لموقع "تلفزيون سوريا"، قال مدير دائرة آثار معرة النعمان، عبد السلام الحمو، إن الموقع الذي تم العثور عليه خلال أعمال حفر أساسات عقار معد للسكن، كُشف عنه بشكل مفاجئ بعد ظهور فتحة صغيرة أثناء الحفر، ليتبين لاحقاً أنه مدفن أثري، لافتاً إلى أن هذه المنطقة من المدينة معروفة بوجود عدد من المدافن الأثرية المتشابهة.
وأوضح الحمو أن المعطيات الأولية المستندة إلى اللقى والأواني الفخارية التي وُجدت داخل المدفن تشير إلى أنه يعود إلى الفترة الرومانية المتأخرة، ما يعكس امتداداً تاريخياً مهماً للمدينة وطبقاتها الحضارية المتراكمة عبر العصور.
وأضاف أن كوادر المديرية تعاملت مع الموقع فور اكتشافه، حيث جرى تحرير المدفن وتنظيفه وتوثيقه ورسمه بشكل علمي، إضافة إلى نقل الأواني الفخارية المكتشفة إلى متحف معرة النعمان، حيث تخضع حالياً للدراسة، على أن يُتخذ لاحقاً قرار بشأنها وفق النتائج العلمية والتقييم الأثري النهائي.
وأكد مدير آثار معرة النعمان أن المؤشرات الميدانية الحالية لا تقتصر على هذا الموقع فقط، بل توحي بإمكانية وجود مدافن أخرى في المنطقة ذاتها، مرجّحاً أن تكون هذه البقعة من المدينة امتداداً لمجموعة مدافن أوسع تعود لفترات تاريخية متقاربة، ما يفتح الباب أمام مزيد من عمليات التوثيق والاستكشاف في المرحلة المقبلة.
وفي تعليق على الاكتشافات المتتالية للمدافن الرومانية والبيزنطية في معرة النعمان، قال الباحث جمعة لهيب إن هذه الاكتشافات تمثل ظاهرة دالة على تعقيد المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع تحولات الواقع السياسي والاجتماعي بعد سنوات الحرب.
وأوضح لهيب أن المدينة، التي تعرضت لحملة قصف عنيفة عام 2019 انتهت بتهجير سكانها وتدمير واسع في بنيتها، بما في ذلك المتحف الأثري الذي تعرض للنهب، باتت اليوم مساحة يتفاعل فيها التراث المطمور تحت الركام مع محاولات إعادة بناء الهوية المحلية، في سياق بالغ الحساسية والتداخل بين الماضي والحاضر.
وأشار إلى أن الاكتشافات التي جرت بالصدفة أثناء أعمال البناء وهدم الأبنية المدمرة، والتي شملت مدافن تعود لأكثر من 2000 عام في أحياء متفرقة من المدينة، وصولاً إلى مجمع قبور بيزنطية يضم غرفاً حجرية وقبوراً متعددة ونقوشاً صليبية، تفتح أسئلة جوهرية حول كيفية إدارة التراث في مرحلة ما بعد النزاع، ومن يمتلك حق تفسيره وتوجيه دلالاته.
من جانب آخر، اعتبر الباحث لهيب أنَّ تراث معرة النعمان لا يمكن فصله عن سياق أوسع من إعادة تشكيل المشهد السياسي، حيث يمكن النظر إليه من ثلاثة مستويات متداخلة: أولها أن التراث يمثل دليلاً على استمرارية المكان في مواجهة محاولات محو الذاكرة، وثانيها أن طريقة التعامل معه تعكس صراع الروايات حول التاريخ والهوية، وثالثها أنه يتحول إلى أداة غير مباشرة في رسم ملامح الدولة الجديدة وعلاقتها بالمجتمع والذاكرة الجماعية.
وأضاف أن هذه المرحلة الجديدة تجعل من المواقع الأثرية عناصر تفاوض رمزية بين أطراف متعددة، سواء على مستوى السلطة المحلية أو المجتمع أو حتى الخطابات الوطنية الأوسع، خاصة في ظل تباين الرؤى بين من يعتبر هذه الاكتشافات جزءاً من الهوية السورية الجامعة، ومن يراها امتداداً لهوية محلية أو مدخلاً لتنمية اقتصادية وسياحية مستقبلية.
وعن التعامل الحكومي مع قضية الآثار، أشار الباحث لهيب إلى أن ملف التراث في معرة النعمان يعكس أيضاً أزمة بنيوية في إدارة المواقع الأثرية، نتيجة ضعف التوثيق والرقابة، وازدياد مخاطر التنقيب غير الشرعي، إلى جانب نقص الكوادر وضعف التنسيق المؤسسي في مرحلة ما بعد النزاع، ما يجعل العديد من الاكتشافات عرضة لفقدان سياقها العلمي والتاريخي.
وأكد أن الاكتشافات الأثرية في معرة النعمان لا تمثل مجرد حدث أثري معزول، بل هي جزء من مشهد أوسع يعكس تداخل السياسة بالذاكرة، وإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والمكان.
Loading ads...
وأشار الباحث السوري إلى أن الطريقة التي ستُدار بها هذه الملفات ستحدد إلى حد كبير ملامح مرحلة ما بعد الحرب في سوريا، سواء باتجاه التعافي والتوحيد، أو نحو إعادة إنتاج أشكال جديدة من التنازع حول الذاكرة والهوية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


