لا يُصاب الأجانب بالعمى إن نظروا في عين الشمس، بخلافنا، فنحن نعمى فوراً إن تجرَّأنا ونظرنا في عينها. إن تجرأت ودخلت منزلنا. ولا سيما في ذلك اليوم من عام 1999. أو هذا على الأقل ما اعتقدتُ.
كنتُ في السابعة من عمري، واقفةً إلى جوار أخي، نراقب أمّنا هناك في الأعالي، تعمل على خنق النوافذ وكتم أنفاسها بما استطاعت من جرائد وكرتون، منعاً لدخول الشمس.
ما إن تنتهي أمي من زاوية، ونتنفَّس الصعداء، حتى تهبط، وتسحب كرسيها وراءها، ثم تصعد عليه، فتقفز إلى حافة النافذة التالية، تجلس القرفصاء، وتطلب مدَّها بالجرائد والشريط اللاصق، لتُكمل مهمتها.
في قاع المنزل، وقفنا نراقب بريبة، وأحداقٍ تتسع كأحداق القطط، وأيدٍ صغيرة مرفوعة ومبسوطة، مُشبعة بما استطاعت من تمائم وأدعية وقوى خارقة لا تُرى بالعين المجردة، لترفع ماما المتهورة إن هوت. على أتمّ الجهوزية لإنقاذ أمي، التي تعمل بدأب لتنقذنا من أشعة الشمس وكسوفها اللعين.
بقيتُ أنا وأخي على تلك الحال دهراً مؤلماً، ولم تنتهِ ماما من العمل. كلما صعدت علوّاً جديداً، وصولاً إلى نافذة أخرى، غرقنا أنا وأخي أكثر في قاع منزلنا، رافعين أيدينا الصغيرة المبسوطة، نتمنى لماما الهبوط، وأن تنشلنا مما نشعر به من قلق عليها.
اجتهدت أمي، ليس خوفاً من الشمس فحسب. لا، لم تخف أمي من الشمس، فأمي شجاعة، ولا فرصة للشمس أمامها. وإن دخلت الشمس منزلنا خلسةً، ستُطفئ ماما نورها بماء فلاجيل، وسوائل تنظيف متعددة الاستعمالات، وأخرى مخصصة: للجلي والغسيل والمسح والشطف والزجاج.
ستليّف ماما الشمس بالماء والصابون، وتدعكها وتنظفها، وتسحب روحها وماضيها ومستقبلها، وتخفيها -ربما- تحت السرير، إلى جوار حقائب الهدايا والمناسبات، حتى يحين وقت استعمالها. أو ربما تزجّ بها داخل خزانة الصحون والزجاج، التي لا نعرف إلى الآن ما شكلها ولا عددها. هذا فقط إن باغتت ماما ودخلت المنزل دونما استئذان.
ولكن إن تجرأت على الاقتراب مني ومن أخي، أو المساس بنا، فستبتلع أمي الشمس وتصنع منها كسوفاً، هنا في غرفة الجلوس. لذلك لم تجرؤ الشمس على الدخول، فزعاً من ماما، ولصعوبة اجتياز حصن الكرتون والجرائد الذي دُفن وزُيّن وجُهّز به منزلنا، حال معظم مساكن المدينة وسكانها آنذاك. أولئك الذين أمرتهم الحكومة بتجنب الشمس، وملامستها، وعدم النظر في عينها. كانت الحكومة مصابة برهاب الشمس، وكانت الشمس عدوّ الدولة، خصوصاً في ذلك اليوم.
شاهدنا كثيراً من نشرات الأخبار بعد الكسوف. رأيت أفواجاً من الناس تراقب الشمس. الشمس نفسها التي اختبأنا في وكرنا العميق منها. ربما كان من بين المراقبين سوريون، لأن الكسوف ظهر في مناطق سورية، وربما استعمل كثير من السوريين خارج المدن نظارات خاصة صنعوها بأنفسهم، وثاروا وشاهدوا الكسوف.
لكنني لا أذكر من المشهد المتلفز سوى أجانب أتوا من كل حدب وصوب لرؤية الشمس والكسوف، وفعلوا ذلك من دون أن يصابوا بالعمى.
بعد الكسوف، أصبحت الشمس كائناً مثيراً للفضول والخوف بالنسبة إليّ. كانوا يقولون لي إنها مؤذية، وكنتُ مُجبرة على الابتعاد عنها، والجلوس في الظل، والمشي في الظل، والسباحة في الظل، وكل شيء في الظل. فالظل أسلم وأنفع. لم أقتنع بأن الشمس مؤذية، ولم تتوقف محاولاتي للعب معها. خمدت جميعها في ذاكرتي، إلا محاولتين.
الأولى، عندما هربت من جلسة عائلية، ولعبتُ تحتَ أشعة الشمس لساعات. كانت لحظة عيش حقيقية، لحظة حرية مُطلقة، وإن انتهى بي الأمر بعدها، في الفراش، وقد دُفن جسدي ووجهي وخيالي وقلق أمي في سيل من كمادات الماء الباردة.
والثانية، عندما حاولت إطالة النظر في عين الشمس من دون أن أرمش. حرقتني عيناي وقتها، لكنني واظبت على النظر. بدأت تظهر ألوان جديدة داخل حقل الرؤية، ثم أشكال، فكائنات جديدة أيضاً، وأنا مواظبة. تحولت الشمس إلى اللون الأسود، وما زلت على قراري. أصابني صداع رقيق، وشعرت بدوار خفيف، وبقيت مواظبة على النظر. فقدت الإحساس بالزمن، ولم أعد أدرك ما أرى. نبع الضحك من قلبي وفاض من فمي، وأنا مواظبة. لكن فرط الضحك نبّه خوف ماما. لا أذكر بعدها ما حصل.
أذكر فقط أنني، بعد مدة، توقفت عن اللعب مع الشمس، واخترت الظل، وأصبحت مطيعة، وبدأت أنتَعش في أجواء غير مشمسة، مثل نباتات الزينة الداخلية. واستمر الأمر على هذا الحال حتى بعد انتقالي للعيش في أوروبا.
دام الأمر طويلاً، قبل أن أنتبه إلى أنني توقفت عن عملية التركيب الضوئي، واصفرت أوراقي، وبدأت أختنق. عزلتي عن الشمس أنهكت جسدي وخيالي، لذلك اتخذت قرار العودة إلى حبّ الشمس واللعب معها، والتوقف عن الظن بأنني نبات زينة داخلي. سأكون نعنعاً أو حبقاً أو سماقاً، أو أي شجرة تحتاج إلى عين الشمس تواسيها في عيشها.
قبيل صيف هذا العام، كنت قد اتخذت قراراً بمشاهدة الكسوف.
فعلاً، في 12 آب/ أغسطس 2026، وبعد عودتي من رحلة مشمسة، ذهبت إلى حديقة اختنقت بأشجارها وزوارها. وقفت مع أناس أحبّهم. قبيل الموعد المنتظر، نظرت إلى وجه حبيبي، ثم ارتديت نظارات كنت قد رأيت شبيهةً لها عام 1999 في نشرة الأخبار، وبدأت أراقب، وأطلت النظر.
أنا لست أجنبية. أنا امرأة من بلاد الشام. نظرتُ في عين الشمس، ونظرت في عيني، راقبت كسوفها الذي دام دهراً من الدقائق، بعدما راقبت كسوفي دهوراً.
أنا لست أجنبية. أنا امرأة من بلاد الشام. أمعنت النظر في عين الشمس، وراقبت كسوفها، ولم أُصب بالعمى.
كانت ماما ستُليّف الشمس بالماء والصابون
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

دوي انفجارات في جزيرة قشم الإيرانية
منذ 11 دقائق
0




