2 أشهر
اتفاق التنقيب البحري في سوريا.. ماذا تكشف شراكة “شيفرون” و”باور القطرية”؟
الثلاثاء، 10 فبراير 2026

يشكّل توقيع مذكرة التفاهم الجديدة للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية تطورًا لافتًا في مسار إعادة تنشيط قطاع الطاقة، بعد سنوات طويلة من التراجع الحاد الذي أصاب الإنتاج وألحق أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية والقدرات التشغيلية.
هذه الخطوة، التي أعلنت عنها الشركة السورية للبترول عبر توقيع مذكرة تفاهم مع شركتي “شيفرون” الأميركية و”باور إنترناشونال القابضة” القطرية، تأتي في سياق تحركات أوسع تهدف إلى دعم احتياطيات الدولة، وتنمية الموارد الوطنية، وتعزيز فرص تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، بوصفه أحد أعمدة التعافي الاقتصادي في المرحلة المقبلة.
تحركات مدروسة لا مفاجآت
التحرك الجديد لم يكن مفاجئًا بالكامل، إذ سبقته مؤشرات وتصريحات رسمية عن قرب إبرام اتفاقيات مع شركات دولية كبرى، ما يعكس توجهًا واضحًا لإعادة فتح ملف التنقيب البحري والبري بوصفه أولوية استراتيجية.
وقد عززت هذه التطورات مصداقية الخطط الحكومية الرامية إلى استقطاب استثمارات خارجية وخبرات فنية متقدمة، في محاولة لتعويض الفاقد الإنتاجي الكبير، وتحسين الميزان الطاقي، والحد من الاعتماد المزمن على الاستيراد، فضلًا عن خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاع حيوي تتشابك معه عشرات الصناعات والخدمات.
وتنص مذكرة التفاهم الموقعة على تنفيذ أعمال مسح واستكشاف أولية في عدد من المربعات البحرية التي تُعد واعدة من الناحية الجيولوجية، ضمن برنامج مرحلي يخضع للتقييم الفني والاقتصادي المستمر، تمهيدًا لاتخاذ قرار الاستثمار الكامل في حال أثبتت النتائج جدواها.
ثقة الشركات الكبرى
يُنظر إلى هذه المرحلة بوصفها خطوة تأسيسية ضرورية في ملف لم يُستثمر على النحو الكافي تاريخيًا، ولا سيما أن المناطق البحرية السورية بقيت خارج نطاق الاستغلال المكثف مقارنة بدول الجوار في شرق المتوسط.
خلال مراسم التوقيع، أكد ممثل شركة “شيفرون” فرانك مورك أن الشركة ترى في سوريا فرصة استثمارية حقيقية، مشيرًا إلى أن الإمكانات الجيولوجية المتوافرة لم تُستغل بالكامل حتى الآن.
واعتبر أن دخول شركات طاقة كبرى إلى السوق السورية يعكس مستوى متزايدًا من الثقة في بيئة الاستثمار، رغم التحديات القائمة، لافتًا إلى أن نجاح عمليات التنقيب عن النفط والغاز في سوريا يتطلب شراكات طويلة الأمد، واستقرارًا تشريعيًا، وبنية تشغيلية قادرة على استيعاب استثمارات كبيرة ومعقدة تقنيًا.
رسائل سياسية واقتصادية متقاطعة
في السياق نفسه، وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك هذه الشراكة بأنها خطوة تحويلية يمكن أن تسهم في رسم صورة جديدة للبلاد بعد سنوات من المعاناة الاقتصادية، مؤكدًا أن سوريا قادرة على “إبهار العالم مجددًا” من خلال استعادة دورها الاقتصادي، معتبرًا أن الاستثمار في قطاع الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، يفتح آفاقًا لفرص عمل أوسع وحياة أفضل للسوريين.
وشدد على أن القيادة السياسية تشكّل عنصرًا حاسمًا في بناء مرحلة التعافي والاستقرار، وأن قطاع الطاقة سيكون أحد المحركات الرئيسية للنمو خلال السنوات المقبلة.
من جهته، أوضح الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي أن أهمية هذه المذكرات لا تقتصر على بعدها الاستثماري، بل تكمن في دورها المباشر في دعم الاقتصاد الوطني، كاشفًا عن تشكيل فريق متخصص لمتابعة الاتفاقية وتحويلها من إطار تفاهم إلى عقد تنفيذي ملزم، بما يضمن الانتقال السلس من مرحلة الاستكشاف إلى التطوير والإنتاج في حال توافرت الشروط الفنية والاقتصادية المناسبة.
توسّع بري وبحري متزامن
تكشف تصريحات مسؤولي الشركة السورية للبترول عن توسع ملحوظ في مسار التنقيب عن النفط والغاز، برًا وبحرًا، وبمشاركة شركات دولية متعددة، فقد أشار مسؤول الاتصال المؤسسي صفوان شيخ أحمد إلى وجود مباحثات جارية مع شركة “شيفرون” للاستثمار في خمسة مربعات بحرية خلال الفترة المقبلة، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “كونوكو فيليبس” الأميركية لاستكشاف عدد من الحقول البرية، بما في ذلك البدء بأعمال حفر في منطقة “تويني” شمال دمشق على عمق يصل إلى أربعة آلاف متر.
عمليات الحفر قد تستغرق نحو أربعة أشهر، تزيد أو تنقص وفق الظروف الطبيعية، لافتًا إلى إعادة تأهيل حفّارة “ناشيونال” بجهود مهندسين وفنيين محليين، في مؤشر على محاولة إعادة بناء القدرات الوطنية بالتوازي مع الاستعانة بالخبرات الخارجية.
وعلى صعيد التصدير، أوضح شيخ أحمد أن العودة إلى الأسواق الخارجية تحتاج إلى فترة تمتد من عام إلى عامين بعد استعادة الحقول فاعليتها، مذكّرًا بأن إنتاج النفط السوري بلغ في عام 2013 نحو 350 ألف برميل يوميًا قبل أن يتراجع بشكل حاد بفعل الحرب والعقوبات وخروج مساحات واسعة من السيطرة الحكومية.
وتسعى الشركة السورية للبترول ووزارة الطاقة، بحسب المسؤول ذاته، إلى تطوير الحقول القائمة واكتشاف أخرى جديدة بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجيًا، وتقليص فاتورة الاستيراد، مع الالتزام بالعقود الموقعة مع الموردين.
رؤية طويلة الأمد للطاقة
تندرج هذه الجهود ضمن سلسلة اتفاقيات أبرمت في كانون الأول/ديسمبر الماضي مع أربع شركات سعودية لاستكشاف حقول جديدة وتطوير بعض الحقول القائمة في المنطقة الشرقية، إضافة إلى مذكرات تفاهم سابقة مع شركات أميركية وإماراتية لتطوير قطاع الغاز وإعادة تأهيل الحقول غير المنتجة.
وتشير هذه التحركات إلى محاولة رسم رؤية استراتيجية طويلة الأمد لقطاع الطاقة، ولا سيما الغاز، الذي يُعد عنصرًا أساسيًا في توليد الكهرباء ودعم الصناعات.
وتُظهر الأرقام حجم التحدي القائم، فقد بلغ إنتاج سوريا النفطي بين عامي 2008 و2010 نحو 400 ألف برميل يوميًا، قبل أن ينهار إلى حوالي 15 ألف برميل يوميًا في عام 2015، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فيما لم يتجاوز الإنتاج في عام 2023 عتبة 30 ألف برميل يوميًا.
رهان البحربين الفرصة والمخاطر
أما إنتاج الغاز، فقد تراجع من نحو 30 مليون متر مكعب يوميًا قبل عام 2011 إلى قرابة 10 ملايين متر مكعب فقط، وهو مستوى لا يلبي الاحتياجات الأساسية لتوليد الكهرباء، المقدّرة بنحو 18 مليون متر مكعب يوميًا.
تشير دراسات نفطية رسمية تعود إلى عام 2010 إلى أن احتياطيات سوريا المقدّرة تصل إلى ما يعادل 27 مليار برميل من النفط و678 مليار متر مكعب من الغاز، من دون احتساب الإمكانات البحرية غير المستكشفة بالكامل.
Loading ads...
وفي هذا السياق، يُنظر إلى إعادة فتح ملف التنقيب البحري بوصفه رهانًا استراتيجيًا قد يحمل فرصًا كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يظل رهين عوامل سياسية واقتصادية وفنية معقدة، تجعل من نجاحه اختبارًا حقيقيًا لقدرة سوريا على تحويل الموارد الكامنة إلى رافعة فعلية للتعافي والتنمية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





