11 ساعات
عوادم المولدات تخنق القامشلي.. الثمن الصحي والبيئي لأزمة الكهرباء
الإثنين، 21 سبتمبر 2026
لم تعد ممارسة الرياضة في الهواء الطلق خياراً صحياً آمناً تماماً بالنسبة إلى المدرّسة براءة محمد، التي ترتاد ملعب "شهداء 12 آذار" في القامشلي بشكل شبه يومي، إذ وجدت نفسها مضطرة إلى التوقف عن التمرين لالتقاط أنفاسها كلما اشتد دخان المولدات المحيطة بالملعب.
تعاني براءة من حساسية مزمنة، وتقول إن عوادم مولدات الديزل تزيد أعراضها سوءاً، فتضطر إلى أخذ فترات استراحة بسبب نوبات ضيق التنفس. وبعد مراجعتها طبيباً مختصاً، أخبرها، بحسب إفادتها، بأن التعرض المستمر للدخان أدى إلى تفاقم الحساسية لديها، ووصف لها علاجاً للتخفيف من الأعراض.
"المكان الوحيد القريب مني لممارسة الرياضة هو الملعب، ولا أستطيع تغيير وقت التمرين، فالمولدات تعمل على مدار الساعة"، تقول براءة، التي ترى أن توفير الكهرباء النظامية وإيجاد بدائل أقل ضرراً، وبأسعار يستطيع السكان تحملها، قد يكونان الطريق للخروج من هذه الدائرة.
قصتها ليست حالة معزولة في مدينة تعتمد منذ سنوات على مصادر بديلة لتأمين الكهرباء.
مع تراجع إمدادات الكهرباء النظامية خلال سنوات الحرب، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، أصبحت مولدات الديزل جزءاً من منظومة الطاقة في مناطق سورية مختلفة.
وقد وثقت تقارير دولية انتشار المولدات الخاصة في مدن سورية لتغطية فجوات الشبكة، في حين دفع نقص الوقود وارتفاع أسعاره بعض السكان والمزارعين إلى اللجوء للطاقة الشمسية بديلاً عنها.
وفي إطار مشروع صحفي أنتجته صحيفة "تاز" (taz) الألمانية، جرى تتبع البيانات المتاحة حول انتشار المولدات وآثارها البيئية والصحية، إلى جانب جمع شهادات محلية من القامشلي لفهم حجم المشكلة وانعكاساتها على السكان.
ففي القامشلي، تشير تقديرات محلية إلى وجود أكثر من 380 مولدة ديزل داخل المدينة، تعمل لساعات طويلة لتغطية احتياجات السكان من الكهرباء. وفي المقابل، لا تتوافر قاعدة بيانات منشورة يمكن من خلالها التحقق بصورة مستقلة من هذا الرقم، وهو ما يعكس إحدى مشكلات هذا الملف نفسه: نقص البيانات المنتظمة حول مصادر التلوث وحجمها.
وتقول رئيسة بلدية القامشلي، بيرفان عمر، إن البلدية ورثت واقعاً كانت فيه المولدات توضع في الحدائق والمنصفات والطرقات، نتيجة للفوضى التي شهدتها السنوات الماضية.
وتوضح أن البلدية عملت خلال العامين الماضيين على نقل معظم المولدات الموجودة في الحدائق والمنصفات، وتجميع عدد منها في مواقع محددة، مع إلزام أصحابها بإنشاء غرف خاصة وتركيب كواتم للصوت وفلاتر للحد من الضجيج والانبعاثات.
لكن تطبيق هذه الإجراءات لا يخلو من الصعوبات، بحسب عمر، إذ توجد مولدات قديمة يصعب تعديلها، كما أن بعض أصحابها لا يستجيبون للشروط، في حين يعترض السكان أحياناً على إيقاف مولدة غير مستوفية للمعايير خشية فقدان مصدر الكهرباء.
على بعد أحياء من الملعب، عاش المهندس الكهربائي بشار سعيد تجربة مختلفة مع المولدات، إذ كانت إحداها تتمركز أسفل البناء الذي يسكن في طابقه الرابع.
يقول سعيد إن الضجيج والدخان أصبحا جزءاً من الحياة اليومية، وإن عوادم المولدة تركت آثاراً سوداء على جدران المنزل، في حين اضطرت العائلة إلى إبقاء النوافذ مغلقة وعدم فتحها إلا عند توقف المولدة.
ويضيف أن والدته عانت من اضطرابات في الجهاز التنفسي، وأن الجلوس خارج المنزل أصبح صعباً خلال ساعات التشغيل، في حين طال تأثير الضجيج والدخان الأطفال وكبار السن، فضلاً عن الضغط النفسي الناجم عن الضوضاء المستمرة.
وتقدم سكان الحي بشكوى، وبعد نحو شهرين، بحسب سعيد، نُقلت المولدات الموجودة في الموقع، ما خفف من معاناتهم.
ويرى سعيد أن توسع بعض السكان في استخدام الطاقة الشمسية بدأ يقلل الاعتماد على المولدات، لكنه يشدد على أن الحل الأوسع يبقى في إصلاح شبكة الكهرباء العامة.
ما يحدث في القامشلي لا يمكن فصله عن أزمة الطاقة الأوسع في سوريا. فقد وثقت تقارير أممية تأثير انقطاع الكهرباء ونقص الوقود في الحياة اليومية والخدمات، وأشارت إلى أن انتشار المولدات يؤثر بدوره في جودة الهواء والصحة العامة، إذ يمكن لانبعاثاتها أن تهيّج الجهاز التنفسي وتفاقم الحساسية وبعض الأمراض القلبية والعينية، فضلاً عن تأثيراتها في الأطفال.
وتقدم بيانات منظمة الصحة العالمية صورة أوسع عن العبء الصحي المرتبط بتلوث الهواء في سوريا. ففي عام 2019، بلغ متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة PM2.5 في المدن السورية نحو 26.57 ميكروغراماً لكل متر مكعب، وفق تقديرات المنظمة، بينما قُدّرت الوفيات المنسوبة إلى تلوث الهواء المحيط والمنزلي بنحو 57 وفاة لكل 100 ألف نسمة. وهذه أرقام على مستوى سوريا وليست قياسات خاصة بالقامشلي.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن الجسيمات الدقيقة والملوثات الأخرى الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري يمكن أن تصل إلى أعماق الجهاز التنفسي، وترتبط بأمراض تنفسية وقلبية وأمراض في الأوعية الدموية، فيما يُعد الأطفال وكبار السن والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة من الفئات الأكثر عرضة للخطر.
لكن المشكلة في القامشلي تكمن في أن معرفة حجم التلوث محلياً تبدو أصعب من معرفة آثاره المحتملة.
تقول بيرفان عمر إن البلدية نسقت مع هيئة البيئة في محاولات لمراقبة التلوث، إلا أن عدم توافر أجهزة قياس كافية يحول دون إجراء قياسات منتظمة لجودة الهواء في المدينة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل إطلاق وزارة الإدارة المحلية والبيئة في دمشق، في أيار/مايو 2026، المرحلة الأولى من برنامج وطني لمراقبة تلوث الهواء، بهدف رصد الملوثات وتوفير بيانات علمية تساعد في اتخاذ القرارات البيئية.
كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن قياس PM2.5 وPM10 وثاني أكسيد النيتروجين وغيرها من الملوثات يُعد أساسياً لتقييم جودة الهواء وحجم تعرض السكان للتلوث، وأن نقص محطات الرصد يزيد الحاجة إلى الاعتماد على التقديرات والنمذجة.
وهنا تبرز فجوة أساسية في القامشلي: يتحدث السكان عن دخان وضيق تنفس وروائح وعوادم، لكن من دون شبكة قياس منتظمة يصعب تحديد حجم المشكلة، أو مقارنة أحياء المدينة، أو معرفة ما إذا كانت الإجراءات المتخذة تؤدي فعلاً إلى تحسن جودة الهواء.
إلى جانب المولدات، تواجه المدينة مصادر أخرى للانبعاثات. فقد ارتفعت أعداد السيارات خلال السنوات الأخيرة، وفق سكان، بالتزامن مع انتشار مركبات مستوردة بصورة عشوائية. ويلجأ بعض أصحاب السيارات، بحسب إفادات محلية، إلى إزالة "علبة البيئة"، أو المحول الحفاز، للتعامل مع أنواع وقود منخفضة الجودة، ما يعني فقدان جزء من منظومة معالجة العادم.
ولا تتوقف مصادر التلوث عند حدود المدينة، إذ يقول قحطان سليمان، أحد سكان الجزيرة السورية، إن الحراقات البدائية التي انتشرت خلال سنوات نقص المحروقات أسهمت في زيادة التلوث في المنطقة.
ويرى سليمان أن عمليات تكرير النفط بوسائل بدائية والاحتراق غير الكامل تنتج عنها انبعاثات ضارة، في حين أدت مخلفات عمليات الحرق، بحسب إفادته، إلى أضرار طالت المياه والتربة والثروة الحيوانية في بعض المناطق.
وهذه الإفادة، شأنها شأن كثير من الشهادات المحلية، تحتاج إلى قياسات ودراسات ميدانية لتحديد حجم الأضرار ونسبتها بدقة، وهو ما يعيد القضية إلى المشكلة الأساسية: غياب البيانات المحلية المنتظمة.
بالنسبة إلى الدكتورة فجر العزو، اختصاصية أمراض وجراحة الأنف والأذن والحنجرة، تظهر آثار التلوث يومياً في العيادة.
وتقول العزو إن التعرض المستمر لعوادم مولدات الديزل والحراقات يمكن أن يفاقم مشكلات الأنف والجيوب الأنفية والحنجرة، كما أن الضوضاء المستمرة قد تؤثر في الجهاز السمعي.
وتشير إلى ملاحظتها زيادة في حالات التهاب الأنف التحسسي والتهابات الجيوب الأنفية وبحة الصوت والأعراض المرتبطة بتهيج الجهاز التنفسي، وتعد الأطفال وكبار السن ومرضى الربو والأمراض التنفسية المزمنة من الفئات الأكثر حساسية للتلوث.
وتقول، استناداً إلى ملاحظتها السريرية في عيادتها، إن نحو 40 إلى 50 في المئة من مراجعيها يومياً يعانون أعراضاً مرتبطة بالتلوث البيئي أو متفاقمة بسببه.
لكنها تؤكد، في الوقت نفسه، عدم وجود إحصاءات صحية رسمية شاملة في المنطقة يمكن من خلالها تحديد حجم الزيادة في الأمراض التنفسية، أو إثبات علاقة سببية مباشرة بين حالات بعينها ومصدر تلوث محدد.
وهذه نقطة مهمة في قراءة الملف: وجود علاقة معروفة بين تلوث الهواء وتفاقم أمراض الجهاز التنفسي لا يعني إمكان نسبة كل حالة مرضية في القامشلي إلى المولدات، إذ يتطلب إثبات ذلك بيانات صحية وبيئية متزامنة ودراسات محلية.
تقر رئيسة البلدية بأن تنظيم المولدات وحده لن يحل المشكلة، وتقول إن البلدية تنسق مع هيئة الطاقة بشأن صيانة محطات توليد الكهرباء وزيادة ساعات التغذية، على أمل تقليل اعتماد السكان على المولدات.
كما تعمل البلدية على التوسع في التشجير، وتقول إنها لا تسمح بإنشاء مولدات جديدة إلا في حالات الضرورة، مع اشتراط استيفاء الشروط البيئية والفنية.
لكن، بحسب عمر، لا توجد حتى الآن خطة متكاملة لنقل جميع المولدات خارج المناطق السكنية.
وهذا يضع السلطات أمام معادلة صعبة: إيقاف المولد يعني، بالنسبة إلى كثير من السكان، انقطاع الكهرباء، والإبقاء عليه يعني استمرار أحد مصادر التلوث.
في الوقت الذي تحاول فيه السلطات إعادة تأهيل الشبكة، يبحث السكان عن بدائل أكثر استقلالاً عن المولدات.
وفي محافظة الحسكة نفسها، ظهرت بالفعل تجارب صغيرة للطاقة الشمسية. ففي عامي 2024 و2025، جرى تجهيز 20 أسرة في مدينة عامودا بأنظمة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية، ضمن مشروع يهدف إلى مساعدة الأسر على تلبية احتياجاتها من الكهرباء وتقليل اعتمادها على المولدات.
كما لجأ مزارعون في محافظة الحسكة إلى الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات الري بعد ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة تأمينه. وفي إحدى الحالات، توقف مزارع عن استخدام مولد الديزل بعد تركيب 30 لوحاً شمسياً لتشغيل مضخة المياه.
وتشير بيانات حديثة إلى توسع كبير في استخدام الطاقة الشمسية خارج الشبكة في سوريا، مع ارتفاع القدرة المركبة من نحو 249 ميغاواط عام 2022 إلى أكثر من غيغاواط في السنوات التالية، في ظل استمرار مشكلات الكهرباء والوقود.
لكن الطاقة الشمسية ليست حلاً سحرياً، إذ قد تكون كلفة تركيب الألواح والبطاريات مرتفعة بالنسبة إلى كثير من الأسر، كما تختلف قدرة النظام على تغطية كامل الاحتياجات بحسب حجمه وسعة التخزين ومستوى الاستهلاك.
لذلك، فإن السؤال ليس فقط ما إذا كانت الطاقة الشمسية أنظف من مولدات الديزل، بل أيضاً: من يستطيع تحمل كلفتها؟ وكيف يمكن جعلها متاحة للأسر التي لا تملك رأس المال الأولي اللازم لشرائها؟
في ملعب "شهداء 12 آذار"، لا تفكر براءة محمد في سياسات الطاقة الوطنية عندما تضطر إلى التوقف عن ممارسة الرياضة بسبب ضيق التنفس. وبالنسبة إلى بشار سعيد، لا تبدأ مشكلة التلوث من تقرير بيئي، بل من نافذة مغلقة في منزله وجدار اسودّ بفعل الدخان.
لكن القصتين تكشفان مشكلة أكبر من القامشلي نفسها: ففي مناطق سورية كثيرة، أدى ضعف الكهرباء إلى نشوء اقتصاد موازٍ يعتمد على المولدات والوقود، ومعه انتقلت كلفة انقطاع الكهرباء من مجرد فاتورة مالية إلى قضية تمس الصحة والبيئة.
وفي المقابل، تظهر تجارب الأسر والمزارعين الذين اتجهوا إلى الطاقة الشمسية أن تقليل الاعتماد على الديزل ممكن بالفعل، وإن كان لا يزال محدوداً ومشروطاً بالقدرة على تحمل الكلفة.
أما في القامشلي، فلا يبدو الحل في مولدة أكثر كفاءة وحدها، ولا في إغلاق المولدات من دون توفير بديل، بل في الجمع بين إعادة تأهيل شبكة الكهرباء، وتوسيع استخدام مصادر الطاقة الشمسية، وتشديد الرقابة على الانبعاثات، وإنشاء نظام منتظم لقياس جودة الهواء، وربط البيانات البيئية بالسجلات الصحية.
Loading ads...
فمن دون معرفة ما الذي يتنفسه سكان القامشلي فعلياً، ومن دون تحديد حجم الضرر الصحي المرتبط به، ستبقى "الغمامة السوداء" وصفاً لمشكلة يراها الجميع، من دون امتلاك الأرقام التي تحدد حجمها أو الأدوات التي تقيس مدى نجاح الحلول.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


