هل السلام الداخلي فكرة طوباوية؟ وأقصد السلام بين الناس في سوريا وإمكانية العيش من دون كراهية وأحقاد وعنصرية وتشاوف وتنمّر!
هل السلام فكرة تحتكرها السلطة وتقوم بتقديمها متى أرادت، أو متى شعرت أنّ ذلك مفيد لها سياسياً؟
الجانب الثقافي لمفهوم السلام
هل السلام مفهوم سياسي وقانوني؟ أم أنه قبل كل شيء قضية ثقافية، فكرية، تتعلق بالتراث ومنظومة القيم الثقافية التي تؤسس جانباً من الوجدان الجمعي؟
هل السلام مفهوم تتناوله النخب الثقافية فقط في سياق سردياتها؟ أم أنه متعلق بمفهوم الدولة وبنائها كمفهوم فوقي؟
كما صار معروفاً، وطوال عقود من سيطرة البعث على السلطة، وحتى منذ لحظة تأسيس هذه "السوريا كدولة"، لم تعمل السلطات السورية قبل حكم الأسد الأب والابن، وخلال حكمهما، على تشكيل دولة وطنية. فعشنا الفكرة الوطنية لكن عبر قالبها القومي البعثي، مربوطة بحبل الأمة العربية ومفهوم الوطن العربي الكبير.
وصار تاريخنا مقروءاً حتى لجهّال التاريخ. رددت أجيال كاملة أطناناً من الشعارات، وصرفت السلطة مليارات لتنمية وتغذية الوهم، والغاية كانت تثبيت كرسي الحاكم الواحد في السلطة.
وعندما كان عسكر البعث يغنّون أغاني البعث ونشيده، كان الفقر يخيم على حياة الناس وشروط حياتها: الفقر والخوف والجهل، والتعليم التلقيني.
في ظل هذا التاريخ العنفي، سلطةً ومجتمعاً، كانت فكرة السلام الداخلي، المحلي، هي الأضعف.
غياب السلام الاجتماعي
في هذه الأثناء، ماذا كان يحدث في المجتمع السوري؟ الأمكنة التي لم يستطع البعث السيطرة عليها أيديولوجياً وصلت إليها التيارات الإسلامية، وخاصة الإخوان المسلمين وتنظيم الطليعة المقاتلة. وفي زوايا المجتمع المهمشة نمت بعض الأحزاب اليسارية، وكل الأحزاب، يسارها ويمينها، دفعت ثمناً هائلاً من حيوات أعضائها ملاحقة واعتقالاً وموتاً تحت التعذيب.
العمود الفقري لكل ما سبق هو غياب السلام؛ فالبعث كان مملوءاً بالكراهية على كل من يعاديه فكرياً. وبقية الأحزاب عموماً كان يجمعها غياب الديمقراطية في برامجها السياسية وتأسيسها النظري.
فاليسار مشى وراء اليسار السوفييتي، والإسلاميون مشوا وراء أفكار الأمة الإسلامية ومحاولة إحياء فكرة الخلافة.
في ظل هذا التاريخ العنفي، سلطةً ومجتمعاً، كانت فكرة السلام الداخلي، المحلي، هي الأضعف.
وفترات السلام التي زعم البعثيون أنها فترات استقرار كانت عبارة عن تحضيرات أولية لحروب قادمة.
وكانت الثقافة ضحية الجميع. هي الحديقة التي يحتاجها الجميع، ولكن لا أحد يريد الدفع لها وحمايتها. الثقافة هنا ليست فقط الفكر والفلسفة والشعر والتاريخ والترجمة والتراث ومجمل الإنتاج الفكري المتداول، إنما طريقة العيش والتفكير والأمثال الشعبية المتداولة وما يخفيه الجميع عن الجميع، وما كان ممنوعاً من النشر أو من التعبير عنه علناً. لكن كل ممنوع مرغوب، ولا بدّ أن تعبّر الناس عن كل شيء مهما كان القمع السلطوي والاجتماعي قوياً.
السلام الخائف
وحين كانت الثقافة ملاحقة، كان السلام ينام خائفاً، مرعوباً من كمية الرصاص المنفلت في الأعراس وفي الجنازات. كان يبكي وحيداً في القلوب ولا يسمعه سوى قلة تؤمن بالحياة والمستقبل. ويكفي أن نفكك قاموسنا الشعبي السوري لنعرف كم كان السلام وحيداً ومنبوذاً.
فهذا القاموس الشعبي ممتلئ بأمثال الحرب والغلبة والرعب والسيطرة، وهو في كثير من محتواه قاموس عنصري في مناحٍ معينة. ولا أظنّ أن السلطة البعثية هي وحدها من أنتج هذا الكم الكبير من الأمثال الشعبية التي تحضّ على عشق فكرة الموت والقتل والانتقام. حتى في أسمى لحظات الفرح والأعراس كانت تطلّ الأسلحة الحربية وإطلاق النار كتعبير عن الفرح، ليموت في كل حفلة زواج أو طهور تقريباً إنسان ما بسبب رصاص "الفرح" هذا.
وكلما نادى أحد ما بفكرة السلام، ومعه الاستقرار والتنمية، كان يطلّ القاموس الشعبي السلطوي ليقتله معنوياً، قبل أن تعتقله السلطات البعثية وتحاكمه بتهمة التخابر مع الأعداء.
لاحظوا تهمة التخابر مع العدو وتربية فكرة عدو أبدي في المخيال الجمعي، في حين في الوقت نفسه كان أبناء المسؤولين البعثيين الكبار يركضون لاهثين لأوروبا للحصول على جنسياتها.
وترافق كل هذا العداء للسلام بعداء اجتماعي سببه جهل الناس بعضها ببعض. فكان دائماً هناك "آخر" اجتماعي شرير. وهذه "النحن" كانت تعني جماعة دينية أو قومية محددة. ومن كان يحاول تفكيك شيفرة الجهل والعداء هذا يعاقب بالاعتقال سلطوياً، واجتماعياً بالنبذ.
الكثير من الأحلام العظيمة لبشر سبقونا تحققت. فلنجرب جميعاً الدفاع عن فكرة السلام بكل معانيها ودلالاتها ونحميها من تصيد السلطات السياسية والاجتماعية.
بدل تأسيس الدولة تم تأسيس أسطول للشبيحة
واستطالت أنياب الجهل والكراهية بين أبناء المجتمع، وبدل تأسيس الدولة أسسوا أسطول سيارات مفيّمة للشبيحة. وخافت الفضيلة نفسها كقيمة أخلاقية من فاسدين سرقوا مليارات وتصدروا مشهد الجمعيات الخيرية. فكان الفقير ينتظر شهوراً ليحصل على مساعدة من أجل إجراء عمل جراحي، وكانت الحياة الاجتماعية عبارة عن مسرحية طويلة من تبادل الاتهامات والكراهية.
سيأتي أحد ما ويقول إني متشائم في رسم المشهد، وأجيب بأن الكراهية الحالية بين السوريين لم تكن فقط من نتاج 14 عاماً من الحرب، إنما نتاج عقود أخرى من التعفن الاجتماعي العام.
وللأسف كان هناك دائماً أحد ما خارجنا هو سبب شقائنا وتأخرنا. ومن كان يحاول البحث في دور العامل الذاتي ونبش أسباب التخلف العميقة يُتهم بالمبالغة.
والمحصلة كانت، كما نعرفها جميعاً، أصواتاً مخنوقة خائفة تبحث وتنادي بالحرية والسلام في بيئة حربجية تريد تطبيق شريعة العين بالعين والسن بالسن.
أعرف أن تاريخ العالم المعاصر والقديم والوسيط عبارة عن سلسلة حروب أكثر منه استقراراً وازدهاراً. وأعرف أن الجغرافيا السياسية السورية ستبقى تحدياً كبيراً أمام راسمي السياسات ومنفذيها، وأن السلام فكرة نبيلة تحتاج إلى أرجل قوية، منها دولة وطنية نأمل تحقيقها، ومجتمع مدني يساند الفكرة ويحميها.
وأكثر ما أنا مؤمن به أنّ الحياة ستدافع عن نفسها حتى النهاية، فكفانا حروباً ودماراً وكراهية وعقلية انتقام تغذي مخيالنا الجمعي والفردي.
Loading ads...
هل أحلم؟ ربما نعم، لكن الكثير من الأحلام العظيمة لبشر سبقونا تحققت. فلنجرب جميعاً الدفاع عن فكرة السلام بكل معانيها ودلالاتها ونحميها من تصيد السلطات السياسية والاجتماعية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


