لم يكن الذكر يومها مقروناً بسورةٍ محدّدة، ولا بآيةٍ بعينها. كل ما شعرت به هو شوقٌ إلى أن أقرأ شيئاً من كلام الله. شعرت وكأنني مريضة تبحث عن دوائها، وأنّ قلبي افتقد شيئاً لا يستطيع أي شيء آخر أن يعوّضه.
بحثت في كل مكان عن مصحف، ولم أجد أمامي إلا هاتفي. راح إبهامي يتنقل بين التطبيقات بسرعة، وكأنني أفتش عن شيء أضعته، أو كأنّ مريضاً يبحث بين حاجياته عن دوائه الذي لا يهدأ ألمه إلا به.
كان بين تلك التطبيقات ما ينفع، وما يملأ الوقت، وما يسرق الوقت أيضاً، لكنني يومها لم أكن أبحث إلا عن القرآن.
ما إن وجدت تطبيق المصحف حتى هدأ قلبي، وسكنت روحي، وكأنني وجدت شيئاً كنت أفتقده منذ زمن.
عندها، أدركت أنني لم أكن أشتاق إلى القراءة فحسب، بل إلى ذلك النور الذي لا يمنحه إلا كلام الله. فالقرآن ليس كتاباً نلجأ إليه عند الفراغ، بل وطنٌ نعود إليه كلما أثقلتنا الحياة، ودواءٌ لا ندرك حاجتنا إليه إلا عندما نبتعد عنه.
بعدها بمدة، كنت أستمع إلى سورة القمر بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، فتوقفت عند آيةٍ تكررت أربع مرات في السورة: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ".
في كل مرة أسمع فيها هذه الآية، أشعر أنّ السؤال موجَّه إليّ أنا. لم يكن سؤالاً عن عدد المرات التي ختمت فيها القرآن، ولا عن مقدار ما أحفظه، بل كان سؤالاً عن علاقتي به: هل جعلت القرآن ذكراً لقلبي؟ هل تدبّرت معانيه؟ وهل سمحت لآياته بأن تغيّر شيئاً في داخلي؟
جاءت هذه الآية بعد قصص أقوام كذّبوا رسل الله، فكانت خاتمة كل قصة تذكيراً جديداً، وكأنّ القرآن لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يوقظ القلب بعد كل مشهد، ويسأل الإنسان: هل اتعظت؟
بعد قصة النبي نوح، حين كذّبه قومه وأعرضوا عن دعوته، جاء أمر الله بالطوفان، فغرق المكذّبون ونجّى الله نبيّه ومن آمن معه. ثم جاءت قصة قوم عاد الذين كذّبوا هوداً، فأرسل الله عليهم ريحاً عاتيةً اقتلعتهم وجعلتهم عبرةً لمن بعدهم. ثم كذبت ثمود نبيّها صالحاً، فأرسل الله لهم الناقة آية واختباراً، لكنهم عقروها، فاستحقوا العذاب الذي أهلكهم. ثمّ جاءت قصة قوم لوط الذين كذّبوا رسولهم، فنجّى الله لوطاً ومن آمن معه، وأخذ المكذّبين بعذاب شديد.
وبعد كل قصة، تعود الآية ذاتها: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ".
توقفت طويلاً عند كلمة "مدّكر". لماذا لم يقُل الله: فهل من مذكّر؟
لأنّ المذكّر هو من يذكّر غيره، أما المدّكر فهو الذي يبدأ بنفسه، فيتذكر ويتعظ ويراجع قلبه قبل أن ينشغل بإصلاح الآخرين. وكأنّ القرآن يريد أن تكون أول رحلة إصلاح يقوم بها الإنسان هي الرحلة إلى نفسه.
ولعلّ من أعظم ما يميّز القرآن أنه يخاطب الإنسان في كل مرحلة من حياته بمعنى جديد. فقد نقرأ الآية نفسها مرات كثيرةً، ثمّ يأتي يوم نشعر فيه أنها نزلت لتخاطبنا نحن، لا لأنّ الآية تغيّرت، بل لأنّ قلوبنا هي التي تغيرت، ولأنّ التجارب التي مررنا بها جعلتنا نفهم من كلام الله ما لم نكن نفهمه من قبل.
فالقرآن ذكرٌ يصل العبد بربّه بلا واسطة. نتذكر فيه أسماء الله الحسنى وصفاته، ونتذكر رحمته وعدله ونعمه التي لا تُحصى، ونتذكر أوامره ونواهيه، كما نتذكر أنّ الدنيا ليست دار إقامة، وإنما دار عبور، وأنّ الآخرة هي الحياة الباقية. وهو كذلك يذكّرنا بمن سبقونا، لا لنروي قصصهم فحسب، بل حتى لا نسلك الطريق الذي سلكوه.
منذ أن استوقفتني هذه الآية، أصبحت أنظر إلى علاقتي بالقرآن بطريقة مختلفة. لم أعد أقيسها بعدد الصفحات التي أقرأها، ولا بعدد الختمات التي أنجزها، بل بالأثر الذي تتركه آية واحدة في قلبي. فقد تغيّر آية واحدة نظرة الإنسان إلى نفسه، أو تمنحه طمأنينة ظلّ يبحث عنها طويلاً في أماكن كثيرة.
ولعلّ أجمل ما في هذه الآية أنها لا تحمل عتاباً بقدر ما تحمل رحمة. فهي لا تقول إنّ الطريق إلى الله عسير، بل تخبرنا أنّ القرآن ميسر، وأنّ باب العودة مفتوح، وأنّ الهداية قريبة ممن يصدق في طلبها.
Loading ads...
ويبقى السؤال الذي تكرّره سورة القمر، ويتردّد في داخلي كلما أغلقت المصحف: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






