ساعة واحدة
الاقتصاد السوري بعد العزلة.. من يضع قواعد المرحلة الجديدة؟
الإثنين، 8 يونيو 2026
لم تعد سوريا تُقرأ اقتصادياً بالطريقة نفسها التي كانت تُقرأ بها قبل سنوات قليلة. فبعد مرحلة طويلة ارتبطت فيها السوق السورية بالعقوبات والانكماش وعدم اليقين، بدأت ملامح مختلفة تظهر تدريجياً حول عودة الحديث عن الاستثمار، وتصاعد الاهتمام الإقليمي بالسوق السورية، ودخول المؤسسات الدولية مجدداً إلى النقاش الاقتصادي، وظهور لغة جديدة تتحدث عن الشراكات، والقطاع الخاص، وإعادة بناء البيئة الاستثمارية.
لكن التحول الحقيقي لا يبدأ عادة من المشاريع أو رؤوس الأموال، بل من القواعد التي تُدار من خلالها السوق نفسها. ففي الاقتصادات التي تمر بمراحل إعادة تشكل كبرى، لا يكون السؤال الأهم: "كم حجم الفرص المتاحة؟"، بل: "من يضع القواعد التي ستُبنى عليها هذه الفرص؟" وهذا السؤال يبدو اليوم أكثر أهمية في الحالة السورية من أي وقت مضى.
فالمرحلة الحالية لا تتعلق فقط بإعادة تنشيط الاقتصاد، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، وبين التشريع والاستثمار، وبين الإدارة التقليدية ومتطلبات اقتصاد أكثر انفتاحاً وارتباطاً بالتحولات الإقليمية والدولية الجارية. ومن هنا، تبدو سوريا اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية حساسية منذ عقود؛ لحظة إعادة كتابة القواعد الاقتصادية نفسها.
خلال الأشهر الأخيرة، لم يعد النقاش الاقتصادي السوري محصوراً في ملفات التعافي أو إعادة الإعمار بالمعنى التقليدي، بل بدأ يتحول نحو أسئلة أكثر عمقاً تتعلق ببنية الاقتصاد القادم، كيف ستُدار السوق؟ ما شكل العلاقة الجديدة بين القطاعين العام والخاص؟ وما نوع البيئة القانونية والتنظيمية القادرة على استقطاب الاستثمار طويل الأمد؟
إن العنصر الأكثر تأثيراً في تشكيل البيئة الاستثمارية ليس عدد القوانين أو الحوافز وحدها، بل قدرة المؤسسات على إنتاج قواعد مستقرة، قابلة للفهم، ويمكن التنبؤ بكيفية تطبيقها.
هذا التحول لا يحدث بمعزل عن المشهد الإقليمي والدولي. فعودة الاهتمام بالاقتصاد السوري، سواء من قبل مؤسسات دولية أو شركات إقليمية أو دوائر استثمارية تراقب السوق بحذر متزايد، تعكس إدراكاً متنامياً بأن سوريا تدخل تدريجياً مرحلة اقتصادية مختلفة، تتجاوز منطق "إدارة الأزمة" نحو محاولة إعادة التموضع ضمن الخريطة الاقتصادية للمنطقة.
وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية، تصبح القاعدة الاقتصادية أكثر أهمية من الفرصة نفسها. فالمستثمر لا يدخل أي سوق اعتماداً على حجم الحاجة فقط، بل على مستوى الوضوح الذي تملكه الدولة في إدارة اقتصادها. ولهذا، فإن العنصر الأكثر تأثيراً في تشكيل البيئة الاستثمارية ليس عدد القوانين أو الحوافز وحدها، بل قدرة المؤسسات على إنتاج قواعد مستقرة، قابلة للفهم، ويمكن التنبؤ بكيفية تطبيقها.
ومن هنا تحديداً، يبرز التحدي الأهم أمام سوريا اليوم، فالاقتصاد السوري يمتلك بالفعل قطاعات مرشحة للنمو والاستثمار خلال المرحلة المقبلة، تشمل الطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والتطوير العقاري، والتكنولوجيا، والاتصالات، والخدمات المالية، إلى جانب قطاعات إنتاجية تمتلك قابلية عالية لاستعادة النشاط متى توفرت البيئة التنظيمية المناسبة.
وفي قطاع الطاقة مثلاً، لا تقتصر الفرصة على إعادة الإنتاج أو إصلاح البنية التقليدية، بل تمتد إلى مشاريع التوليد الحديثة والطاقة البديلة والبنية التقنية المرتبطة بإدارة الشبكات والخدمات، وهي مجالات ترتبط عادة باستثمارات استراتيجية طويلة الأمد.
أما في قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية، فإن وجود خبرات سورية واسعة داخل الأسواق الإقليمية والدولية يمنح سوريا فرصة حقيقية لبناء بيئة أعمال رقمية أكثر تطوراً، خاصة مع تسارع التحول الرقمي في المنطقة، وارتفاع الطلب على الحلول التقنية والخدمات الذكية.
لكن نجاح هذه الفرص لا يرتبط فقط بتوفر السوق أو رأس المال، بل بوجود منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج الثقة.
وهنا تظهر أهمية القواعد الاقتصادية الجديدة، ففي الاقتصادات الحديثة، لا تُقاس قوة البيئة الاستثمارية فقط بمرونة التشريعات، بل بمدى اتساق العلاقة بين السياسة الاقتصادية، والقرار الإداري، وآليات التنفيذ. وكلما ازدادت قدرة الدولة على توحيد المرجعيات التنظيمية، وتقليل التباين في التفسير والإجراءات، ارتفعت قابلية السوق لجذب الاستثمار النوعي طويل الأمد.
في سوريا اليوم، قد تكون الفرصة الأكبر ليست فقط في إعادة تشغيل الاقتصاد، بل في إعادة كتابة القواعد التي سيقوم عليها هذا الاقتصاد في المرحلة القادمة.
وفي الحالة السورية، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية، لأن الاقتصاد لا يمر فقط بمرحلة تعافٍ مالي أو تشغيلي، بل بمرحلة إعادة تشكيل مؤسساتي كامل. وهذا يعني أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحديث القوانين، بل في إعادة تعريف طريقة إنتاج القرار الاقتصادي نفسه.
فالمستثمر الذي يدرس السوق السورية اليوم لا يبحث فقط عن فرص الدخول، بل عن فهم الاتجاه، كيف تُدار العلاقة بين الدولة والسوق؟ ما حدود التدخل التنظيمي؟ كيف تُتخذ القرارات الاقتصادية؟ وما مدى استقرار القواعد التي ستُنظم السوق خلال السنوات المقبلة؟
وفي هذا السياق، تصبح الحوكمة الاقتصادية عاملاً حاسماً في تحديد قدرة سوريا على التحول من سوق تملك فرصاً كبيرة إلى سوق قادرة على استقطاب استثمارات مستقرة ومستدامة.
كما أن نجاح هذه المرحلة لن ينعكس على الداخل السوري فقط، بل على موقع سوريا الاقتصادي ضمن المنطقة ككل، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط في مجالات التجارة والطاقة والخدمات اللوجستية وإعادة رسم سلاسل الإمداد الإقليمية.
ولهذا، فإن بناء القواعد الاقتصادية الجديدة في سوريا لا يتعلق فقط بإدارة الحاضر، بل بتحديد شكل الاقتصاد السوري لعقود مقبلة، فالدول لا تدخل المراحل الاقتصادية الجديدة عبر المشاريع وحدها، بل عبر قدرتها على بناء قواعد تمنح المستثمر الثقة، وتمنح السوق الاستقرار، وتمنح الاقتصاد القدرة على النمو ضمن بيئة واضحة وقابلة للتطور.
Loading ads...
وفي سوريا اليوم، قد تكون الفرصة الأكبر ليست فقط في إعادة تشغيل الاقتصاد، بل في إعادة كتابة القواعد التي سيقوم عليها هذا الاقتصاد في المرحلة القادمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الحق الطبيعي في الملل
منذ ساعة واحدة
0

