منذ مدة بدأت أتحاشى نشر تفاصيل تخص يومياتي علي صفحتي في "فيس بوك"، فرغم أنني أقرر كثيرا التوقف عن الحديث عن الشؤون السورية والاكتفاء بنشر مقالاتي ونصوصي الشعرية علي صفحتي الافتراضية، إلا أنني أجد نفسي مدفوعة بدافع غامض لمتابعة الحدث السوري والتعليق عليه كل حين، منحية تفاصيل حياتي الشخصية واليومية.
ذلك أنني أشعر منذ مدة أن نشر تفاصيل شخصية على صفحة "فيس بوك" قد يكون فيه مباهاة ما لا تتناسب مع الحالة السورية (علي كل حال كان هذا دائما منذ 2012) ولا تتناسب مع الوضع العام للسوريين في داخل سوريا، الذين تكاد تفاصيل حياتهم اليومية تنحصر بتأمين لقمة عيشهم والحفاظ على أمانهم وحياتهم وإنسانيتهم وسط حفلات الجنون الطائفي القاتلة المتنقلة والمتبادلة سواء الواقع أو في عالم الافتراض.
لكن الملل من كل شيء يفرض نفسه أحيانا علي، الملل من السياسة ومن حملات التشهير التي تطالني وغيري، الملل من القتل ومن الكراهية ومن القلق ومن الخوف علي الآخرين ومن الخوف علي مستقبل البلد وعلي أجيالها القادمة، الملل من الثقافة ومن المثقفين الطائفيين ومن مواقفهم المراوغة، الملل من الشتائم اليومية المتبادلة والملل من الحنين والملل من كل شيء يتعلق بهذه الأرض الحزينة التي اسمها سوريا.
لم يعد السوري يملك الحق في الاهتمام بتفاصيل عادية كأن يفكر بنزهة مع الأصدقاء، أو أن يهتم بالنباتات التي يزرعها على شرفته، أو بنوع القهوة التي سيشربها صباحاً، أو بترف التفكير بوجبة غداء اليوم، أو بفستان جديد أو مسحوق زينة منتشر على "تيك توك" يناسب الصبايا..
في منتصف عام 2012 مع توحش المجازر بحق السوريين الثائرين، ثم الانقلابات والافتراقات التي حدثت للثورة وغرق سوريا في حرب طاحنة مجنونة لم تبق فيها بالكاد ما يمكن أن يكون بذرة تفاؤل يمكنها أن تعيد التوازن إلي مستقبل هذا البلد، تحول السوري من إنسان عادي يعيش يوميات عادية في بلده أو مدينته أو بلدته أو قريته إلى شخص ذو صفات محددة: ضحية، أو مهجر، أو شهيد، أو ناجي، أو ناشط، أو قتيل، أو فطيس، أو معارض، أو موالي، أو لاجئ، أو نازح، أو مندمج، أو هارب، أو رمادي، أو صامت، أو بطل، أو أيقونة.. إلخ.
جردت المأساة السورية السوري من عاديته وحولته إلى صفة تتبع جهة الواصف واصطفافه، لم يعد السوري يملك الحق في الاهتمام بتفاصيل عادية كأن يفكر بنزهة مع الأصدقاء، أو أن يهتم بالنباتات التي يزرعها على شرفته، أو بنوع القهوة التي سيشربها صباحاً، أو بترف التفكير بوجبة غداء اليوم، أو بفستان جديد أو مسحوق زينة منتشر على "تيك توك" يناسب الصبايا، لم يعد السوري قادرا على استيعاب أنه انسان عادي، صار منذ ذلك الوقت صفة وعليه أن يتصرف بناء علي هذه الصفة، التي وصم بها.
فهل تملك الضحية ترف الاهتمام بنوع القهوة التي ستشربها؟ هل يفكر القتيل بوجبة الغداء؟ هل لدي اللاجئ في المخيمات ترف التفكير بسهرة مع الأصدقاء؟ هل تملك الفتاة التي تسعي للاندماج مع مجتمع جديد أن تتابع ما ينشر على "تيك توك" من صيحات المكياج الجديدة؟ هل يستطيع الخائف رؤية مستقبل أبنائه؟ هل يحق لمن فقد عاديته وتحول إلى صفة أن يشعر بالملل الذي يشعر به بشر يعيشون في بلاد طبيعية لا صراعات فيها ولا حروب أنظمة ضد شعوبها ولا حروب دينية طائفية ولا فقر ولا تهجير ولا خوف ولا شيء سوي المسار الطبيعي والعادي: العمل والأبناء والحب والمستقبل والمتعة والأمراض المعتادة؟
يبدو في الوضع السوري -سابقا ولاحقا- أن الملل مجرد ترف لم يعد يحق للسوريين امتلاكه، فالملل ملازم للاستقرار الذهني ولروتين الحياة الذي يصنعه الأمان، أمّا السوري فهو يعيش في حالة من الخطر الدائم، الذي يستهدف حياته أو استقراره أو مكانه أو رزقه أو أبناءه، وفي حالات الخطر لا يوجد سوي الترقب والخوف ومحاولات النجاة، والسوري يعيش تحت الخطر منذ ما يقارب عقدا ونصف العقد من الزمن.
تخيلوا أن خمسة عشر عاما منع فيها السوري من الملل ومنع من أن يعيش حياة طبيعية وعادية كباقي البشر؟ لكن رغم هذا الحصار الكامل ضده وضد حياته، فالسوري، السوري فقط، أي من يؤمن أن هويته الوحيدة هي هوية المواطنة السورية، هذا السوري بدأ يشعر بالملل، لا لأنّ ظروف حياته قد تغيرت بل لأنه يريد أن يستعيد جزءا من إنسانيته، يريد أن يدفع عنه التنميط الوصفي الذي الحق به طيلة السنوات السابقة؛ يريد أن يغادر مأساته الطويلة من دون رجعة، رغم أن كل الظروف المحيطة به حاليا (السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية) تمنع عنه سعيه لاستعادة إنسانيته، لكنه يعرف جيدا أن السبيل الوحيد للنجاة من المأساة التي فرضت عليه هو استعادة تفاصيل يومياته والغرق في الروتين اليومي الممل.
لكن سعيه هذا يترافق دائما مع شعور عارم بذنب النجاة، حتى لو كانت نجاة ظاهرية، بينما ثمة سوريون آخرون يعيشون المأساة بكل تفاصيلها، شعور الذنب هذا يدفعه لتبرير سلوكه، لتبرير فرحه، لتبرير ملله، إذ ثمة دائما سوريون آخرون صفتهم هي مراقبة سوريين مثلهم وإطلاق الأحكام عليهم أو اتهامهم أو التشهير بهم بوصفهم خارجين عن السياق المأساوي، الذي لا يجوز الخروج عنه، وكأنّ البقاء ضمن دائرة المأساة هو الهوية الوحيدة التي ينبغي أن يحملها السوري.
هذا النوع من العدمية لطالما كان كارثيا على الشعوب، إذ ينجو شعب ما حين يؤمن أن استعادة إنسانيته بكل تفاصيلها هو الطريق الوحيد نحو المستقبل؛ العدمية تعطل التفكير بالقادم وتعطل العمل على تغيير الحاضر، العدمية موت مؤجل، ولا ينقص السوريين اليوم نوع من أنواع الموت.
تشفى المجتمعات حين يُعترف بأهمية الفرد وأهمية روتين حياته وأهمية حقه في الملل من الموت والسياسة والطائفية والشتائم والانقسام والكراهية والغضب والحقد، وأهمية حقه في الابتعاد عمن وعما يذكره بمأساته بما مر عليه، وحقه في أن يعيش يوما كاملا من دون أن يكون ضحية أو قتيلا أو مهجرا أو بطلا أو ابن مظلومية من المظلوميات..
هذه العدمية يسعي اليوم لتكريسها أصحاب الهويات العابرة والمادون الوطنية، الهويات الطائفية والقبلية والعشائرية، الذين لا يرون في مستقبل الأوطان إلا ضمن دائرة هويتهم فيعملون علي تدمير الحاضر إن كان فيه خرقا للدائرة، هؤلاء يريدون للسوريين أن يبقوا أسرى المأساة وأن يستدعون دائما إلى دائرة جراحهم المغلقة وأن ينبذون التفكير في التخلص من مأساتهم عبر استعادة إنسانيتهم التي سحقتها الحرب والموت والدمار.
لا تُشفى المجتمعات فقط بالعدالة أو فقط بالنجاح السياسي أو الاقتصادي (وجميعه غير موجود في سوريا أصلا)، تشفي بعودة تفاصيل الحياة الصغيرة، التفاصيل التي تصنع اليوميات، والتي تصنع المجتمع والعادات والتقاليد والثقافة المجتمعية، تشفى بمحاولات استعادة الاستقرار النفسي والذهني للأفراد وبالاعتراف بأن من حق هؤلاء الأفراد أن يكونوا بشرا عاديين بلا صفات ملحقة بهم نتيجة الحرب والعنف والثورة.
Loading ads...
تشفى المجتمعات حين يُعترف بأهمية الفرد وأهمية روتين حياته وأهمية حقه في الملل من الموت والسياسة والطائفية والشتائم والانقسام والكراهية والغضب والحقد، وأهمية حقه في الابتعاد عمن وعما يذكره بمأساته بما مر عليه، وحقه في أن يعيش يوما كاملا من دون أن يكون ضحية أو قتيلا أو مهجرا أو بطلا أو ابن مظلومية من المظلوميات، التي أصبحت سياقا سوريا عاما، فبعد كل ما حدث ويحدث قد يكون الملل أحد الامتيازات التي يجب علينا الدفاع عنها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الحق الطبيعي في الملل
منذ ساعة واحدة
0

