37 دقائق
زهرة المنصوري للجزيرة نت: “ليته كان هراء!” تُسائل الذاكرة.. والوجع الإنساني لا تحده جغرافيا
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

في مشروعها الروائي الممتد، تنشغل الروائية والأكاديمية المغربية زهرة المنصوري بالحفر في الذاكرة والهوية، مستعيدة مراحل حرجة من تاريخ المغرب، وتحديدا "زمن السيبة" (فترة الانفلات الأمني وتراجع سلطة المخزن في القرن التاسع عشر وبداية العشرين).
تسعى المنصوري لتقديم "تأريخ أدبي" نابض بالحياة، في مواجهة تاريخ رسمي تراه جافا ومشكوكا في تفاصيله.
والمنصوري، أستاذة السيميائيات بجامعة ابن زهر بأكادير والحاصلة على دكتوراه الدولة في "سيميوطيقا التواصل السينمائي"، توظف خلفيتها الأكاديمية العميقة وتجربتها في كتابة السيناريو لخدمة المعمار السردي والمشهدية البصرية لعملها.
فبعد إثارتها لآفة المخدرات في "البوار" (جائزة المغرب للكتاب 2006)، وصدام الشرق والغرب في "من يبكي النوارس؟" (جائزة الإبداع العربي 2009)، والانفلات الأمني في "الغثاء"، تعود في روايتها الجديدة "ليته كان هراء!" (دار فضاءات – 558 صفحة) لتقليب أوجاع الماضي.
في هذا الحوار، تفتح المنصوري خزانة مشروعها الروائي، وتناقش تقاطعات الذاكرة الشفوية مع التاريخ، وفلسفتها في "البطولة الجماعية"، وأزمة المواكبة النقدية في المشهد الثقافي.
رواية "ليته كان هراء!" دراما سردية تلفها روح مأساوية في زمن يعج بالاضطرابات والثارات. يجمع العمل بين حكاية الحفيد "مصطفى"، السجين السابق الذي يوظف الكتابة لمساءلة هزائمه الفردية والجماعية، وحكاية جده "المهدي" الفاقد للذاكرة. لكن هذيان الجد يكشف إشارات ملغزة؛ أسماء وجرائم قتل، ليجد الحفيد نفسه أمام حكاية أوسع من سيرته، وينطلق في رحلة حفر في التاريخ المنسي.
تتقاطع الأزمنة ليظهر أن الجد أخفى ذاكرته لدفن ماضٍ مثقل بالانكسارات، وتتكشف المأساة عبر استرجاع صدام والده "عليّ الحناوي" وزوجته "عائشة"، وفرار الأخيرة طلبا لحماية خالها "سليمان". هنا يتمدد السرد من محنة أسرة إلى محنة مجتمع يرزح تحت بطش "القايد الخمار". استحضار هذه الفترة يطرح سؤالا حارقا: ليت الأجداد نصبوا مرآة لأحزانهم المسماة "ثأرا"، ليروا إلى أي حد صنعوا البؤس واكتووا به، سلفا وخلفا.
الرواية لا تكتفي باستعادة وقائع تمتد لأكثر من قرن، بل تجعل الذاكرة نفسها موضوعا للمساءلة: كيف تُنقل الأحداث؟ وبوجهة نظر مَن تُحكى؟ وكيف يتحول النسيان وما يُقتنص من ذاكرة المعمرين إلى مستودعات لتاريخ لم يُكتب؟
الرواية تبني معرفة بالمجتمع من خلال الشهادة والمكان لا الوثيقة الرسمية، وتعيد الاعتبار للذاكرة الشفوية والمخيال الشعبي. ما تهمله السجلات الكبرى قد تحفظه ذاكرة قرية، أو عجوز. حاول العمل اقتناص محطات بلغت حدا غير مسبوق من العنف، لالتقاط رموزها الكبرى دون انتظار تاريخ يصدح بالأكاذيب والمغالطات.
الرواية تستعيد ملامح الحياة الاجتماعية من جفاف ومجاعات وأوبئة واستغلال ذوي النفوذ للمحتاجين حتى أصبح الإنسان يقدم حريته مقابل قطعة خبز، لكنها لا تدعي أبدا أنها تقوم بمهمة المؤرخ؛ بل تحول التاريخ إلى أسئلة وجودية.
اخترت هذا المعمار لأن الرواية تعالج مرحلة زمنية تمتد لأكثر من قرن بشكل ملحمي، وهي "رواية نهرية" (ممتدة) تتكون من ثلاثة أجزاء. يعكس هذا الامتداد رغبة في جعل الزمن الروائي يستوعب مأساة أجيال متعاقبة، وإحساسا باتساع الوجع إلى حيث يضيق به الجزء الواحد.
أقصى ما يطمح إليه الكاتب ليس فقط حبس أنفاس القارئ، بل أن يتماهى هذا القارئ مع القيم الكبرى التي يدافع عنها النص.
العنوان عتبة استشرافية و"ميثاق ائتماني" بين القارئ والكاتب لا يجب خرقه بالمراوغة. نعم، الأسئلة الفلسفية والوجودية كانت حاضرة منذ البداية، فهي ليست وليدة اللحظة بل نتاج تراكم معرفي وثقافي وأكاديمي ومعيشي. التاريخ بانكساراته هو مادة الرواية لنحت وجود ورقي يُدين القبح والتشوه والسلوك اللاإنساني.
مقاصد النص تنشد بديلا يكتبه العشق المطمور في قلب كل آدمي لحياة أفضل، ليكون العمل مرآة يعرض فيها الواقع ذاته الغارقة في التخلف.
إلى جانب الأسئلة الوجودية، تضيف الرواية بعدا "ميتاسرديا"؛ فمصطفى لا يروي الحكاية فقط، بل يناقش مصادرها، ويؤكد على ضرورة الحرص على التوزيع غير العادل للمعرفة بين الكاتب والشخوص والقارئ. يتساءل عن أصالة الموضوع مقابل أصالة الصياغة، ليصل إلى أن موضوعات الحب والانتقام والمحنة تتكرر، وأن ما يمنح الحكاية خصوصيتها هو "طريقة الصياغة".
كما تقوم الرواية على التردد الخلاق بين الحقيقة والخيال؛ فحين يصل مصطفى إلى الأمكنة يجد آثارا تتطابق مع الرواية الشفوية، لكن يصعب عليه وضع حد فاصل بين ما وقع بالفعل وما أعاد تشكيله. التاريخ هنا ليس وثيقة محايدة، بل مادة يُعاد تشكيلها باللغة والخيال لمقاومة التشظي واللامعنى.
ومن خلال هذا الحفر والبحث، يجد مصطفى نفسه يقوم بعمل المؤرخ والأنثروبولوجي وعالم الاجتماع، لأن الذاكرة هي كل ذلك.
ليس لدي رغبة في ترسيم أدوار جديدة ولست مؤهلة لذلك، لكنني أكتب عن محنة الكائن البشري (رجلا كان أو امرأة). لذا، انتهكتُ في رواياتي مفهوم البطولة بأبعادها الجنسية لصالح "البطولة الجماعية". النساء في أعمالي لا يظهرن كهوامش لحكاية الرجال؛ بل كحاملات للذاكرة وفاعلات في المقاومة. "عائشة" لا تبقى ضحية انتقام بل تلجأ للحيلة، و"زينب" تتحول لشخصية رافضة للاستبداد، و"ربيعة" تعمل من داخل مركز السلطة، و"فاختة" تأتي كقوة حاسمة. التغيير لا يصنعه بطل خارق منفرد، بل يتشكل من رجال ونساء وضعوا اليد في اليد لمقاومة الجهل، ولم يرضوا بغير "عش النسور" موطنا.
النهاية ليست مفتوحة في كل الأجزاء. في الجزء الأول ("نحو أقاصي الجنون")، قرر السارد مصطفى في الصفحة 191 التوقف لمنح القارئ نهاية مفتوحة ليصير مشاركا في عملية الإبداع، لكنه سرعان ما قذف بكل الأسرار على لسان "سيدة الحمى"، لينتهي هذا الجزء بتخلص الجد من وزره ووفاته عن عمر ناهز القرن ودُفن في مسقط رأسه. أما الجزء الثالث ("وليمة اللهيب")، فانتهى بحصول المجتمع على التحرر من التسلط (نهاية مغلقة ومفعمة بالأمل). في حين ظلت نهاية جزء "سليل الشجن" مشرعة على كل الاحتمالات، ليستمر السرد شجنا معلقا يروي مآسي أجدادنا، ويردد لا شعور النص: "ليته كان هراء!".
هي جزء من مشروع روائي بدأته منذ سنوات للحفر في الذاكرة والتاريخ والهوية. كتبت عن نفس المرحلة الزمنية ونفس العائلة، وكان لابد من التذكير حتى تكون هناك وحدة سردية دلالية. هذا المشروع يوظف خامات التاريخ لكشف الحقيقة ليس فقط "كما حدثت"، ولكن أيضاً "في الذي كان يجب أن يحدث وأخطأته الإرادات".
اعتمدت إستراتيجية "اقتناص السواد" لنسج أحلك لحظات التاريخ المسكوت عنها بوجهة نظر مغايرة. واللافت أن هذا المشروع لم يعتمد بناء إحداثيات جغرافية تُجلي مكاناً محدداً بعينه؛ لإيماني العميق بأن الوجع الإنساني لا يجب أن يُحبس في أي مكان ولا في أي زمان.
تدخل رواياتي في إطار "تحريك الضمير". المبدع ملزم بالانخراط في معاناة مجتمعه ليقدم أدبا يخاطب الإنسان الكوني. في "من يبكي النوارس؟" انفتحت على قضايا عالمية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وعبّرت الرواية عن امتعاضها من الضربات التي تلقاها المسلمون وغزو شعوب حرة (العراق وأفغانستان) باسم تحريرها، متسائلة: مَن المسؤول عن الموت الذي بكت على إثره نوارسنا (استعارة عن أطفالنا)؟
وفي "البوار" ساءلت زراعة المخدرات؛ حيث رأيت قرى تصرخ من التهميش وترتمي في هذه الآفة، ورأيت قيماً تبور وتصفية حسابات يصعب تخيلها. إبداعي يطرح قضايا تؤطرها منظومة قيم كونية تمس كرامة الإنسان وحريته، وهذا هو معيار الكتابة الجادة.
الحديث عن أدب نسائي ورجالي يجب ألا يصنع منا جزراً منفصلة كما نجد في بعض الخطابات التي غالباً ما تنحو نحو الصراع الذي نحن في غنى عنه. أدافع عن أدب إنساني ننصهر فيه جميعاً لمواجهة التخلف والفقر.
لا أنكر أن هناك قضايا شائكة بخصوص المرأة يجب أن تُطرح بجرأة في الإعلام والأدب وفي الحقل السياسي والحقوقي. ولا أعتقد أن الخصوصية يُتذرع بها لغاية معينة، بل هي قناعات يجب أن تُحترم. فأنا أومن بأن وجود المرأة في حياة أبنائها وزوجها ووالديها يشبه "العيد"، وإن اختفت هي، اختفت كل الأعياد؛ وعلى المجتمع أن يتعامل معها على هذا الأساس. ورغم ذلك، لا أستطيع أن أكتب أدبا نسائياً صرفاً، فقضاياي شمولية وبطولتي بصيغة الجمع.
جديدي هو رواية قيد النشر بعنوان "أولئك الغرباء"، تندرج في إطار مشروع الحفر في التاريخ، لإيماني بأن الحفر في الماضي أجدى من الحفر عن المعادن النفيسة، لأنه يساعد على بناء الحضارات.
Loading ads...
أما المواكبة النقدية، فلا تستطيع مسايرة كثرة الإنتاجات، خصوصا وأن الرواية باتت مرتبطة بالتسويق والدعاية وتحتاج لمتدخلين كثر. نحن نعاني من تداعيات الركود الثقافي الذي يدفع أحيانا للتفكير في الانسحاب، لولا أننا لم نُشفَ من "داء الكتابة" وننجو من آفة الإبداع. أما ابتعادي عن التجمعات، فمردّه التزاماتي كأستاذة للتعليم العالي والبحث العلمي، ومسؤولياتي الأسرية، وما تتطلبه الكتابة من اعتكاف واختلاء بالنفس، وهو ما لا يدع لي وقتاً لحضور التظاهرات والملتقيات الثقافية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

موسم الزيتون.. توقعات بإنتاج وفير وسط ترقب للأسعار...
منذ ثانية واحدة
0

"نبض البلد" يناقش حدود الحفلات والذوق العام بين الخصوصية...
منذ ثانية واحدة
0


