4 أشهر
الأراضي الناتجة عن انحسار نهر الفرات.. أملاك دولة تتحول إلى ملكيات أمر واقع
الثلاثاء، 6 يناير 2026
على ضفاف نهر الفرات في دير الزور، تنكشف مع كل انحسار جديد للنهر، مساحات من الأراضي التي كانت مغمورة بالمياه، هذه الأراضي، التي يُفترض أنها أملاك عامة للدولة، أصبحت خلال السنوات الأخيرة هدفاً لاستيلاء منظم وغير معلن، يجري في وضح النهار، من دون قرارات رسمية أو إجراءات قانونية.
يتكرر السيناريو بشكل دائم، فمع تراجع المياه، تبدأ الأراضي الطينيّة بالظهور، ثم تتسع المساحة تدريجياً حتى تصبح أراض واسعة خلال أشهر قليلة، عند هذه النقطة، لا ينتظر الراغبون باستثمار هذه الأراضي قراراً رسمياً، بل يجدون مباشرة فرصة للاستيلاء عليها، إذ يبدؤون بحراثتها، أو إحاطتها بسواتر ترابية، أو زرع محاصيل سريعة، حتّى تجاوز الأمر ذلك إلى إقامة مشاريع كمكابس البلوك وغيرها على تلك الأراضي، في رسالة واضحة "هذه الأرض أصبحت لنا".
يقول أحد سكان دير الزور، لموقع تلفزيون سوريا، إنّه لا أحد يسأل من أين جاءت الأرض أو لمن تعود، المهم من يضع يده أولاً، مضيفا أنّ التجاوزات امتدّت من حدود النهر إلى الطريق العام، وهناك من ردم هذه الأراضي ببقايا الأنقاض ووضع لها سور لعدم الاقتراب منها.
ملكية بالقوة لا بالقانون
رغم وضوح الوضع القانوني لهذه الأراضي، إلا أن الاستيلاء يتم تحت غطاء اجتماعي أساسه القوّة والنفوذ، ففي بعض الحالات، يحتمي واضعو اليد بثقلهم العشائري، وفي حالات أخرى، بعلاقات مع جهات نافذة، أو حتّى بحكم محاذاة أراضيهم للأراضي الناتجة عن انحسار النهر، ما يجعل الاعتراض أو تقديم شكوى أمر صعب.
يقول المحامي رامي العساف، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ هذه الأراضي قانونيّا هي أراض للبلديّة إذا كانت داخل المخطّط التنظيمي، ولكن يتمدّد أصحاب الأراضي المجاورة عليها، في حال لم يكن هناك رقابة صارمة على هذه الأراضي، وهذا الأمر ليس جديدا.
ويضيف أنّه لا يستطيع المستولون على تلك الأراضي التمسّك بها في حال وجود مشروع حكومي أو حملات لاستعادة هذه الأراضي ويردف: "كلنا نتذكّر أنّه عندما تمّ شق طريق الكورنيش لم يعترض أصحاب الأراضي التي تمّ شق الطريق عليها لأنّها أساسا أراضي دولة".
خسائر الدولة والمجتمع
لا يقتصر الضرر على الجانب القانوني، فاقتصادياً، تخسر الدولة مساحات كان يمكن استثمارها ضمن مشاريع زراعية منظمة أو تأجيرها بعقود قانونية تعود بعائدات للخزينة العامة، واجتماعياً، يُكرّس هذا الواقع تمايزا بين من يملك النفوذ ومن لا يملكه، فصغار المزارعين، والعاطلون عن العمل، لا يستطيعون الوصول إلى هذه الأراضي، في حين تتحول إلى امتياز لفئة محدودة.
يقول أحد الراغبين بافتتاح مشروع صغير، لموقع تلفزيون سوريا، نحن أولى بهذه الأرض، لكننا آخر من يُسمح له بالاقتراب منها، وأيّ محاولات فردية للاعتراض تنتهي بتهديدات مباشرة، أو بنصائح "غير رسمية" بعدم إثارة المشكلات.
ويضيف أنّه مستعد لاستئجار أرض على سرير النهر من البلديّة بشكل مباشر، وبعقود رسميّة وفق مبلغ متّفق عليه، لكن استئجار أرض مستولى عليها قد يعرّض المستأجر إلى مشكلات مع المستولي عليها، وبالتالي يحتاج المستأجر إلى قوّة قانون تحميه.
السؤال الجوهري هو، من الجهة المسؤولة عن حماية هذه الأراضي؟
نظرياً، تتوزع المسؤولية بين عدة جهات، الموارد المائية، الزراعة، الإدارة المحلية، والبلديات، وأمّا عملياً، لا يظهر أي منها على الأرض سوى بلديّة مدينة دير الزور التي تلاحق المستولين على هذه الأراضي وأصحاب المشاريع المقامة عليها، ومن يردمونها بالأنقاض.
وفي ظل هذا التداخل تشير مصادر مطلعة، لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن تداخل الصلاحيات، وضعف التنسيق، وغياب التوجيهات الواضحة، خلق فراغاً إدارياً استغله الأفراد لصالحهم.
يقول رئيس بلديّة مدينة دير الزور، المهندس ماجد حطاب، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ مراقبي البلديّة ينفذون جولات يوميّة على هذه الأراضي وأصحاب المشاريع المقامة عليها كمكابس البلوك، لكن البلديّة أساسا تعاني من قلّة الكادر الموجود لديها، وبالتالي لا تستطيع تغطية الأمر بشكل كامل.
ويضيف أنّ اتحاد الحرفيين طلب تأجيل إغلاق هذه المكابس لمدّة شهر، ثمّ طلب التمديد حتّى مطلع العام الحالي، حتّى يتم نقل هذه المكابس، لكن لم يتغيّر أي شيء فعلي على الواقع، لذلك ستبدأ البلديّة بتشميع المكابس واستدعاء أصحابها.
في المقابل، لم تصدر أي بيانات رسمية توضح موقف الدولة من هذه الأراضي، أو تحدد آلية التعامل معها، ما عزز الاعتقاد السائد بأن الاستيلاء أمر واقع لا يُسأل عنه أحد.
لا يقتصر الضرر على الجانب القانوني فحسب، إذ تخسر الدولة اقتصادياً مساحات واسعة كان يمكن إدخالها ضمن مشاريع زراعية منظَّمة، أو استثمارها عبر عقود إيجار قانونية تعزّز الخزينة العامة بإيرادات مستدامة، في وقت تعاني فيه المحافظة من أزمات اقتصاديّة بسبب شح الموارد، كما يؤدّي هذا الواقع إلى إضعاف دور المؤسسات الرسمية، وترسيخ أعراف غير قانونية تحلّ محل القانون، بحيث يصبح الاستيلاء بحكم الأمر الواقع أقوى من الملكية العامة.
أما اجتماعياً، فيُكرّس هذا السلوك فكرة النفوذ والقوة على حساب العدالة الاجتماعيّة، إذ يُقصى صغار المزارعين والراغبين بافتتاح مشاريع صغيرة عن هذه الأراضي، رغم حاجتهم الماسّة إليها كمصدر رزق، في حين تتحوّل إلى امتياز لفئة محدودة قادرة على فرض سيطرتها، ما يعمّق الفجوة الاجتماعية وينمّي شعور الغبن وانعدام الثقة بالدولة.
يقول الشاب سعد الذي يرغب بافتتاح مشروع صغير، لموقع تلفزيون سوريا، إنّه من المفترض أن تكون هذه الأراضي ملكاً عاماً، يستفيد منها من يعمل ويتعب، لا من يفرض نفسه بالقوّة العشائريّة أو معرفة المتنفّذين، ويضيف "نحن أولى بها لأننا نريد أن نعيش منها، لا أن ننمي ثرواتنا ونوسّع أملاكنا".
Loading ads...
ما يجري على ضفاف الفرات في دير الزور ليس مجرد تجاوزات فردية فحسب، بل سلوك يعكس خللاً في إدارة الموارد العامة -بحسب أصحاب مشاريع زراعيّة- فالأراضي التي انحسر النهر عنها تحولت من ملك عام إلى ملكيات أمر واقع، وسط غياب أي حلول فعّالة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

