المربع نت – لسنوات طويلة كانت الصين تقدم نفسها باعتبارها الساحة الأسرع نمواً في عالم السيارات ذاتية القيادة. وبينما كانت الشركات الأمريكية تتصارع مع القوانين واللوائح والتجارب المحدودة، كانت المدن الصينية تفتح شوارعها أمام آلاف المركبات الذاتية، وتتحول إلى مختبر مفتوح لتقنيات القيادة الآلية التي قيل لنا مراراً إنها ستغير شكل النقل إلى الأبد.
لكن خلال الأسابيع الأخيرة حدث أمر لافت قلب المعادلة رأساً على عقب.. ففي مدينة ووهان الصينية، توقفت أكثر من 100 سيارة أجرة ذاتية القيادة تابعة لخدمة Apollo Go التابعة لبايدو بشكل مفاجئ في الشوارع، ما أدى إلى تعطيل الحركة المرورية واحتجاز بعض الركاب داخل رحلاتهم لفترات متفاوتة.
ورغم أن الحادث لم يسفر عن إصابات، إلا أن تأثيره كان أكبر بكثير من مجرد عطل تقني عابر، والنتيجة كانت تحركاً سريعاً من السلطات الصينية، التي قررت تعليق إصدار تراخيص جديدة لمشروعات القيادة الذاتية من المستوى الرابع، وهو المستوى الذي يسمح للسيارة بالعمل دون تدخل بشري مباشر في معظم الظروف التشغيلية.
تعطل عشرات السيارات ذاتية القيادة في الشوارع العامة في وقت واحد ليست مجرد مشكلة تكنولوجية فقط، بل هي أزمة تتعلق بالسلامة العامة والثقة المجتمعية والبنية التنظيمية بالكامل.
ولهذا السبب استدعت الجهات التنظيمية الصينية المسؤولين عن المدن التي تستضيف برامج القيادة الذاتية، وطالبت بإجراء مراجعات شاملة لأنظمة السلامة والمراقبة، في خطوة تعكس حجم القلق الذي أثاره الحادث داخل أروقة الحكومة الصينية.
الأهم من ذلك أن القرار لم يقتصر على بايدو فقط، بل شمل فعلياً تجميد توسع القطاع بأكمله، ما يعني أن الشركات لن تتمكن حالياً من إضافة أساطيل جديدة أو دخول مدن جديدة أو إطلاق مشاريع اختبارية إضافية.
الصين ليست دولة متحفظة تجاه التكنولوجيا الجديدة. بل على العكس، كانت من أكثر الدول اندفاعاً نحو تبني الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والقيادة الذاتية خلال العقد الماضي، لكن الحكومة تدرك أيضاً أن أي حادث كبير قد يغير الرأي العام بالكامل.
ولهذا لا تنظر السلطات إلى القضية باعتبارها مجرد مشكلة هندسية، بل باعتبارها قضية اجتماعية وسياسية أيضاً، فالقيادة الذاتية لا تهدد فقط بإحداث أعطال تقنية محتملة، بل تهدد أيضاً ملايين الوظائف المرتبطة بالنقل التقليدي. وفي ووهان نفسها خرج سائقو التاكسي قبل عامين للاحتجاج على انتشار سيارات Apollo Go، خوفاً من فقدان وظائفهم مع توسع الخدمات الذاتية.
حتى قبل الحادث الأخير كانت السلطات قد جمدت بعض الموافقات التنظيمية خلال 2024 بسبب هذه المخاوف الاجتماعية، قبل أن تعود وتستأنف إصدار التصاريح في 2025.
بمعنى آخر، الأزمة الحالية لم تبدأ مع تعطل السيارات فقط، بل كانت هناك بالفعل حالة توتر كامنة تحت السطح.
المفارقة الأخرى أن الحديث هنا لا يدور حول مشروع صغير أو تقنية تجريبية محدودة، فبحسب تقديرات مؤسسات بحثية صينية، قد تتجاوز قيمة سوق سيارات الأجرة الذاتية والقيادة الآلية 83 مليار يوان بحلول نهاية العقد الحالي، أي ما يعادل أكثر من 45 مليار ريال سعودي تقريباً.
ولهذا جاء رد فعل المستثمرين سريعاً.. فور انتشار الأنباء، تراجعت أسهم بايدو، كما هبطت أسهم شركات أخرى مثل Pony AI وWeRide بنسب وصلت إلى 5.5% في البورصة الصينية، رغم أن خدماتها استمرت بالعمل بشكل طبيعي.
السبب بسيط: المستثمرون لا يخشون حادث ووهان نفسه، بل يخشون أن يكون مؤشراً على تباطؤ تنظيمي طويل الأمد يعرقل نمو القطاع بأكمله.
المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة مرت بتجارب مشابهة خلال السنوات الماضية، فشركة كروز التابعة لجنرال موتورز تعرضت لضغوط تنظيمية كبيرة بعد سلسلة حوادث أثارت تساؤلات حول سلامة أنظمتها، وانتهى الأمر بتقليص عملياتها وإعادة هيكلة برامجها الذاتية.
كما واجهت Waymo التابعة لجوجل سنوات طويلة من الاختبارات والقيود التنظيمية قبل أن تحصل على موافقات تشغيل أوسع.
بمعنى آخر، ما يحدث في الصين اليوم ليس حالة استثنائية، بل ربما يكون جزءاً من المسار الطبيعي لأي تقنية تحاول الانتقال من المختبرات إلى الشوارع الحقيقية.
لعدة سنوات سادت فكرة أن القيادة الذاتية الكاملة أصبحت مسألة وقت فقط، وأن السائق البشري سيختفي تدريجياً خلال سنوات قليلة، لكن الواقع بدأ يكشف صورة أكثر تعقيداً.
فالسيارات أصبحت قادرة على القيادة الذاتية في ظروف كثيرة، لكنها ما تزال تواجه تحديات ضخمة عندما يتعلق الأمر بالحالات النادرة وغير المتوقعة، وهي الحالات نفسها التي يواجهها البشر يومياً على الطرق.
اقرأ أيضاً: “تقارير المربع” من المصانع إلى البورصة.. لماذا أصبحت الوعود أهم من السيارات نفسها؟
ولكن رغم الضجة التي صاحبت قرار التجميد، من غير المرجح أن تتخلى الصين عن سباق القيادة الذاتية، فالحكومة ما تزال ترى هذه التقنية جزءاً أساسياً من منافستها التكنولوجية مع الولايات المتحدة، كما أن الشركات الصينية استثمرت مليارات الدولارات للوصول إلى هذه المرحلة.
Loading ads...
لكن ما حدث في ووهان قد يكون أول تذكير حقيقي بأن الطريق نحو السيارات ذاتية القيادة بالكامل سيكون أطول وأكثر تعقيداً مما وعدت به الشركات خلال السنوات الماضية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

بميزات ثورية .."ميتا" تطلق اشتراكات مدفوعة جديدة
منذ ساعة واحدة
0

الصين توقف تراخيص سيارات الأجرة ذاتية القيادة
منذ ساعة واحدة
0



