5 أيام
من اقتصاد الحرب إلى التعافي.. هل تعود سوريا إلى اقتصاد 2010؟
الخميس، 17 سبتمبر 2026
أثار حديث الرئيس أحمد الشرع عن مسار الاقتصاد السوري خلال السنوات المقبلة نقاشاً واسعاً حول قدرة البلاد على استعادة مستويات ما قبل الحرب، بعدما توقع وصول حجم الاقتصاد إلى نحو 50 مليار دولار خلال عام 2026، والعودة إلى مستويات عام 2010 في 2027، مع طموح حكومي برفعه إلى 200 مليار دولار خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة في حال استقرار الأوضاع إقليمياً ودولياً.
وفي حديثه خلال قمة الإعلام العربي في دبي، قال الشرع إن حجم الاقتصاد السوري كان يبلغ نحو 60 مليار دولار في أفضل حالاته عام 2010، قبل أن ينخفض إلى نحو 20 مليار دولار في عام 2024، ثم يرتفع إلى نحو 32 مليار دولار في 2025، مع توقعات بالوصول إلى 50 مليار دولار خلال 2026، قبل بلوغ مستويات 2010 في العام التالي.
لكن هذه الأرقام تفتح أسئلة تتجاوز حجم الناتج المحلي إلى طبيعة النمو ومصادره، ومدى انعكاسه على حياة السوريين، في ظل اقتصاد خارج من سنوات طويلة من الحرب وتراجع الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية.
ناقش برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا هذه التوقعات مع الخبير في التخطيط الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي والخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، حيث رأى الحمدي أن حديث الشرع لا ينبغي قراءته من زاوية الأرقام فقط، بل باعتباره مؤشراً إلى وجود رؤية اقتصادية تستهدف مرحلة التعافي وإعادة بناء الاقتصاد.
وفي المقابل، أوضح عبد الكريم أن معدلات النمو المرتفعة التي تسجلها الاقتصادات الخارجة من النزاعات ليست بالضرورة مؤشراً على ارتفاع مماثل في الإنتاجية، إذ تنطلق هذه الاقتصادات عادة من قاعدة منخفضة للغاية. وأشار إلى أن سوريا لا تبدأ من اقتصاد يعمل بكامل طاقته، وإنما من اقتصاد يضم مصانع متوقفة أو تعمل بجزء من قدراتها، وأراضي زراعية خرجت من الإنتاج، إلى جانب طرق ومطارات وموانئ وقطاعات تجارية وخدمية تحتاج إلى إعادة تشغيل.
وبحسب عبد الكريم، فإن إعادة تشغيل هذه الطاقات المعطلة يمكن أن تحقق معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات الأولى، وبكلفة ووقت أقل مقارنة ببناء اقتصاد جديد من الصفر. وضرب مثالاً بالفارق بين نمو اقتصاد حجمه 20 مليار دولار بنسبة 10%، وهو ما يعني إضافة نحو ملياري دولار، وبين نمو اقتصاد حجمه 200 مليار بالنسبة نفسها، إذ يتطلب الأمر حينئذ إضافة 20 مليار دولار من الإنتاج الجديد.
ويطرح الانتقال من اقتصاد بحجم 32 مليار دولار في 2025 إلى 50 ملياراً في 2026، ثم نحو 60 ملياراً أو مستويات 2010 في 2027، سؤالاً عن قدرة الاقتصاد السوري على الحفاظ على معدلات النمو المرتفعة بعد انتهاء مرحلة التعافي الأولي.
وفي برنامج "سوريا اليوم"، اعتبر الدكتور محمود عبد الكريم أن الحديث عن الوصول إلى 200 مليار دولار يمثل في المرحلة الحالية رؤية استراتيجية أكثر منه توقعاً يمكن التعامل معه كمسار محسوم، موضحاً أن تحقيق هذا الهدف على مدى خمس أو عشر سنوات يحتاج إلى ظروف استثنائية واستقرار مستمر وتدفق للاستثمارات وعودة للطاقات الإنتاجية.
وأشار إلى أن عودة السكان والاستثمارات وإعادة تشغيل المصانع والأراضي الزراعية يمكن أن تدعم النشاط الاقتصادي، لافتاً إلى أن عودة نحو 1.5 مليون لاجئ، وفق ما أشار إليه صندوق النقد، يمكن أن تزيد الاستهلاك والطلب والعمالة وتساعد على تشغيل طاقات كانت معطلة، لكنها لا تعني تلقائياً إنشاء اقتصاد إضافي بقيمة عشرات أو مئات المليارات خلال فترة قصيرة.
من جهته، دعا الدكتور خالد الحمدي إلى بناء نموذج اقتصادي جديد خاص بسوريا، معتبراً أن التجربة السورية لا تنطبق بصورة كاملة على نماذج اقتصادية جاهزة. واقترح الاستفادة من مجموعة من التجارب، بينها نماذج العقود البريطانية، والشراكة بين القطاعين العام والخاص في الهند وسنغافورة، بهدف صياغة نموذج يجمع بين عناصر مختلفة تتلاءم مع خصوصية الاقتصاد السوري.
جانب آخر من النقاش الذي أثاره برنامج "سوريا اليوم" يتعلق بالشفافية ودقة تقديرات حجم الاقتصاد، ولا سيما مع اختلاف الأرقام المتداولة بشأن الناتج المحلي. وطرح البرنامج تساؤلات عن الفارق بين أرقام سابقة تحدثت عن اقتصاد بحجم 65 مليار دولار، والتقديرات الأحدث التي تشير إلى 50 ملياراً خلال 2026.
ورأى الدكتور خالد الحمدي أن اختلاف التقديرات يمكن أن يرتبط بإعادة احتساب الأرقام وبالتغيرات في الظروف الإقليمية، معتبراً أن تحديث التقديرات الاقتصادية يعكس محاولة لمواكبة المعطيات الجديدة.
في المقابل، أشار النقاش إلى أهمية التمييز بين حجم الاقتصاد والموازنة والناتج المحلي. فحجم الاقتصاد يرتبط بقيمة السلع والخدمات المنتجة، بينما تعكس الموازنة الإيرادات والإنفاق الحكوميين، في حين يستخدم الناتج المحلي الإجمالي لقياس القيمة الإجمالية للسلع والخدمات المنتجة داخل الاقتصاد خلال فترة محددة.
يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى السوريين هو مدى انتقال النمو من المؤشرات الكلية إلى حياتهم اليومية. وفي برنامج "سوريا اليوم"، أوضح الدكتور محمود عبد الكريم أن المواطن لا يعيش رقم الناتج المحلي الإجمالي، وإنما يلمس حصته الفعلية من النمو عبر الدخل وفرص العمل والخدمات والأسعار.
وبحسب عبد الكريم، فإن ارتفاع الناتج المحلي من 50 إلى 65 مليار دولار، على سبيل المثال، لا يحمل معنى مباشراً للمواطن إذا لم يتحول إلى زيادة حقيقية في الدخل وفرص العمل وتحسن في الكهرباء والنقل والخدمات، خصوصاً إذا ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع من الأجور.
وأشار إلى أن زيادة الراتب بنسبة معينة لا تعني بالضرورة ارتفاع القوة الشرائية بالنسبة نفسها؛ فإذا ارتفع الدخل بنسبة 50%، وارتفعت كلفة السكن والطاقة والنقل والغذاء بنسب أعلى، فإن جزءاً كبيراً من الزيادة الاسمية في الأجر سيذهب إلى تغطية ارتفاع الأسعار بدلاً من تحسين مستوى المعيشة.
Loading ads...
وضرب عبد الكريم أزمة الوقود مثالاً على العلاقة بين الاقتصاد الكلي وحياة المواطن، موضحاً أن ارتفاع كلفة الوقود لا يتوقف أثره عند صاحب السيارة، وإنما ينتقل إلى أجور النقل وأسعار الخضراوات والسلع وتكاليف تشغيل المصانع والمولدات، ولذا يمكن أن يتحول ارتفاع أسعار الطاقة إلى موجة أوسع من ارتفاع تكاليف المعيشة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

