رغم مرور عام كامل على التحرير وارتفاع سقف الوعود الرسمية بإعادة افتتاح الجامع الأموي الكبير في قلب حلب القديمة، ما يزال واحد من أهم معالم المدينة التاريخية محجوباً عن زواره، فعمليات الترميم، التي بدأتها المحافظة ومديرية الأوقاف بحلب منذ أشهر، تسير بوتيرة متقطعة لا تعكس مستوى التطلعات، ما يجعل الحديث عن قرب افتتاح الجامع أمراً مبكراً، في ظل تأخر الأعمال واستمرار الغموض حول موعد إنجازها الفعلي.
بدأ الحديث عن ترميم الجامع الأموي الكبير مبكراً، فور استعادة النظام المخلوع السيطرة على الأحياء الشرقية من حلب في نهاية عام 2016، ومنذ ذلك الوقت تحول ملف إعادة إعمار الجامع، الذي كانت طائرات النظام المخلوع وقذائفه أحد أسباب دمار أجزاء واسعة منه، إلى مادة إعلامية جاهزة استخدمها النظام مراراً لتسويق فكرة أن المدينة تتعافى وأن قلبها التاريخي ينهض من جديد، وفي السياق ذاته، حاولت إيران استثمار الملف عبر تقديم نفسها كجهة داعمة لعملية الترميم، إلا أن ذلك لم يتجاوز حدود الدعاية، خصوصاً بعد الزيارة الاستعراضية التي قام بها رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، علاء الدين بروجردي، إلى المسجد في العام 2017، بعد أشهر قليلة من دخول قوات النظام المخلوع وحلفائه إلى أحياء شرق حلب.
عمليات الترميم مستمرة
قال مدير المكتب الإعلامي في مديرية أوقاف حلب، محمد اسقاطي، لموقع تلفزيون سوريا إن المديرية استأنفت أعمال ترميم الجامع الأموي الكبير في المدينة، في إطار خطة تهدف إلى إعادة افتتاح واحد من أهم معالم حلب الدينية والتاريخية، وأكد أن عمليات الترميم تنفذ تحت إشراف مباشر من مديرية الأوقاف، ووفق معايير تحافظ على الخصوصية المعمارية والتراثية للجامع.
وبحسب اسقاطي، تتركز أعمال الترميم على معالجة الدمار الواسع الذي طال أقساماً من الجامع خلال سنوات الحرب التي شنها النظام المخلوع ضد ثورة الشعب السوري، مع الالتزام بالحفاظ على الهوية العمرانية الأصلية للموقع، مشيراً إلى أن استئناف العمل يأتي ضمن جهود أوسع لإعادة الدور الديني والثقافي للجامع، ليعود إلى مكانته كأحد أبرز مراكز العلم والعبادة في حلب.
نسب إنجاز متفاوتة
وأوضح اسقاطي أن عمليات الترميم، التي توصف بأنها "سريعة جداً" وفق قوله، حققت تقدماً ملحوظاً في بعض الأقسام، إذ تتراوح نسب الإنجاز في الأروقة والحجازية بين 75% و90%، بينما انتهى العمل بالكامل في القبلية والرواق الغربي، أما صحن الجامع فما يزال قيد الترميم، ويستمر العمل في الرواق الشرقي الذي يعد من أكثر الأقسام تضرراً.
وأضاف: "نسعى جاهدين ليكون الافتتاح قريباً جداً، وقدرنا الفترة المتوقعة لإنهاء الأعمال بين ثلاثة إلى ستة أشهر، وفق الإمكانات المتوفرة لدينا، أي يمكن القول بأن الجامع قد يفتح أبوابه من جديد للمصلين والزوار منتصف العام 2016 تقريباً".
حجم الدمار عند بداية الترميم
وكشف اسقاطي عن حجم الأضرار قبل بدء عمليات الترميم، والتي جاءت على النحو التالي:
. المئذنة والرواق الشرقي والحجازية: تضرر بنسبة 90%.
. القبلية والرواق الغربي: تضرر بنسبة 50%.
. الرواق الشمالي: تضرر بنسبة 60%.
هذه النسب، وفق قوله، كانت تتطلب خطة ترميم معقدة وممتدة، خصوصاً في الأجزاء الأكثر تضرراً والمعروفة بتفاصيلها الإنشائية الدقيقة.
تصريحات مدير المكتب الإعلامي لمديرية أوقاف حلب حول نسب الدمار، وما هو منجز بالفعل، توضح أن النظام المخلوع وعبر مجلس محافظته السابق كان يكذب بخصوص عمليات الترميم في الجامع، والتي بقيت شكلية طول المدة بين عامي 2017 و2024.
ترميم وفق المعايير
وأكد اسقاطي أنه لا توجد أي توسعة أو إضافات جديدة في الجامع خلال عملية الترميم الحالية، موضحاً أن جميع أقسامه تتسم بطابع تاريخي أثري، وأشار إلى أن الساحة الخارجية استحدثت في خمسينيات القرن الماضي، وأن المكتبة الحالية كانت تستخدم في تلك الفترة كمرآب للسيارات، قبل أن تستثمر كمكتبة وقفية ضمن أعمال الترميم التي جرت بين عامي 1999 و2005.
وتتضمن مراحل الترميم الحالية استكمال بناء المئذنة، وترميم الأجزاء المتضررة من بلاط صحن الجامع واستبدال ما يلزم منها، إلى جانب تنفيذ التجهيزات الكهربائية داخل المسجد، بما يضمن جاهزيته للاستخدام فور افتتاحه.
وحول أبرز التحديات التي تواجه فرق الترميم، أوضح اسقاطي أن الحجازية والرواق الشرقي هما الأكثر تضرراً، ويحتاجان إلى زمن أطول نسبياً بسبب حجم الدمار الذي لحِق بهما، كما لفت إلى وجود معوقات تقنية متعلقة بارتفاع المئذنة، إذ يتطلب العمل رفع مستوى الرافعة إلى ارتفاع أكبر، ما يستوجب إجراءات فنية إضافية قبل استكمال الترميم في القسم العلوي من المئذنة.
وبحسب اسقاطي، فإن هذه التحديات قد تطيل بعض مراحل العمل، لكنها لا تغير من التقديرات العامة المتعلقة بموعد الافتتاح المتوقع خلال الأشهر القليلة المقبلة.
الجامع يستعيد منبره
بعد سقوط النظام المخلوع بأشهر قليلة، عاد منبر الجامع الأموي الكبير في حلب إلى مكانه الطبيعي بعد نحو اثني عشر عاماً من إبعاده عن الخطر، ففي عام 2013، وبينما كانت المعارك على أشدها في أحياء حلب القديمة بين فصائل المعارضة وقوات النظام المخلوع، رأت المعارضة آنذاك أن الحفاظ على المنبر التاريخي يتطلب نقله فوراً، خشية أن تتعرض له قوات النظام بالسرقة أو التدمير كما حدث لقطع أثرية أخرى خلال تلك الفترة.
وبناءً على ذلك، شكلت لجنة مختصة ضمّت ممثلين عن الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث والمكتبة الوقفية ومكتب التعليم والثقافة والآثار في مجلس محافظة حلب الحرة ولواء التوحيد، وتولت عملية فك المنبر بتاريخ 5 من أيار/مايو 2013، ليحفظ في موقع آمن خارج المدينة طوال تلك السنوات.
واليوم، ومع استئناف أعمال الترميم، يعود المنبر إلى موضعه الأصلي داخل الجامع، ليس فقط كقطعة معمارية فريدة، بل كرمز للموروث التاريخي الذي نجا من قصف النظام المخلوع وتمسك الحلبيون بحمايته رغم كل الظروف.
الجامع الكبير تحت النار
تعرض الجامع الأموي الكبير في حلب لواحدة من أكثر فترات تاريخه دموية ودماراً خلال الأعوام الممتدة بين 2012 و2016، حين تحولت المنطقة المحيطة به، كما هو حال الأسواق القديمة الممتدة نحو القلعة التاريخية، إلى خط تماس مباشر بين قوات النظام المخلوع وفصائل المعارضة السورية آنذاك، وعلى مدار سنوات الاشتباك، تناوب الطرفان السيطرة على الجامع، إلا أن القصف الجوي والبري الذي شنته قوات النظام المخلوع بشكل متكرر كان الأكثر تدميراً، وأدى إلى انهيار أجزاء واسعة من قبته وأروقته ومئذنته الشهيرة التي شكلت رمزاً عمرانياً لحلب القديمة.
وفي الفترات التي أحكمت فيها قوات النظام المخلوع سيطرتها على الجامع، حُوِل المبنى الأثري إلى ثكنة عسكرية ومنصة لإطلاق قذائف الهاون والمدفعية باتجاه الأحياء والأسواق التاريخية التي كانت تحت سيطرة المعارضة، ما أسهم في توسيع دائرة الدمار في محيطه وتفاقم الأضرار التي لحقت بأحد أهم معالم المدينة.
ومع نهاية عام 2016، وبعد حملة عسكرية واسعة انتهت بسيطرة النظام المخلوع على كامل الأحياء الشرقية، استعاد السيطرة على المنطقة المحيطة بالجامع، غير أن آثار القصف بقيت شاهدة على تلك السنوات، تاركة الجامع الأموي الكبير مدمراً ومفتوحاً على السماء، وقد فقد مئذنته وأجزاءً من أروقته التي صمدت لقرون.
تاريخ ممتد على أكثر من 13 قرناً
يعد الجامع الأموي الكبير في حلب واحداً من أقدم وأهم المساجد في سوريا، إذ يعود تاريخ بنائه إلى العصر الأموي في القرن الأول الهجري (96 هـ / 716 م)، وفق ما تذكره الموسوعة التاريخية لأعلام حلب، وتشير غالبية المصادر إلى أن الخليفة سليمان بن عبد الملك هو من أمر ببناء الجامع، في سياق ما يمكن اعتباره سباقاً عمرانياً مع شقيقه الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي شيد الجامع الأموي في دمشق، بينما تنسب روايات أخرى تشييد الجامع للوليد نفسه، وهو ما يعكس تداخلاً تاريخياً في رواية تأسيسه لكنه لا يقلل من قيمته كأحد أبرز معالم العصر الأموي في بلاد الشام.
وعلى امتداد تاريخه الطويل الذي تجاوز 1300 عام، تعرض الجامع للدمار أكثر من مرة بفعل الحروب والحرائق والزلازل، ما استدعى عمليات ترميم متكررة عبر العصور، وتشير دراسات تاريخية إلى أن الجامع كان ضمن المباني التي تضررت بشدة خلال اجتياح المغول بقيادة هولاكو خان في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، قبل أن تتولى الدولة المملوكية إعادة بنائه بشكل شبه كامل، بما في ذلك إدخال تغييرات على بنية القبلية واستبدال سقفها الخشبي بمنظومة من الأقبية المرتكزة على دعامات حجرية.
ورغم تلك الترميمات المتعاقبة، احتفظ الجامع بطابعه العريق ومكانته الروحية والعلمية، وظل مقصداً للمصلين والطلبة والزوار من داخل المدينة وخارجها، حتى جاءت الحرب الأخيرة للنظام المخلوع لتضيف إلى تاريخه صفحة جديدة من الدمار عنوانها القصف البري والجوي الذي لم يفرق بين الأثر والبشر.
لا تقتصر مكانة الجامع الأموي الكبير في حلب على كونه واحداً من أقدم المساجد في سوريا، بل يتجاوز دوره البعد الديني ليشكل محوراً أساسياً في الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة عبر قرون، فقد ظل الجامع نقطة التقاء للحلبيين، يحتضن حلقات العلم والفقه واللغة، ويستضيف كبار العلماء والخطباء الذين أسهموا في تشكيل الهوية الفكرية للحاضرة التجارية والعلمية الأهم في شمالي سوريا، كما مثل الجامع مركزاً للحياة العامة، فمن ساحته كانت تنطلق مواكب الاحتفالات الدينية، وفي أروقته كانت تعقد الاجتماعات التقليدية التي تجمع وجهاء وأعيان المدينة، طبعاً لم يكن ذلك ليحدث في ظل حكم البعث الذي استمر لعقود، خلال تلك الفترة فقد الجامع وعموم جوامع البلاد مكانتها الطبيعية، وبالنسبة لكثير من سكان حلب، يحتفظ الجامع بمكانة وجدانية خاصة، فهو جزء من الذاكرة الجماعية وملمح أساسي من ملامح المدينة القديمة، وغيابه عن الحياة اليومية خلال عقد ونيف أحدث فراغاً ظل واضحاً حتى بعد سقوط النظام المخلوع.
Loading ads...
مع كل حجر يعاد إلى مكانه في الجامع الأموي الكبير بحلب، وفي الأسواق التاريخية المحيطة به، تتجدد آمال أهالي حلب بعودة قلب المدينة الحضاري إلى الحياة مجدداً، وعودة معلم ارتبط اسمه بتاريخهم وذاكرتهم، اليوم يترقب الحلبيون لحظة فتح أبواب الجامع من جديد، علها تكون بداية لعودة أوسع لمعالم حلب القديمة واستعادة روحها التي غيبتها آلة القتل والخراب للنظام المخلوع على مدى سنوات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




