5 أشهر
ضيف ومسيرة - السعودية - شريفة الغوينم: كان حلمي أن أبتكر روبوتا يكشف اكتئاب الإنسان
السبت، 27 ديسمبر 2025

في آخر حلقاتنا المصوّرة على هامش قمة وايز 12 من العاصمة القطرية الدوحة، استضفنا الدكتورة شريفة الغوينم، الباحثة في مجموعة الروبوتات الشخصية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). امتد هذا الحوار بين السيرة الشخصية والتجربة العلمية، مرورا بالنقد العميق للمنظومات التعليمية. لم يكن اللقاء استعراضا لمسار أكاديمي فحسب، بل رحلة مع امرأة عربية اختارت أن تفكر خارج القوالب الجاهزة منذ طفولتها، وأن تعيد تعريف النجاح من خلال التجربة والتعثر والمحاولة المستمرة.
Loading ads...
تنتمي الدكتورة شريفة الغوينم إلى جيل شق طريقه في زمن لم تكن فيه التكنولوجيا متاحة كما هي اليوم، ولم تكن الخيارات الأكاديمية والعلمية ميسرة أمام النساء داخل مجتمع سعودي محافظ، خصوصا في مجالات تصنف تقليديا على أنها «ذكورية». ولدت في الرياض عام 1981، ونشأت في عائلة سعودية مكونة من عشرة أشخاص. كان والدها، رغم عمله في مجال الصيدلة، مهتما بعالم التكنولوجيا، وهو من أدخل الحاسوب إلى البيت. هذا الحاسوب شكل بالنسبة لطفلة صغيرة نافذة على عالم مختلف، عالم غامض بلغة أجنبية وأسئلة لا تنتهي، لكنه أيضا عالم أثار فضولها وأطلق شرارة مبكرة لشغف سيلازمها لاحقا. طفولة خارج القالب المدرسي تتحدث الدكتورة شريفة عن طفولتها، وعن شعورها الدائم بعدم الانسجام مع الطرق التعليمية التقليدية، وعن صعوبة التركيز داخل الفصل، وعن الميل المستمر إلى أحلام اليقظة بدل الانتباه والحفظ والتعلّم. تصف تلك المرحلة بقولها: "لم أكن الطالبة النموذجية وفق المعايير السائدة، لكنني كنت أملك فضولا معرفيا وقدرة عالية على الفهم والتحليل، وهي مهارات لم تكن تكافأ في منظومة تعليمية تعتمد أساسًا على الامتحانات والحفظ". هذا الخلل المبكر بين قدراتها الحقيقية وآليات التقييم جعلها تصطدم كثيرا بإحساس الفشل، رغم أنها اليوم تنظر إلى تلك اللحظات باعتبارها محطات ضرورية في طريقها. جامعة الملك سعود: المختبر ينتصر على ورقة الامتحان لم يكن مسارها الأكاديمي مستقيما حين التحقت بجامعة الملك سعود عام 1999. لم يكن الطريق إلى تخصص الحاسوب سهلا، إذ لم تحصل على المعدل الذي يسمح لها بالدخول مباشرة، فاختارت مسار العلوم كمرحلة انتقالية على أمل التحويل لاحقا. وهي واحدة من المحطات التي تتكرر في قصتها: تريد شيئا، لا تناله من الباب الأول، فتبحث عن نافذة أخرى. في تلك المرحلة، اكتشفت أن تميّزها الحقيقي يظهر في المختبرات والتطبيقات العملية، لا في الامتحانات النظرية. تحكي أنها كانت تتفوق في البرمجة وحل المشكلات، وتساعد زميلاتها على تجاوز تعقيدات الأكواد والأخطاء التقنية، بينما تعاني مع الحفظ والاختبارات المغلقة. هذه التجربة عمقت قناعتها بأن أنظمة التقييم الجامعي بحاجة إلى مراجعة جذرية، وأن قياس الذكاء والقدرات لا يمكن أن يختزل في نموذج واحد للجميع. من سوق العمل إلى قرار الهجرة العلمية بعد تخرجها عام 2004، عملت في معاهد خاصة ثم في مجال التعليم، برواتب متواضعة لا تعكس حجم الجهد ولا سنوات الدراسة، لكنها كانت، كما تقول، تفضّل أن تكون فاعلة ومنتجة على أن تبقى أسيرة الانتظار. في تلك الفترة بدأت تفكر جديا في استكمال دراساتها العليا خارج المملكة العربية السعودية. غير أن الانتقال إلى الخارج لم يكن خطوة سهلة في سياق اجتماعي وثقافي محافظ؛ تقول شريفة إنها احتاجت خمس سنوات لإقناع العائلة، وأن الأمر لم يكن مجرد موافقة سريعة، بل سلسلة طويلة من النقاشات والاعتراضات والتخوّفات. الهجرة العلمية قرار صنعه الإصرار اختارت أستراليا لدراسة الماجستير في هندسة البرمجيات بجامعة كانبيرا (University of Canberra) عام 2010، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا خيارين صعبين. في جامعة كانبيرا، صدمت شريفة بفكرة الاعتراف بالخبرة العملية داخل المنظومة الأكاديمية، وكيف يمكن للجامعة أن تختصر مواد أو تعدل المسار إذا أثبت الطالب امتلاكه للمهارة. هذه التجربة كانت بالنسبة لها "تصديقا" على فكرتها القديمة: أن المهارة ليست أقل شأنا من الشهادة، وأن التقييم يمكن أن يكون أكثر إنصافا. وتتقاطع هذه التجربة مع موقفها من "الكتاب المفتوح" والبحث والاستعمال العملي للمعرفة، لأنها رأت ذلك يحدث فعليًا داخل منظومة مختلفة، لا على مستوى الشعارات. واصلت شريفة مباشرة بعد الماجستير إلى الدكتوراه في الجامعة الوطنية الأسترالية، وكان موضوع أطروحتها يدور حول سؤال: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تشخيص الاكتئاب من خلال إشارات جسدية وسلوكية؟ أنهت الدكتوراه في وقت قياسي أيضا عام 2015. تقول إن السر لم يكن ضغط الوقت، بل الشغف، فحين تحب ما تعمل عليه "لا تعود تحسب الساعات"، بل تنغمس في البحث بوصفه متعة واكتشافا لا عبئا. العودة إلى السعودية ثم الصدام مع الجمود بعد الدكتوراه، عادت شريفة إلى السعودية مدفوعة بفكرة خدمة البلد ونقل الخبرة، لكنها اصطدمت بأن التغيير داخل المنظومات التعليمية ليس سهلا، وأن البيروقراطية كثيرا ما تعيد إنتاج الأساليب نفسها حتى لو ثبت فشلها. كانت تريد أن تعلم بطريقة مختلفة، وأن تقيم بطريقة مختلفة، وأن تمنح الطالبة مساحة للتفكير لا للحفظ، لكنها وجدت مقاومة مستمرة. ووسط هذا الصراع تقول إنها كانت "تحارب" لتغيير الطرق، غير أن الإطار ظل صارما، وشعرت أن القيم التي تؤمن بها لا تجد مساحة حقيقية للتجسيد. MIT: حلم الطفولة الذي تحقق قررت الدكتورة شريفة التراجع خطوة إلى الخلف. تقدمت إلى 45 وظيفة بحثية حول العالم، وحصلت على مقابلتين، نجحت في واحدة منهما في الجامعة التي درست فيها الماجستير والدكتوراه: Australian National University. عادت إلى أستراليا لعام واحد بين 2018 و2019، وهناك استعادت أجواء البحث التي تحبها، قبل أن يُفتح أمامها باب برنامج Ibn Khaldun Fellowship التابع لمعهد MIT. التحاقها بمعهد MIT كان تجربة وصفتها بالحلم الذي تحقق، رغم الصعوبات النفسية الأولى والشعور بعدم الانتماء. هناك، وجدت بيئة متعددة التخصصات، حيث لا يُقاس الباحث بما يعرفه وحده، بل بما يضيفه ضمن فريق متكامل. وفي حديثها عن "متلازمة المحتال" (Impostor Syndrome)، تعترف الدكتورة شريفة بأنها، رغم وصولها إلى واحدة من أعرق الجامعات في العالم، كانت لا تزال تشكك في استحقاقها لمكانها. وترى أن هذا الإحساس ليس ضعفا فرديا، بل نتيجة سياق ثقافي واجتماعي طويل يزرع الشك بدل الثقة، ويجعل النجاح موضع تساؤل دائم، خصوصا لدى النساء القادمات من بيئات محافظة. اليوم، تعمل شريفة الغوينم على عدة مشاريع داخل MIT، من بينها تطوير روبوتات تتحدث العربية، إضافة إلى مشاريع متعلقة باللاجئين، وبرامج تهدف إلى جعل الذكاء الاصطناعي وعلوم الروبوتات أدوات لخدمة الفئات الأكثر هشاشة، لا مجرد تقنيات معزولة عن الواقع الاجتماعي. وايز 12: الذكاء الاصطناعي للجميع في قمة وايز 12، قدمت شريفة مشروعًا تعمل عليه في الولايات المتحدة منذ سنوات لتعليم مبادئ الذكاء الاصطناعي عبر أدوات مبسطة وألعاب، بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الطلاب. والأهم اليوم بالنسبة لها هو نقل هذا المشروع إلى العالم العربي، كما تؤكد، هو كسر حاجز اللغة والطبقة، وألا يبقى العلم حكرًا على من يتقن الإنجليزية أو يملك مدرسة دولية. في هذا السياق شددت على أهمية الترجمة إلى العربية، والعمل مع المعلمات حتى لو كن من تخصصات غير تقنية، لأن الهدف في النهاية هو نشر المعرفة وإتاحتها للجميع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




