5 أشهر
عام على سقوط الاسد: تحصين النصر يكون ببناء "وطن يتسع للجميع"
الأربعاء، 17 ديسمبر 2025
عام على سقوط نظام الأسد السفاح، مر سريعا لكنه كان حاشدا بالحزن والفرح والبكاء والغناء والاحتفالات ومحاولات اكتشاف السوريين للحياة، وإعادة وصل ما انقطع بين هذا البلد الغني الشاسع وباقي دول العالم. ما زال السوريون، وما زلنا، تحت تأثير الصدمة وعدم التصديق لتحقق الحلم، الذي آمنا به في بيروت وانتظرناه منذ 2005، بعد انسحاب جيش الأسد من لبنان، ما أنهى احتلالا وقمعا لعشرات السنوات. فبعد نضال سنوات، تحولت في السنوات الأخيرة الى ما يشبه الجمود، ساد الاعتقاد ان الأسد باق، بفعل جهود إعادة التدوير الحاصلة، حتى بدا أن القابضين على جمر الثورة واسقاط النظام من زمن مضى، يقاتلون طواحين الهواء، ويتعرضون لشتى أنواع التنمر السياسي والتهديد الأمني من "الرماديين" و"الموالين" حينها – "المكوعين" حاليا- ومن كل جهابذة المحور الايراني الذي انتشى بانتصاره وتثبيت اقدامه.
ونحن اللبنانيين، اول ما تعنينا الثورة السورية بكل مآلاتها، وانحيازنا لكل ثائر ضد اسقاط الأسد ينبع من دوافع قيمية وسياسية وكذلك وطنية صرفة. الانحياز للثورة السورية، الى جانب كونه انحيازا أخلاقيا وسياسيا، لكنه أيضا، وبحده الأدنى انحياز لقيامة لبنان التي منعها نظام الاسدين الذي عاث في لبنان فسادا وقتلا واغتيالا ومجازر على امتداد البلاد من الاشرفية الى زحلة وصولا الى طرابلس، وما بين ذلك من توكيل عمليات القتل واستمرار الحرب الى وكلاء- اذناب لبنانيين كانوا– وما زال بعضهم – جزءا من المافيا اللبنانية – السورية المشتركة والمشاركة جنبا الى جنب في تحويل لبنان واللبنانيين الى ساحة اختبار وصراع، يمت دمن الامن الى الاقتصاد وصولا الى نهب الثروات وتبييض الاموال. لكن كل سنوات الطغيان هذه في لبنان وسوريا انتهت في صبيحة الثامن من كانون الاول ٢٠٢٤، وبعد عشرة أيام من اتفاق وقف اطلاق النار في لبنان. واذا اضفنا اليها ان عشرة أيام فصلت ما بين تفجيرات البيجر في لبنان واغتيال امين عام "حزب الله" حسن نصرالله، بين ١٧ و٢٧ أيلول ٢٠٢٤، نستطيع القول ان المحور الايراني بأمه وأبيه، انهار في ٢٠ يوما كانت كفيلة بتغيير المشهد جذريا. فالتحول الحاصل كبير واستراتيجي، ليس على مستوى سوريا فقط، بل في إعادة تشكيل الاقليم وإعادة توزيع مناطق القوى والنفوذ والسيطرة.
تنكفئ ايران وتزداد عزلتها، بينما يتشكل نظام إقليمي جديد تقوده السعودية وتركيا، ويضم دولا فاعلة هي قطر، ومصر والامارات والأردن، يسعى للحد من الخسائر والفوضى في المنطقة التي ما زالت إسرائيل تدفع نحوها، ما يجعلها في خانة واحدة مع ايران لناحية تضررها من تغير المشهد الإقليمي الذي تبرز فيه سوريا، كلاعب يزداد أهمية وانخراطا في مشاريع الاقليم وخطط الولايات المتحدة الاميركية والغرب.
نجح الرئيس السوري احمد الشرع في قيادة تحول هائل في علاقات سوريا الدولية والإقليمية، ونقل سوريا من المحور الايراني الى المعسكر العربي، وانحاز الى الولايات المتحدة الاميركية والتحالف الدولي ضد "داعش"، من دون ان يتوقف عن السعي لبناء علاقات افضل مع روسيا، والحفاظ على العلاقة مع الصين. لكن هذه الخطوات الجبارة على صعيد العلاقات الخارجية، وتثبيت حضور سوريا ودورها في منظومة الامن الإقليمي، لا تنعكس بما يكفي على المشهد الداخلي الذي يحتاج الى المزيد من الانتباه، لا بل الى ايلائه الاهمية القصوى.
ذلك ان تأخير حل القضايا الداخلية ومعالجة هواجس الفئات السورية المختلفة الاثنية والدينية، يزيد من افتراق هذه الجماعات عن الدولة الجديدة الى حد الغربة حتى عن المكون السوري الديني الأكبر. وهذه الهواجس، ليس مخاوف نظرية، بل تعززت بعد مجازر الساحل والسويداء التي تركت جراحا لا تمحى وخوفا في نفوس الناس. ذلك انه بغض النظر عن ما دفع الى نشوب هذه المعارك في المنطقتين، وعلى رأسها رهانات خاسرة للرؤوس الحامية
في الساحل والسويداء، فإن النتيجة واحدة: الاف السوريين من كل الجماعات خسروا ارواحهم وذهبوا ضحية حسابات سلطوية كانوا في غفلة عنها، لا بل شكلوا وقودها.
الامر نفسه يتعلق بتنفيذ "اتفاق اذار" ٢٠٢٥ بين قسد ممثلة بمظلوم عبدي والشرع، والتعامل الايجابي مع الكرد وحقوقهم المحرومين منها منذ حكم الأسد، والتي دفعوا اثمانا باهظة نتيجة حرمانهم منها. واذا كان الحكم الجديد غير قادر على ضبط الامور التي أدت الى ما أدت اليه، فإنه بالتأكيد قادر على المحاسبة وذلك اول الغيث لتستعيد الدولة هيبتها وسيادتها فيأنس اليها – ممثلة بالاجهزة الأمنية والقضاء- جموع المواطنين من كل الاهواء. من المفهوم ان التنكيل الذي عاناه السوريون طيلة سنوات الثورة، كان يمكن ان يحول سوريا بعد سقوط الأسد الى "رواندا" الشرق الاوسط، لكن ذلك لم يحصل وهذا انجاز يسجل للسوريين، وهذا يعني ان كل ما حصل بعد ذلك كان مخططا وليس من باب الانتقام البدائي كداع اول. الحفاظ على هذا النصر، يعني الإسراع في الانفتاح على الشعب السوري بقدر الرغبة في الانفتاح الخارجي. ذلك ان كل تأخير في معالجة هذه القضايا الأساسية للاستقرار وبناء مستقبل زاهر يستحقه السوريون، يغذي الفكر المتطرف لدى كل الفئات الدينية والاثنية في سوريا، ويحوله من مطالبات سياسية واجتماعية مشروعة، الى مشروع عنفي يزيد من جراح وسنوات ضياع لا يستحقها السوريون.
بعد سنة على الانتصار وسقوط الأسد، لا يملك الحكم الجديد ترف الوقت للم شمل السوريين كي يبنوا دولتهم وفق ما يرونه من عقد اجتماعي جديد متحرر من عقد الماضي وارث الأسد. فالتحديات القادمة كبيرة وهي تحتاج سوريا ذات رؤية موحدة ومحصنة داخليا.
هنيئا لرفاقنا السوريين، الرفاق منذ ٢٠١١، ولادتهم الجديدة، وهنيئا لهم وهم يحتفلون بالحياة وبتجارب جديدة في ممارسة الحق بالحياة والاعتراض والنشاط السياسي. هنيئا نصرنا المشترك على النظام الذي اوغل في دمائنا ودمائهم. والمجد والرحمة والخلود لرفاقنا الشهداء الذين كان النصر ليكون اجمل معهم.
Loading ads...
واذا كان وجودهم الجسدي غير متحقق، لكن من الممكن ان نستلهم الإرث الذي زرعوه فينا لنبي مستقبلا حلموا به، وهنا استرجع ما قاله الشهيد غياث مطر: "انا وانت اخوة... والوطن يتسع للجميع".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

