21 أيام
العدالة المؤجلة.. عام على مجازر الساحل السوري ومعضلة العنف والطائفية
الإثنين، 9 مارس 2026

في أوائل آذار/مارس 2025، اندلعت سلسلة من أعمال العنف في الساحل السوري، بدأت بالهجمات على حواجز الأمن العام والقوات الحكومية، والتي أسفرت عن مقتل العشرات من عناصر “الجيش” والأمن في المرحلة الأولى من الاشتباكات، بحسب تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث الساحل السوري. وأشار التقرير إلى أن هذه الهجمات نفذتها مجموعات مسلحة مرتبطة بما يُعرف بــ”فلول النظام السابق”، لكنها لم تبرر القتل، بل شكلت مدخلاً لتصعيد واسع أدى لوقوع مجازر وانتهاكات واسعة بحق المدنيين ومن الطائفة العلوية بالتحديد على يد قوات محسوبة على الحكومة السورية الانتقالية.
خلال ثلاثة أيام متتالية، توسّعت دائرة العنف لتشمل المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية العلوية، وخاصة في محافظتي اللاذقية وطرطوس. وأكد التقرير أنّ عدد القتلى وصل إلى 1426 شخصاً، بينهم 90 امرأة، في واحدة من أبشع حلقات الصراع السوري الحديث.
يظهر هذا التسلسل أن ما حدث لا يمكن اعتباره حادثة منفردة، بل يمكن وضعه كجزء من سلسلة من نمط متكرر من العنف والإفلات من العقاب في سوريا، حيث تتداخل الاعتداءات الفردية مع السياسات المحلية والأمنية، ويصبح العنف أداة لفرض الخوف وترسيخ الانقسامات الطائفية والمجتمعية.
تشير “منظمة العفو الدولية” إلى أن استهداف المدنيين بهذه الطريقة يمثّل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، ويستدعي تحقيقات مستقلة وشفافة لضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ما يميّز هذه المرحلة من العنف هو تداخل الضحايا المدنيين مع عناصر الأمن و”الجيش” في سياق متشابك من الانتقام والردود المسلحة. بعض التقارير الصحفية تشير إلى أن الهجمات الأولية على عناصر الأمن استخدمت لاحقاً كذريعة أو حجة من قبل مجموعات مسلّحة لشنّ موجة أوسع من العنف على المدنيين في الساحل، ما يعكس غياب أي قيود قانونية أو مراقبة فعّلية على الأرض.
قتلوهم أمام أعينها، ترجتهم أن يتركوهم، لكن هددها أحدهم بالقتل وشتمها بطائفتها. ومنعوها من الاقتراب من جثث أولادها الشباب الثلاثة ودفنهم. بقيت يومين أمام منزلها مع جيرانها تحرس جثث أولادها وتنتظر “الهلال الأحمر”. وحين وصلوا، دلّتهم على بيتها، وقالت: “هون ولادي دخيلكم ادفنوهم”. دُفنوا في مقبرة جماعية، وهي حتى اليوم تزورهم بشكل يومي.
ناجية من مجازر الساحل تروي لـ”الحل نت” كيف قُتلت عائلتها أمام أعينها
وفي ضوء ذلك، يبرز تساؤل مركزي ملحّ: كيف يمكن للعدالة الانتقالية أن تجد أرضية للتطبيق في مجتمعٍ تحاصره ثقافة الإفلات من العقاب، وتظلّ فيه الضحايا محرومة من الاعتراف بمعاناتها؟ ولا سيما أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن كثيراً من الناجين يواجهون ضغوطاً للنسيان، إمّا بذريعة الحفاظ على ما يُسمّى “الاستقرار”، أو خوفاً من إعادة فتح الجراح.
إنّ العدالة هنا لا تعني مجرد إنشاء محكمة أو إصدار حكم قضائي، بل تبدأ بتوثيق الحقائق وتسميتها، وإعادة إدخال الضحايا في السرد الاجتماعي كأشخاصٍ لهم أسماء وقصص، وليس مجرد أرقام. ففي السياق السوري، يجب أن تصبح العدالة الانتقالية مساراً أخلاقياً واجتماعياً، يهدف إلى كسر دائرة الدم المستمرة، ومنع تحويل التاريخ المأساوي إلى مجرد سلسلة من الأحداث المنسية على الورق، وتحويل صمت الضحايا إلى ذاكرة عامة تحفظ الحقائق.
حين يتحول الجسد إلى ساحة حرب
بالنظر إلى نمط المجازر التي ارتُكبت في الساحل، فلا يمكن وضعها في خانة “مواجهات عسكرية خرجت عن السيطرة”، وإنما تُعدّ نمطاً مركّباً من الانتهاكات التي طالت المدنيين بصفتهم المدنية. فالقتل الجماعي داخل المنازل، واقتحام المنازل، واعتداءات وإهانات ذات طابع طائفي، ومنع دفن الضحايا في بعض المناطق لساعات أو أيام، بحسب ما وثقته تقارير صحفية وتحقيقات حقوقية مستقلة، يوحي بأن الجسد هنا لم يكن هدفاً جانبياً للعنف، بل مركزه الرمزي. ففي الحروب التقليدية يُقتل العدو بوصفه خصماً مسلحاً، أما في هذه المجزرة فقد قُتل الإنسان لأنه ضعيف، ولأنه مُعرّف طائفياً، ولأن قتله لم يكن مقروناً بكلفة قانونية واضحة في لحظته، وفق توصيفات واردة في تقارير لمنظمات حقوقية دولية.
وعدد ضحايا هذه المجازر، والذي قدّرت مصادر حقوقية محلية ودولية أنه تجاوز الألف قتيل خلال أيام قليلة، ومعظمهم من المدنيين، بجانب توقيتها، الذي وقع في لحظة يُفترض أنها مرحلة “ما بعد الحرب السورية الدامية”، أي في زمن يُسوّق له باعتباره زمن الاستقرار وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات “ما بعد الأسد”، لا تبدو الجريمة نتيجة انهيار الدولة، بل أقرب إلى كونها جزءًا من طريقة إدارتها للأمن وللاختلاف الاجتماعي، كما خلصت تحقيقات صحفية دولية قارنت بين خطاب الحكومة بدمشق وممارسات القوى المنفذة على الأرض. وبالتالي، يمكن القول إنه العنف هنا يتحول من وسيلة استثنائية للسيطرة إلى لغة يومية لإدارة السكان، ويصبح الجسد مساحة يُكتب عليها الردع السياسي والطائفي معاً.
غير أن توصيف المجزرة لا يكتمل بالأرقام وحدها. فكل رقم يخفي حياة أُلغيت، وذاكرة توقفت، وعائلة انكسرت إلى الأبد. ومع ذلك، فإن اللغة الحقوقية الباردة، رغم ضرورتها، تعجز عن التقاط المعنى الأخلاقي الكامل لما جرى. ولهذا، لا يمكن الحديث عن تلك المأساة دون الانتقال مباشرة إلى سؤال العدالة: هل سيُحاسَب المسؤولون عنه أم سيُترك دم الضحايا بلا عدالة؟
نظرياً، تُعرّف العدالة الانتقالية بأنها مجموعة من الآليات التي تلجأ إليها المجتمعات الخارجة من النزاعات أو الأنظمة القمعية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، وتشمل المحاسبة القضائية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وفق التعريف المعتمد في وثائق الأمم المتحدة الخاصة بالعدالة الانتقالية. وهي ليست بديلاً عن العدالة الجنائية، بل مرحلة تمهيدية لإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وتعويض وجبر خواطر الضحايا بوصفهم أطرافاً لا أضراراً جانبية.
في الحالة السورية، أُعلن رسمياً بعد أحداث الساحل عن تشكيل لجنة حكومية للتحقيق، وعن توقيف عدد محدود من المشتبه بتورطهم في تجاوزات بحق المدنيين، مع وعود بإحالتهم للقضاء، بحسب بيانات رسمية وتصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية ودولية. كما أُعلن لاحقاً عن بدء محاكمة أولية مرتبطة بأحداث الساحل، قُدّمت كخطوة في اتجاه المحاسبة، وفق ما نقلته “رويترز”. غير أن هذه الإجراءات بقيت محدودة من حيث الشفافية والعلنية، ولم تُنشر حتى الآن رواية قضائية مكتملة لما جرى: لا توصيف قانوني واضح لطبيعة الجريمة، ولا إعلان موسّع عن سلسلة المسؤوليات، ولا معالجة علنية لحقوق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، ولم يُنشر تقرير لجنة التحقيق الحكومية حتى الآن، إذ نُشرت فقط بعض الاستنتاجات، وعُيّن أعضاء اللجنة في مناصب حكومية مرموقة، كما لاحظت منظمات حقوقية تابعت القضية.
من هذا المنظور، لا يمكن وصف ما جرى بأنه مسار عدالة انتقالية بالمعنى الدقيق، بل أقرب إلى إدارة قضائية جزئية للأزمة. فالمحاسبة حين تُختزل في بضعة متهمين دون مساءلة البنية التي سمحت بالجريمة، تتحول إلى فعل رمزي لا إلى تفكيك فعّلي لمنطق الإفلات من العقاب، وهو ما حذرت منه تقارير لـ”منظمة العفو الدولية” ومنظمات سورية مستقلة. كذلك، فإن غياب الاعتراف العلني بالضحايا وعدم إدماجهم في مسار الحقيقة والتعويض يُبقي الجريمة في المجال الأخلاقي للإنكار أكثر مما ينقلها إلى المجال القانوني للعدالة. وهكذا، لا تفشل العدالة الانتقالية في سوريا لأنها طُبّقت بطريقة سيئة، بل لأنها لم تُطبّق كمشروع متكامل أصلًا.
والسوريون هنا لا يمكنهم فهم فشل العدالة الانتقالية في سوريا إلا بوضعه في سياق تاريخي أوسع؛ تاريخ تُرتكب فيه المجازر ثم تُطوى دون مساءلة كاملة، فيُعاد إنتاج العنف بشكل جماعي أو فردي كأداة ممكنة. وهنا تحديداً، لا تكون العدالة مطلباً قانونياً فحسب، بل شرطاً لمنع المجتمع من الانزلاق في دورة مفتوحة من القتل والانتقام العشوائي المتبادل.
المجزرة في التاريخ السوري
ليست مجازر الساحل حدثاً جديداً وفريداً في التاريخ السوري، بل هي حلقة في سلسلة بدأت منذ عقود، خلال حكم الأسدين الأب والابن. مثلاً مجزرة حماة سنة 1982، حيث قُتل ما بين 10 آلاف و40 ألف مدني، دون أي تحقيق أو مساءلة لاحقة. وفي سجن تدمر عام 1980، أُعدم مئات المعتقلين خلال ساعات داخل الزنازين.
من ثم تكررت المجازر بعد عام 2011 في العديد من المدن والمناطق السورية، ففي داريا (2012) قُتل أكثر من 700 مدني خلال الاجتياح، وفي الحولة (2012) قُتل 108 مدنيين، معظمهم أطفال. إضافة إلى موجات القتل الواسعة في درعا منذ 2011 وحتى اليوم. المشترك بين هذه الأحداث ليس العنف فقط، بل غياب أي مسار محاسبة فعّلية بعدها.
التاريخ السوري لا يتحرك من جريمة إلى عدالة، بل من جريمة إلى جريمة. وما يربط هذه الحلقات ليس الجناة وحدهم، بل آلية الدولة ذاتها: الإنكار الرسمي، ثم التبرير الأمني، ثم النسيان القسري. ففي كل مرة، يُعاد إنتاج خطاب يعتبر الضحايا بيئة حاضنة أو خطراً محتملًا أو حتى أضراراً جانبية. فتُمحى المسؤولية السياسية لصالح لغة تقنية باردة. هذه الآلية لا تمحو الجريمة فقط، بل تعيد تعريفها باعتبارها ضرورة، لا انتهاكاً.
الجريمة حين تُروى بصوت شاهدتها
الناجية سهى. كانت تعيش مع زوجها وأولادها الثلاثة في حي القصور بمدينة بانياس بريف محافظة طرطوس. في مساء السادس من آذار/مارس 2025، تلقّت اتصالاً على تطبيق “الواتسآب” من أهلها في دمشق يحذّرونها: “إذا بتقدري تطلعي، اطلعي. عم يقولوا إنهم رح يدخلوا وما رح يخلّوا حدا”. لكنها لم تغادر. قالت لزوجها إنهم لم يرتكبوا شيئاً، لا سلاح لديهم ولا انتماء عسكري لهم للنظام السابق، وأنهم مجرد عائلة تحاول أن تعيش فقط. كان زوجها، على حد وصفها، أكثر خوفاً منها، لأن لديه ثلاثة شباب: الصغير فيهم يدرس البكالوريا، والوسط في السنة الرابعة هندسة مدنية، والكبير طبيب.
في صباح السابع من آذار/مارس من العام ذاته، دخل المسلحون منزلهم. أول ما سألوا عنه كان الذهب والسيارات والأملاك. قالوا لهم إن لديهم سيارة فقط، فأعطوهم المفاتيح. ثم قلبوا البيت رأساً على عقب، ولم يصدقوا أنهم لا يملكون ذهباً. قالوا لها: “ما عندك غير هالصبيان؟”. أجابت: “ما عندي غيرهم”. ترجّتهم هي وزوجها أن يأخذوا كل ما يريدون مقابل أن يتركوا لهم حياتهم. فقالوا لها: “ابعدي من وجهنا، نحنا ما منقرّب على النسوان، بس بدنا ياك تشوفي كيف رح نقتلهن قدام عيونك”.
قتلوهم أمام أعينها، ترجتهم أن يتركوهم لكن هددها أحدهم بالقتل وشتمها بطائفتها. وقالوا لها: “أنتوا خنازير، ذوقوا اللي نحنا ذقناه”. منعوها من الاقتراب من جثثهم ودفنهم. بقيت يومين أمام منزلها مع جيرانها تحرس جثث أولادها وتنتظر فرق منظمة “الهلال الأحمر السوري”. وحين وصلوا، دلّتهم على بيتها في الطابق الرابع. قالت لهم: “هون ولادي دخيلكم ادفنوهم”. دُفنوا في مقبرة جماعية وهي حتى اليوم تزورهم بشكل يومي تضع الريحان وتشعل البخور.
عادت بعد مقتل عائلتها إلى دمشق، لمنزل أهلها. تركت بيتها بعد أن أصبح مكاناً للدم والنهب والذكريات الصعبة التي لا تُحتمل. باتت أيضاً تراجع طبيباً نفسياً، وتعيش على المهدئات. وقد نقص وزنها، وفقدت شهيتها، وتقول إنها لم تعد تشعر بأنها على قيد الحياة. تخاف حتى من رواية ما جرى. طلبت ألا يُذكر اسمها الحقيقي ولا أسماء زوجها وأولادها. رغم أنها تقول: “ما عاد عندي شي أخاف عليه”، إلا أنّ الخوف ما يزال يسكنها في رجفة صوتها.
تضيف سهى لـ”الحل نت” أن لهجة من دخلوا بيتها لم تكن سورية صافية، وأن أحد المسلحين قال لها صراحة “إنهم يقتلونهم لأنهم علويون”. أما البقية فكانت لغتهم عربية فصحى. وتقول في النهاية: “يمكن هيك الله اختار!! بس هالشي صعب عليّ، ولليوم ما قادرة استوعب واتخطى. أنا فقدت عيلتي كلها. ياريتهم قتلوني معهم. ليش تركوني عم اتعذب وموت كل يوم ألف موتة قهر عليهن؟ ليش؟”.
الجريمة الجماعية في الفكر الفلسفي
ما قالته سهى في شهادتها يجب أن لا يتم التوقف عند مشهد القتل فقط، وإنما عند ما بعده، كالخوف من الكلام، والعيش مع الذاكرة وحدها، ومحاولة إقناع النفس بأن ما جرى “قضاء وقدر”. هذا التمزق بين الرغبة في النسيان والعجز عنه هو بالضبط ما يجعل الجريمة الجماعية قضية أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
تقدم الفلسفة أدوات لفهم هذا النوع من الجرائم حين تعجز السياسة عن تفسيره. عند المفكرة والمنظرة السياسية حنة آرنت، لا تقوم الشرور الكبرى دائماً على كراهية فردية أو وحشية استثنائية، بل على ما سمّته “تفاهة الشر” تقول في كتابها “إيخمان في القدس”: “إنّ أكثر ما كان يلفت في إيخمان هو أنه لم يكن شيطاناً، بل كان عاجزاً عن التفكير”. وفي موضع آخر تضيف: “إنّ معظم الشر في هذا العالم يُرتكب من أناس لم يقرروا قط أن يكونوا أشراراً أو أخياراً”.
بهذا المعنى، لا يحتاج القاتل إلى حقد شخصي على ضحيته، بل إلى شعور بأن ما يفعله طبيعي، أو مأمور به، أو مبرَّر بلغة الجماعة. وهو ما نلمسه في شهادة سهى حين يُقال لها إن قتل أولادها انتقام واستعادة للكرامة تتحول الجريمة إلى فعلٍ عادي داخل منطق جماعي غير طبيعي أو سوي.
أمّا الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، فيربط الجريمة بالذاكرة أكثر مما يربطها بالقانون. في كتابه “الذاكرة، التاريخ، النسيان”، يكتب: “لا يمكن أن تكون هناك عدالة من دون ذاكرة، لأن نسيان الضحية هو شكل آخر من الظلم”.
ويضيف في سياق حديثه عن النسيان القسري: “النسيان الذي يُفرض باسم المصالحة ليس شفاءً، بل امتداد للعنف بلغة أخرى”.
في ضوء هذا المعنى، تصبح شهادة سهى فعلاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد؛ فهي لا تطلب الثأر، بل تطلب الاعتراف بأنّ ما جرى كان جريمة، لا “حادثاً انتقامياً” ولا “ضرورة أمنية”.
أما في أدب الشهادة، فيقدّم الكاتب بريمو ليفي صيغة شديدة الوضوح لمعنى التذكر. يقول في كتابه الغارقون والناجون: “لقد حدث ذلك، ولذلك يمكن أن يحدث مرة أخرى. وهذا هو جوهر ما لدينا لنقوله”. وفي نص آخر يكتب: “إن إنكار الجريمة هو الخطوة الأولى لإعادتها”.
الكلام هنا لا يعيد الضحايا إلى الحياة، لكنه يمنع تحويلهم إلى عدم. ومن هنا، يمكن اعتبار شهادة الناجية سهى مثالاً أخلاقياً في وجه الإنكار، واحتجاجاً على محاولة المسؤولين هضم حق القتلى والناجين وعوائلهم. وبالتالي، يفضح صوت سهى الآلية التي تجعل القتل ممكناً ومستباحاً، ثم تجعل نسيانه مطلوباً.
تداعيات غياب العدالة بسوريا
وفق تقرير “هيومن رايتس ووتش”، تواجه مؤسسات العدالة تحديات بنيوية تشمل ضعف الاستقلالية وتشابك الصلاحيات، مما يجعل من الصعب تحقيق مساءلة حقيقية عن الانتهاكات الكبيرة. في هذا السياق، العدالة ليست غائبة فحسب، بل تبدو مؤجلة إلى أن تتوافر الظروف التي تسمح بمحاسبة فعّالة.
رغم حجم الانتهاكات، تشير “منظمة العفو الدولية” إلى أن المجتمع الدولي تعامل في كثير من الأحيان مع الملف السوري كأزمة ممتدة يصعب حلها سريعاً، فغالباً ما اقتصرت التدخلات على بيانات إدانة أو آليات قضائية محدودة خارج البلاد، دون أن يحدث ذلك فرقاً ملموساً على الأرض والنتيجة أن الضحايا بقيوا في موقف انتظار طويل، دون اعتراف كامل بمعاناتهم.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الأرقام إلى أن عدد القضايا التي وصلت إلى المحاكم الفعلية لا يعكس حجم الانتهاكات الموثقة، ما يظهر فجوة واضحة بين ما يعلنه الخطاب الرسمي ومتطلبات العدالة على الأرض.
لا يمكن وضع مجازر الساحل كجزء من سلسلة حلقات الدم السوري وفقط، وإنما يمكن اعتبارها جرس إنذار أخلاقي بأنّ المجتمع الذي لا يحاسب جرائمه سيعيد إنتاجها، وبأنّ العدالة التي تُؤجَّل طويلاً تتحول إلى عبء ودين ثقيل. لكن التاريخ السوري نفسه يعلّمنا درساً آخر؛ أن المجازر والانتهاكات التي لا تتحقق العدالة بشأنها تتحول لاحقاً إلى أوجاع ومآسٍ ومظلوميّات متراكمة. وترك ذلك لفترات طويلة دون تحقيق العدالة للضحايا والناجين وذويهم يخلق حالة من القهر قد تنفجر في زمن آخر، وتُستخدم أداة للانتقام العشوائي، كما حصل ويحصل اليوم في مناطق عديدة في سوريا.
Loading ads...
الالتفات إلى البعض، بدل التحريض وتوسيع دائرة الكراهية للسوريين اليوم، لا يمكن اعتباره خطاباً أخلاقياً مجرداً، ولكنه يمكن أن يكون شرطاً للبقاء والتماسك والتعايش. ذلك لأنّ الإنسان الذي يعيش في دائرة الثأر والانتقام يتحول نفسياً إلى كائن محاصر بالخوف وربما يكون ضحية جديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
دبلوماسية إيران الإقليمية تحت المجهر
منذ 42 دقائق
0

