يقف المزارع صالح المحمد على أطراف أرضه الغارقة في محيط قرية القرقور بسهل الغاب في ريف حماة، متأملاً نباتات القمح التي كانت تمثل آخر أمل لإعالة أسرته، يراقب الأرض بصمت، ممسكاً مسبحته، بينما يحاول كبح دموعه، بعد أن تحوّل حلمه بإعادة بناء منزله المدمر إلى خيبة جديدة.
استعاد المحمد تفاصيل ما جرى معه، ويقول لموقع "تلفزيون سوريا" إنه عاد في الصيف الماضي إلى منزله في سهل الغاب بعد رحلة نزوح ليجده مدمراً بالكامل، فاضطر لنصب خيام لعائلته، على أمل أن يعوّض خسارته من محصول الأرض، غير أن استمرار الأمطار وغرق القمح أنهيا هذا الأمل، بعدما تحوّل لون النبات إلى الأصفر المائل للأحمر.
آلاف الهكتارات تحت المياه
تسببت الهطولات المطرية الغزيرة في تفاقم أزمة المزارعين في سهلي الغاب غربي حماة والروج غربي إدلب، بعد أن غمرت المياه آلاف الهكتارات المزروعة، مهددةً موسم القمح ومحاصيل أخرى، في ظل محدودية تدخل الجهات المعنية وارتفاع حجم الخسائر، ما يضع المزارعين أمام احتمال خسارة موسم كامل.
تشير بيانات مديرية زراعة إدلب إلى غمر نحو 2552 هكتاراً من الأراضي الزراعية في المحافظة، موزعة على مناطق أريحا ومعرتمصرين وجسر الشغور وعري الشمالي.
وفي سهل الغاب غربي حماة، تجاوزت المساحات المتضررة 17500 هكتار، وفق تقديرات الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، ما يعكس حجم الخسائر التي يشهدها القطاع الزراعي خلال هذا الموسم.
تحذيرات من خسارة المحصول
يحاول المزارع عبد القادر السليم يومياً سحب المياه من أرضه في سهل الروج، أملاً بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من محصول القمح، بعد أن بقيت النباتات مغمورة لأكثر من 17 يوماً.
وأوضح السليم لموقع "تلفزيون سوريا" أن النباتات بدأت تميل إلى اللون الأصفر ولا تزال في مرحلة نمو مبكرة، في وقت يفترض أن تكون قد دخلت مرحلة التلقيح خلال شهر آذار، ما يهدد بشكل مباشر إنتاجية الموسم.
وأضاف أن نحو 50 في المئة من أرضه البالغة 73 دونماً ما تزال مغمورة بالمياه، ما يزيد من احتمالات خسارة المحصول بالكامل، نتيجة صغر النباتات وضعف مقاومتها، وظهور اللون الأصفر عليها.
وأكد المهندس الزراعي أنس أبو طربوش لموقع "تلفزيون سوريا" أن الخطر بات كبيراً على محصول القمح، سواء الغارق جزئياً أو كلياً، بسبب عدم قدرة الجذور على التنفس.
وبين أن القمح يدخل مرحلة الإزهار وطرد السنابل بين منتصف آذار ومنتصف نيسان، وإذا استمر الغمر حتى بداية نيسان، فإن المحصول يصبح غير قابل للإنقاذ، ما يدفع المزارعين للتفكير بزراعة بديلة مثل الحمص أو الذرة.
محاصيل أخرى على خط الخطر
لم يقتصر الضرر على القمح، بل امتد إلى المحاصيل العطرية مثل اليانسون والعصفر وحبة البركة، التي شهدت توسعاً في زراعتها منذ عام 2020، في ظل قلة الأمطار التي ميزت تلك الفترة.
المزارع محمود البري، الذي يملك 81 دونماً مزروعة بحبة البركة في سهل الروج، قال إن تكلفة زراعة الدونم الواحد بلغت بين الحراثة والبذار والأدوية، نحو 55 دولاراً، نتيجة ارتفاع أسعار البذار وأجور الجرارات والمازوت.
وأضاف لموقع "تلفزيون سوريا" أنه مع دخول شهر شباط، بدأت النباتات تغطي التربة في الحقل، في مشهد كان يبشّر بمحصول وفير، لكن مع توالي المنخفضات الجوية، غرق حقلي إلى جانب عشرات الحقول المحيطة، وباتت الحركة بين الأراضي الزراعية في سهل الروج، مع بداية شهر آذار، تقتصر على المراكب.
ويأمل البري أن تنحسر المياه ليتمكن من استبدال زراعة حبة البركة بمحصول آخر، بعدما بات المشروع مهدداً بالفشل.
خسائر متراكمة وأمل محدود
وفي سهل الغاب، ظهرت آثار العفونة في العديد من الحقول، نتيجة الرطوبة العالية، حتى في الأراضي التي انحسرت عنها المياه، ما يهدد جودة المحصول وكميته.
وفي محيط قرية زيزون، أوضح المزارع عبد المنعم الخالد أن حقله لم يتعرض للغمر الكلي، بل كان الغمر محدوداً، غير أن الرطوبة استمرت في التربة، ما زاد من الضرر.
ولفت إلى أن الحقول بحاجة إلى أيام مشمسة متواصلة للتخلص من الرطوبة، إلا أن العفونة أصابت معظم المحصول، ما قلّص فرص الإنتاج، مع أمل محدود ببقاء جزء بسيط من الحقل لتغطية تكاليف البذار والمستلزمات الزراعية وأجور الحراثة.
تدخل محدود يقتصر على التصريف والإرشادات الزراعية
وأشار المزارعون إلى أن المساعدة الحكومية للمزارعين اقتصرت على محاولات تصريف مياه الأمطار عن الحقول في سهلي الغاب والروج، عبر فتح مخارج للمياه باتجاه القنوات والأقنية المائية، وفق إفادات عدد من المزارعين في المناطق المتضررة. ولم تشمل هذه الجهود تقديم دعم مباشر لإعادة تأهيل النباتات المتضررة، إذ اقتصر التدخل على جولات ميدانية وتوثيق الأضرار.
وفي هذا السياق، أوضحت الهيئة العامة لتطوير الغاب، في أحدث منشوراتها، أن مدير دائرة الوقاية أجرى جولة تفقدية شملت عدداً من حقول القمح في قسم أفاميا، ضمن متابعة الحالة الصحية للمحاصيل الاستراتيجية.
وخلال الجولة، جرى تسجيل انتشار دودة الزرع التي تُحدث أنفاقاً داخل الأوراق، إلى جانب رصد إصابات بالأمراض الفطرية، أبرزها "التبقع السبتوري"، إضافة إلى وجود حشرة النطاط في عدة مواقع، ما يزيد من الضغط على نمو النبات في ظل الظروف الحالية.
Loading ads...
من جانبه، أوضح المهندس الزراعي أنس أبو طربوش أن تصريف المياه لا يكفي وحده، بل يجب تعويض النباتات بالعناصر الغذائية، من خلال رش الأسمدة العضوية لتعزيز عملية التمثيل الضوئي، إضافة إلى استخدام الأسمدة الآزوتية بعد جفاف التربة بشكل مناسب، بما يساعد النباتات على استكمال نموها والوصول إلى مرحلة الإزهار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

