ساعة واحدة
كيف أخرج المنتدى الإماراتي “الصندوق السيادي السوري” من دائرة الغموض؟
الخميس، 14 مايو 2026
في خطبة هي الأولى من نوعها منذ تأسيسه قبل نحو عام، قدّم “المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول” الذي احتضنته العاصمة دمشق مطلع الأسبوع الجاري، لمحة علنية نادرة عن هيكلية “الصندوق السيادي السوري”، ذلك الكيان الاقتصادي الذي أصبح منذ إحداثه بموجب المرسوم رقم 113 لعام 2025، أحد أكثر الفاعلين الاقتصاديين نفوذاً في سوريا ما بعد الحرب.
في هذا السياق كشفت جلسات المنتدى، وفق ما ورد في تحقيق خاص أعدّته منصة “سيريا ريبورت”، لأول مرة عن الأسماء الحقيقية لكبار المسؤولين الذين يديرون هذا الصندوق، والذي ظل هيكله الإداري وحوكمته حتى وقت قريب مغلفين بغموض كثيف، في وقت تتصاعد فيه المخاوف حول شفافية إدارة المال العام السوري في المرحلة الانتقالية.
جاء هذا الكشف الاستثنائي خلال فعاليات المنتدى الذي نظمته “الهيئة السورية للاستثمار” يوم الاثنين الماضي في فندق “إبلا” بريف دمشق، بحضور وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، ورئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة في الإمارات عمر الدريعي، إضافة إلى حشد من رجال الأعمال السوريين المقيمين في الإمارات ونظرائهم الإماراتيين، وعدد من الوزراء السوريين بينهم وزراء المالية والاقتصاد والأوقاف، ووزير التعليم العالي والصحة والاتصالات والسياحة.
ورغم أن فعاليات المنتدى اختُتمت من دون التوقيع على أي اتفاقية استثمار أو مذكرة تفاهم ملموسة، إلا أن ما طُرح خلال جلساته من معلومات بشأن الصندوق السيادي كان كفيلاً بإحداث هزة في أوساط المتابعين للشأن الاقتصادي السوري.
لطالما رُبط اسم الصندوق السيادي السوري في التقارير الإعلامية والتحقيقات الاستقصائية بشخصيات غامضة تحمل ألقاباً حركية، في مقدمتها “أبو مريم الأسترالي”، الذي أكد تحقيق لوكالة “رويترز” العام الماضي أنه يُدير إلى جانب شقيق الرئيس السوري حازم الشرع لجنة سرية مكلفة بإعادة هيكلة الاقتصاد السوري، إلا أن المنتدى الاستثماري في دمشق هو الذي كشف، وبشكل قاطع، عن هوية هذا الرجل وموقعه الرسمي، واضعاً حداً للتكهنات التي رافقته طوال الأشهر الماضية.
بحسب “سيريا ريبورت” ومناقشات المنتدى، فإن المدير العام للصندوق السيادي السوري هو “إبراهيم سكرية”، الرجل الذي يُعرف إعلامياً بلقب “أبو مريم الأسترالي” أو “إبراهيم بن مسعود”، وهو أسترالي من أصل لبناني غادر مدينة بريزبن في عام 2013.
كشفت تحقيقات “رويترز” السابقة أن سكرية كان قد غادر أستراليا قبل يوم واحد من تفجير شقيقه انتحارياً، وهو مُدرج على قائمة العقوبات الأسترالية بتهم تتعلق بتمويل الإرهاب، وأشارت إلى أن الرجل، الذي يصف نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي بأنه “رجل أعمال محب للكريكيت والشاورما”، انتقل إلى سوريا حيث شغل أدواراً في الإشراف الاقتصادي ضمن هياكل كانت مرتبطة بهيئة تحرير الشام سابقاً، قبل أن يُعهد إليه بهذا المنصب الحساس.
وبذلك يكون “أبو مريم الأسترالي”، أو إبراهيم سكرية، هو الشخصية الأكثر حضوراً ونفوذاً في إدارة واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية في سوريا الجديدة، ويتولى إلى جانب منصبه كمدير عام، مهام الممثل القانوني للصندوق ومديره المالي.
يكمل طاقم الإدارة العليا للصندوق شخصيات أخرى وازنة، حيث يشغل منصب “نائب المدير العام” محمد عبد الله الفار، وهو الشخص الذي عُيِّن في كانون الثاني/يناير من العام الجاري حارساً قضائياً على شركة “أم تي أن سوريا” للاتصالات، كما شغل في صيف عام 2025 منصب مدير العلاقات العامة في وزارة الخارجية السورية، مما يعكس مدى التداخل بين الأجهزة الحكومية التقليدية وأذرع الصندوق الاستثمارية.
ويتولى رئاسة مجلس إدارة الصندوق “مازن صالحاني”، وهو وزير السياحة الحالي في حكومة الرئيس الشرع، والذي يعود تاريخ تعيينه في هذا المنصب إلى 29 مارس/آذار 2025، ليثير هذا التشابك بين الحقائب الوزارية وإدارة الصندوق السيادي تساؤلات عدة حول الفصل بين السلطات التنفيذية والإشراف على الأموال السيادية.
أما على الصعيدين التنفيذي والإعلامي، فتشمل قائمة كبار المسؤولين كلاً من “محمد مستت” الذي يتولى منصب مدير العلاقات العامة للصندوق، وكان عضواً سابقاً في اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في فبراير/شباط 2025، وهو ما يمنح الصندوق بعداً سياسياً وتواصلياً رفيع المستوى.
بينما يتولى “ياسر قحف” مسؤولية التطوير في الصندوق، إضافة إلى منصبه كرئيس تنفيذي لشركة “سيريتل” للاتصالات منذ آذار/ مارس 2026، ما يجعل إدارة قطاع الاتصالات بأكمله تحت مظلة نفوذ الصندوق بشكل أو بآخر.
من أبرز الشخصيات التي أظهرتها فعاليات المنتدى دور “محمد الخياط”، الشقيق الأصغر لرجلَي الأعمال “معتز” و”رامز الخياط”، المعروفين بقيادة مجموعة “يو سي سي القابضة” التي تتخذ من قطر مقراً لها.
ويشغل محمد الخياط منصب رئيس قطاع التطوير العقاري في الصندوق السيادي السوري، مما يجعل عائلة الخياط في قلب المشاريع العقارية الكبرى التي يخطط لها الصندوق.
والأخوان معتز ورامز الخياط، وهما قطريان من أصول سورية، يديران تكتلاً اقتصادياً ضخماً تُقدّر ثروته بنحو 7 مليارات دولار، ويمتد نفوذه من لندن إلى الدوحة، مع تركيز متزايد على مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، وقد سبق أن ركزت تقارير إعلامية على طموحات العائلة في الحصول على عقود إعمار كبرى في سوريا، وهو ما تجسد الآن في موقع رسمي داخل هيكل الصندوق السيادي.
لم يقتصر كشف النقاب عن هوية المسؤولين على إثارة الجدل فقط، بل صاحبه عرض لطبيعة ومقدار الأصول التي يسيطر عليها الصندوق، والتي تُظهر مدى ضخامة هذا الكيان الاقتصادي.
فأكد مسؤولو الصندوق خلال جلسات المنتدى أن “الصندوق السيادي السوري” يمتلك حالياً نحو 2000 عقار موزعة في مختلف المحافظات السورية، تشمل أصولاً سياحية وتجارية وإدارية إضافة إلى أراض شاسعة مخصصة للبناء، حيث تبلغ القيمة التقديرية لهذه الأصول نحو 2.5 مليار دولار، وهي متاحة وفق ما قيل للاستثمار عبر نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
أما المشاريع المخطط لها، فتمتد آفاقها إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث كشف محمد الخياط أن الصندوق يمتلك أكثر من 70 مليون متر مربع من الأراضي المخصصة للتطوير العقاري موزعة على 47 موقعاً، مع مشاريع مخطط لها تصل قيمتها التقديرية إلى حوالي 100 مليار دولار.
تأتي في مقدمة هذه المشاريع “مشروع دمشق الجديدة” الذي يمتد على جانبي طريق دمشق – بيروت، من أوتوستراد المزة حتى منطقة الصبورة في ريف دمشق، ويغطي مساحة تصل إلى 33 مليون متر مربع.
ويُخطط لهذا المشروع كمدينة متكاملة متعددة الاستخدامات تضم مجمعات سكنية وتجارية، وشبكات بنى تحتية ومرافق تعليمية وصحية وترفيهية، وقد قُدرت الاستثمارات المطلوبة لإنجاز المشروع بما يتراوح بين 40 و50 مليار دولار، منها 7.6 مليار دولار مخصصة للبنية التحتية وحدها.
كما كشف المسؤولون عن مشروع آخر على الساحل السوري يحمل اسم “لاوديسيا أد ماري”، يمتد على 11.5 مليون متر مربع بين منطقة البصة والصنوبر جنوب اللاذقية، وتشمل خططه مجمعات سكنية ومنشآت سياحية ومراكز تسوق، بل وملعب غولف أثار الجدل بإعلان المسؤولين أنه سيحمل اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
في محاولة لتبديد الغموض الذي يكتنف آليات عمل الصندوق، قدم المسؤولون عرضاً حول هيكل الحوكمة الذي يعتمد عليه، مؤكدين أنه مستوحى من “مبادئ سانتياغو”، تلك المجموعة المكونة من 24 مبدأً دولياً صادق عليها “المنتدى الدولي للصناديق السيادية”بهدف تعزيز الشفافية والمساءلة والإدارة الرشيدة في صناديق الثروة السيادية حول العالم.
وأوضح محمد مستت، مدير العلاقات العامة، أن آليات الرقابة داخل الصندوق تشمل إشرافاً داخلياً وتقارير دورية تُرفع مباشرة إلى رئيس الجمهورية، إضافة إلى تدقيقات مالية تجريها هيئات مستقلة تعينها الحكومة السورية، من دون أن يحدد طبيعة هذه الجهات أو درجة استقلالها الفعلية.
لكن هذا الطرح قوبل بتشكك واسع بين الأوساط الاقتصادية، خاصة في ضوء ما نص عليه المرسوم رقم 113 الذي أنشأ الصندوق، حيث يربط الصندوق مباشرة برئاسة الجمهورية، مع استقلال مالي وإداري كامل، ومجلس إدارة ومدير عام يتم تعيينهما بمرسوم رئاسي، وهو ما يعني إزاحة وزارة المالية عن أي دور رقابي فعلي على هذا الكيان الضخم.
إلى جانب العقارات والتطوير العمراني، كشف المنتدى عن خطط الصندوق للعب دور محوري في قطاعي الطاقة والثروات الطبيعية، وفي قطاع الفوسفات، الذي يُعتبر ثروة سورية استراتيجية.
قال رئيس قطاع الجيولوجيا والموارد في الصندوق، سراج الحريري، إن سوريا تمتلك احتياطات هائلة من الفوسفات الطبيعي تقدر بنحو 1.8 مليار طن، وتُصنف ضمن أكبر خمس دول عالمياً من حيث حجم الاحتياطي، إلى جانب 200 مليون طن من رمال الكوارتز عالية النقاء المناسبة للصناعات الإلكترونية والألواح الشمسية، واحتياطات ضخمة من الرخام والحجر الكلسي.
كما أشار الحريري إلى أن البنية التحتية المتدهورة للنقل ومرافق تحميل الفوسفات حدت بشكل كبير من الإنتاج العام الماضي، حيث بلغ الإنتاج 700 ألف طن فقط، بينما تستهدف سوريا رفعه إلى 4 ملايين طن خلال العام الجاري.
أما في قطاع الطاقة، فقد ألقى نائب وزير الطاقة لشؤون التخطيط، إبراهيم الأذعن، الضوء على حجم الأزمة التي تعاني منها البلاد، مشيراً إلى أن الحرب الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز دفعا الحكومة إلى رفع أسعار الوقود وتقليص كميات الغاز المستوردة.
وتبلغ حاجة سوريا اليومية من الغاز لمحطات التوليد كميات كبيرة، تستورد جزءاً منها من الأردن وأذربيجان، بينما يبلغ إنتاج الكهرباء الحالي ما بين 2000 و3000 ميغاواط، في وقت يقدر فيه الطلب الفعلي بنحو 3500 ميغاواط، مع خطط طموحة للوصول إلى قدرة إنتاجية تقارب 7000 ميغاواط بحلول عام 2030.
وكشف الأذعن عن مفاوضات تجريها سوريا مع شركة صينية غير معلنة لتصنيع 6.5 مليون عداد كهرباء مسبق الدفع.
مع نهاية فعاليات المنتدى، لم يخرج المراقبون باتفاقيات استثمارية محددة، لكنهم خرجوا بصورة أكثر وضوحاً عن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي تنتهجه سوريا الجديدة.
فالصندوق السيادي السوري ليس مجرد صندوق استثماري عادي، إنه أداة مركزية لتجميع الأصول العامة والخاصة وإعادة توزيعها تحت مظلة مرتبطة مباشرة بالرئاسة.
ويضم الصندوق حالياً 34 فرعاً قطاعياً، إضافة إلى 11 شركة تعمل خارج هذه القطاعات، ويعمل ضمنه أكثر من 40 ألف موظف، لتشمل القطاعات التي يغطيها الصندوق التطوير العقاري، والإنشاءات والمقاولات، وصناعة الحديد، والرعاية الصحية والصناعات الدوائية، والزراعة والثروة الحيوانية، والمطاحن والمخابز، والتعليم، والمصارف، والنفط والغاز، والاتصالات، والنقل الجوي والبري، والسياحة، والإعلام، والتأمين، وغيرها من القطاعات الحيوية.
ليُعتبر “صندوق التنمية السوري” الذي تأسس بموجب مرسوم آخر (المرسوم 112 لعام 2025) شريكاً في هذه العملية، حيث يركز على إعادة الإعمار والبنية التحتية، بينما يتولى الصندوق السيادي دور الاستثمار وتحويل الأصول العامة إلى أدوات إنتاج.
لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو، من أين يحصل الصندوق على تمويله؟، خاصة وأن المرسوم الذي أنشأ الصندوق يذكر مصادر متعددة، بينها الاعتمادات التي تخصصها الدولة والإعانات والهبات، لكنه لا يحدد رأس المال الأولي للصندوق أو مصدره، مما يثير مخاوف من أن يكون الصندوق أداة لتمركز الثروة في أيدي نخبة ضيقة، وهو ما يحذر منه خبراء صناديق الثروة السيادية، حيث يرون أن غياب الرقابة يُسهّل تحويل الموارد بعيداً عن المساءلة العامة.
Loading ads...
وبينما تتجه النرويج، التي تمتلك أكبر صندوق سيادي في العالم بقيمة 2.2 تريليون دولار، نحو رفع الحظر عن الاستثمار في السندات الحكومية السورية، كدليل على عودة دمشق إلى النظام المالي العالمي، يبقى الصندوق السيادي السوري هو الأداة المحورية التي ستشكل ملامح اقتصاد ما بعد الحرب، في نموذج يجمع بين الإعمار والمركزية الشديدة، وبين الانفتاح على الاستثمارات الخارجية والتشبيك الوثيق مع النخبة الاقتصادية الجديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


