بُعيد اختفاء جبهات الحرب في سوريا، انطلقت الحرفية الدمشقية أريج ميرو مع مجموعة المسير نحو الدير الذي يعود للقرن السادس الميلادي والذي بني وسط الجبال في وسط سوريا.
تحت السماء الزرقاء الخالية من السحب، وأشعة الشمس الحارقة في الربيع الماضي، تجولت ميرو، 24 عاماً، بصحبة زملائها وزميلاتها في المسير في تلك البقعة الصحراوية الوعرة، حيث كانت الحمرة الفاقعة لقمصانهم تتعارض بشكل صارخ مع لون التراب البني الفاتح من حولهم. توجهت تلك المجموعة نحو دير مار موسى الأثري الذي يبعد نحو 80 كيلومتراً تقريباً عن شمالي دمشق.
بلغت ميرو سن الرشد خلال فترة الحرب التي امتدت لأربعة عشر عاماً، والتي انتهت قبل عام عندما أسقط الثوار الديكتاتور بشار الأسد. غير أن الحرب قسمت البلد إلى مناطق سيطرة مختلفة جعلت التنقل بحرية بينها مستحيلاً.
عند انتهاء النزاع، تخبرنا ميرو بأنها لم تزر سوى ثلاث محافظات سورية من أصل أربع عشرة، ولكنها كانت مفعمة بالأمل وهي تشارك في المسير نحو الدير، ولهذا قالت: "أعتزم اليوم زيارة كل المحافظات".
بيد أن الأمل الحذر الذي أبدته ميرو ومجموعتها التي تعرف باسم: "أنا السوري" ما هو إلا مؤشر على مدى التحول الذي تعيشه البلد.
ما تزال أجزاء من سوريا محظورة بسبب التوترات الأمنية أو بسبب الهجمات الإسرائيلية واحتلالها للأراضي، ولكن معظم المناطق الأخرى أصبحت مفتوحة أمام الزوار.
يعلق على ذلك خالد نويلاتي، 55 عاماً، والذي أسس هذه مجموعة المعنية بالمغامرات منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فيقول: "قبل الحرب، كانت الخريطة مفتوحة، ولهذا فإننا نفتح خريطة جديدة اليوم".
التقى أعضاء هذه المجموعة بصورة غير رسمية عندما بدأ خالد يجتمع مع بعض أصدقائه من أجل إقامة نشاطات في الهواء الطلق، فخرجوا بفكرة استكشاف مناطق جديدة في بلدهم بغية تعزيز الإحساس بالانتماء حسب قوله.
يخبرنا هذا الرجل من مكتب المجموعة بدمشق، ذلك المكتب الذي يحتوي على معدات للتخييم والمسير والتسلق: "تعتمد خطتنا على المواسم والفصول وعلى المناخ السياسي".
على أحد الجدران علقوا مخلفات الحرب التي عثروا عليها خلال العام الماضي، وتضم فوارغ طلقات، وصندوق ذخيرة، وشظايا قذائف الهاون.
العودة لاكتشاف سوريا بعد الحرب
ما إن بدأت الحرب في البلاد، أضحى استكشاف سوريا بكل حرية ضرباً من المستحيل. إذ في إحدى الرحلات التي انطلقت في عام 2013، تعرضت حافلة المجموعة لإطلاق نار، وبعد عامين على ذلك، وفي أثناء مسير في محمية طبيعة وسط محافظة حماة، اختطف عضوان من المجموعة واحتجزا لمدة شهر قبل أن يدفع أهلهما فدية مقابل إطلاق سراحهما.
بالنسبة للحرفية ميرو المتخصصة بفن العجمي، فإن معاينة بلدها قبل أن تغامر بالسفر إلى بقية بقاع الأرض يعتبر عنصر جذب، ولهذا تقول: "إنني بحاجة لمعرفة سوريا" وهي تتوجه برفقة نحو عشرين من زملائها لتصعد أحد المنحدرات في شهر أيار الماضي، وتتابع قائلة: "أتخيل نفسي وقد سافرت وصرت ألتقي بأشخاص خارج البلد، وأتخيلهم يسألونني عن أماكن في سوريا لا أعرفها".
ارتدى الجميع قمصاناً حمراء فاقعة كتب عليها اسم مجموعة المسير. في مقدمة المجموعة، سارت نور النقار، 23، وهي مصممة مجوهرات ترتدي نظارات شمسية وردية مثل الزينة التي وضعتها على وجنتيها وشفتيها، حاملة العلم السوري الجديد الذي اعتمد عقب إسقاط الأسد، والذي ربطته بغصن شجرة، وعنه قالت: "إنه يذكرنا بالانتماء إلى وطن".
غير أن الأخطار التي أفرزتها الحرب ما تزال ماثلة في الأذهان، ففي أثناء مسيرهم، أخذ أعضاء المجموعة يتمازحون حول احتمال الدوس على لغم أرضي، بعد أن عم خطر الألغام أرجاء سوريا.
يعلق على ذلك خالد نويلاتي الذي عقص شعره الأسود الطويل أعلى رأسه، فيقول: "لا نعرف ما الذي يمكن أن يحدث لنا في المستقبل"، فيجيب سامر عقاد، 47 عاماً: "قد يظهر لنا تنظيم الدولة"، وسامر هذا دليل سياحي ومتسلق جبال، لكنه علق بذلك لأن خلايا هذا التنظيم ما تزال موجودة في سوريا، وقد قتلت قبل شهر جنديين أميركيين وترجماناً مدنياً أميركياً.
يتابع معه نويلاتي بالقول: "أو قد تظهر لنا فلول النظام" مستخدماً ذلك المصطلح الذي يشير للقوات الموالية للأسد المخلوع، الذين اتهمتهم السلطات السورية بتنفيذ سلسلة هجمات منذ نهاية الحرب.
أخذ ممارسو رياضة المسير في الهواء الطلق يتمازحون حول إمكانية وقوع ذلك، فلو وقع ذلك بالفعل، فإن هؤلاء سيحاولون إثبات وطنيتهم أمام الحكومة، وهذا ما دفع عقاد إلى القول ضاحكاً: "مباشرة سأبدأ بغناء النشيد الوطني" وبدأ بإنشاد أول أبيات النشيد الذي ألغي اليوم.
في أثناء مسيرهم، نصحت النقار المجموعة مواصلة المسير على خط مستقيم تفادياً لأي خطر محتمل قد يتعرضون له خارج هذا المسار.
وخلال إحدى فترات الاستراحة، تقدمت المجموعة نحو تلة لتستفيء بظلها في ذلك المكان الذي يندر فيه وجود بقعة يمكن للمرء من خلالها أن يحمي نفسه من أشعة الشمس.
أخذ نويلاتي بتزجية الوقت مع المجموعة وتسليتهم من خلال قصص المغامرات القديمة والتي كان بينها مسير المجموعة قبل سنوات باتجاه منطقة عسكرية محظورة.
قبل الحرب في سوريا، لم يكن لدى معظم السوريين ذلك الاهتمام باكتشاف بلدهم، باستثناء بعض المواقع السياحية الشهيرة بحسب رأي نويلاتي.
ولهذا يأمل هذا الرجل بأن تثير هذه الحقبة الجديدة فضول الشعب السوري، ويضيف: "لا يمكننا أن نقول عن أنفسنا بأننا سوريين إن لم نتعرف على حلب، وإن لم نسبح في الفرات، وإن لم نمشي على الساحل، إذ إننا نعيش في بيت كبير فيه غرف كثيرة لم ندخلها أبداً".
Loading ads...
المصدر: The New York Times
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




