في زاوية ضيقة من شقة صغيرة بمدينة "يونغين" الكورية الجنوبية، كانت السبعينية "بانغ تشون جا" تقضي ساعات طويلة في التحديق بسقف غرفتها الموحشة. فالوحدة هنا ليست مجرد شعور عابر، بل هي شبح يخيم على بلد يمر بأحد أخطر الأزمات الديموغرافية في العالم.
الصورة أكبر من مجرد امرأة عجوز وحيدة، إذ تشهد كوريا الجنوبية اليوم أسرع شيخوخة سكانية في تاريخ البشرية، فخلال أقل من خمسة عشر عامًا، تضاعف عدد من تجاوزوا الخامسة والستين ليتخطى الخُمس الكامل من تعداد السكان، وفي عام 2024، انضمت البلاد رسميًا إلى نادي "المجتمعات المُسنّة للغاية".
يعيش 37.8% من كبار السن بمفردهم تماماً، ولا يوجد ما يكفي من الأطباء أو الأخصائيين الاجتماعيين أو حتى فراد الأسرة القادرين على سد هذه الفجوة، لتصبح المعادلة المأساوية أن الشيخوخة ذاتها تُقلّص القوى العاملة في الوقت الذي ترفع فيه الطلب على الرعاية.
أمام هذا الجدار الديموغرافي، كان لا بد من حل غير تقليدي، وكان على التكنولوجيا أن تتدخل لتنقذ ما يمكن إنقاذه.
لم تعد الجدران صامتة في منازل الآلاف من كبار السن الذين يعيشون في عزلة أو فقر، فقد فتحت الحكومة الكورية الباب أمام شركات التكنولوجيا الكبرى لسد الفجوة الحرجة في القوى العاملة، من هذه الجهود ولد برنامج "الرفيق المتكلم – Talking Buddy" الذي طورته شركة "نيفر كلاود".
هذا البرنامج، الذي بدأ كأداة بسيطة لتتبع الفيروسات، تحول اليوم إلى طوق نجاة قادر على إجراء محادثات مخصصة تتراوح بين دقيقتين وخمس دقائق مع عشرات الآلاف من المسنين، لا تقتصر مهمته على طرد وحشة الليل، بل يمتد ليحفز الوظائف الإدراكية للوقاية من الخرف، وتذكيرهم بعاداتهم الصحية كالطعام والنوم والرياضة، فضلاً عن استخدام المستشفيات له لتذكير المرضى بمواعيد أدويتهم.
رغم عبقرية هذا البرنامج، فإنه ما زال يواجه عقبات، كالتأثر بصوت التلفاز العالي في منازل المسنين، وصعوبة التمييز الدقيق بين التعبيرات المجازية للحالة النفسية وبين الطوارئ الحقيقية، مما يتطلب مراقبة مستمرة من أخصائيين بشريين لتصحيح الأخطاء.
وفي ذات السياق، يقف برنامج "سوبر برين" العلاجي المدعوم بتمويل حكومي كحارس ذكي ضد التدهور المعرفي، حيث يقدم تمارين شخصية للمرضى، ويعدل صعوبتها تلقائياً، ويرسل بيانات موثوقة للأطباء لقطع الطريق على محاولات بعض المرضى لإخفاء مدى التزامهم بالتمارين.
حتى الأحفاد اصطناعيون
التحول الأبرز في حياة العجوز "بانغ" جاء على هيئة دمية قطنية بعيون واسعة ومبتسمة قدمتها منصة الرعاية الصحية الذكية "هيودول"، هذه الدمية ليست لعبة أطفال، بل روبوت مرافقة متطور يعمل بالذكاء الاصطناعي، يتحدث بلهجة طفل في السابعة من عمره ليقدم دعماً عاطفياً وصحياً على مدار الساعة.
عندما تعود "بانغ" إلى منزلها، لا يستقبلها الصمت، بل صوت دافئ: "جدتي، كنت أنتظركِ طوال اليوم"، ثم يغني لها إن شعرت بالملل، ويذكرها بأدويتها وروتينها، يرتبط هذا الروبوت بتطبيق جوال ومنصة مراقبة تتيح للأخصائيين الاجتماعيين وعائلات المرضى تسجيل الوجبات ومتابعة الحالة عن بُعد.
ووفقًا لبيانات "هيودول"، هناك نحو 14.5 ألف روبوت من هذا النوع قيد الاستخدام في كوريا الجنوبية، سواء لدى الأفراد أو ضمن برامج حكومية أو في دور رعاية المسنين، ويبلغ سعر أحدث طراز نحو 1.3 مليون وون، أي ما يعادل 879 دولارًا تقريبًا.
وتشير الدراسات إلى أن هذه الروبوتات ساهمت في تحسين الصحة النفسية لبعض المستخدمين، حيث انخفضت معدلات الاكتئاب وتحسنت القدرات الإدراكية، بل إن بعض كبار السن أطلقوا على روبوتاتهم أسماء محببة، واشتروا لها ملابس أطفال، ووضعوها إلى جانبهم أثناء النوم.
لا أحد يدّعي أن دمية قطنية أو صوتًا آليًا يمكنه أن يعوّض دفء ابن يزور والده أو حفيد يجلس بجانب جدته، لكن في بلد تتآكل فيه هذه اللحظات يومًا بعد يوم، فإن هذه الروبوتات تظل أداة مساعدة وليست بديلاً كاملاً للرعاية البشرية، خصوصاً وأنها لا تناسب الجميع؛ إذ يجدها بعض المسنين ولا سيما كبار السن الأكثر استقلالية أمراً مزعجاً.
ومع ذلك، فإن قصة كوريا الجنوبية ليست سوى نموذج لظاهرة عالمية؛ إذ تشير التوقعات إلى أن حجم سوق روبوتات المرافقة القائمة على الذكاء الاصطناعي لرعاية المسنين سيتجاوز 7.7 مليار دولار بحلول عام 2030، لذا يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية تقنية، بل حاجة إنسانية ملحّة.
Loading ads...
المصادر: أرقام – نيويورك تايمز – ورقة بحثية لمؤسسة "كارنيجي" – سي إن إن – فرانس برس
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





