لم يكن سقوط بشار الأسد حدثًا سياسيًا عاديًا يمكن وضعه في خانة انتقال السلطة أو تبدّل الأنظمة، بل كان خاتمة لمسار طويل من التفكك الذي بدأ قبل سنوات، حين انفصل نظام الحكم عن أي وظيفة وطنية، وتحول إلى كيان مغلق قائم على الفساد والقوة العارية. فقد جاءت الإطاحة بالأسد لتكشف حجم الانهيار الذي أربك حتى أقرب الداعمين له، بعد أن صنّفته منظمة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد عام 2024 بوصفه أكثر شخصيات العالم فسادًا.
وهو توصيف لم يكن السوريون ولا المراقبون بحاجة إلى مؤسسة دولية لتأكيده، بقدر ما كان انعكاسًا دقيقًا لنظام رسّخ نفسه عبر اقتصاد الكبتاغون والتهريب، وعبر تحويل الدولة إلى شبكة ضخمة للنهب المنظّم.
وحين فرّ الأسد إلى موسكو قبل عام، كان ذلك المشهد تتويجًا لنهاية حقبة امتدت منذ عام 2000، حين تسلّم السلطة عبر تعديل دستوري مُتعجِّل أعاد إنتاج المنظومة نفسها التي بناها حافظ الأسد. ومع أن الوريث بدأ عهده بوعود إصلاح مبكرة، فإنه سرعان ما عاد إلى الأسلوب ذاته في الحكم: مركزية خانقة، وأمن طاغٍ، وسيطرة على كل تفاصيل الحياة العامة والخاصة، وتحويل المجتمع إلى مساحة مراقَبة تُدار بمنطق الشك المستمر.
ومع اندلاع الربيع العربي، لجأ الأسد إلى خطاب “المؤامرة الخارجية” لتبرير الحرب الشاملة التي شنّها على الشعب، فحوّل سوريا إلى مختبر مفتوح للعنف المادي والكراهية السياسية وإفلات الأجهزة من المساءلة. وكان ذلك كافيًا ليترك خلفه مئات آلاف الضحايا، ونصف شعب مشرّد بين النزوح واللجوء، وخرابًا عمرانيًا واقتصاديًا لم تشهد المنطقة مثله في العقود الأخيرة.
الصورة الداخلية القاتمة لم تمنع الحكم الجديد من تحقيق اختراقات مهمة على الساحة الخارجية.
ولم يكن سقوط النظام بمعناه الأمني هو التحدي الأكبر أمام سوريا الجديدة، بل الإرث الذي تركه وراءه، إذ ورثت السلطات الانتقالية بلدًا ممزقًا جغرافيًا، مثقلًا بصراعات الهوية، ومحاطًا بتدخلات خارجية يومية، أبرزها التوغلات الإسرائيلية المستمرة. لذلك كان من الطبيعي أن تظهر سريعًا صدامات بين هذه السلطة وقوى الأمر الواقع، خصوصًا في شمال شرقي سوريا، حيث رفضت الإدارة الكردية الاحتفال بذكرى سقوط الأسد، في خطوة تحمل رسائل سياسية تتجاوز بعدها الرمزي.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت أصوات داخل الطائفة العلوية تحذر من “ظلم جديد”، تعكس خوفًا متراكمًا من مرحلة ما بعد الأسد، بعد أن رسخ النظام نفسه عقودًا بوصفه “حاميًا” لهذه الطائفة، بينما كان في الواقع يستخدمها درعًا لمشروعه.
وجاء ما كشفت عنه “رويترز” حول تمويل رامي مخلوف وكمال حسن لتشكيل ميليشيات علوية لإسقاط النظام الجديد ليُظهر أن الأسد سقط سياسيًا، لكنه لم يُهزم شبكيًا، وأن منظومة المصالح التي بناها ما تزال تبحث عن دور في سوريا المستقبل. وقد تجسّد هذا الامتعاض لاحقًا بمحاولة انقلابية في آذار الماضي، قُتل خلالها المئات من قوات النظام الجديد، قبل أن تُحبط إثر تعبئة فصائلية وشعبية واسعة، قادت بدورها إلى انتهاكات ومجازر مضادة طالت العلويين والدروز على حدّ سواء، وترافقت مع غارات إسرائيلية أظهرت هشاشة الأمن الإقليمي في مرحلة انتقالية غير مستقرة.
كان من المتوقع أن تثير هذه الأحداث موجات انتقاد داخلية، خصوصًا في ملفات الدستور والعدالة الانتقالية وإدارة الحوار الوطني، وهي ملفات تحتاج إلى توازن دقيق يضمن محاسبة المنتهكين ويمنع الانزلاق إلى انتقام جماعي، وفي الوقت ذاته يحافظ على نسيج اجتماعي هشّ لم يعد يحتمل جرحًا إضافيًا.
لكن الصورة الداخلية القاتمة لم تمنع الحكم الجديد من تحقيق اختراقات مهمة على الساحة الخارجية. فقد استقبلت دول عربية وإقليمية صعود القيادة السورية الجديدة بوصفه فرصة لطي صفحة مريرة من الدم، وعادت العلاقات مع السعودية وقطر والأردن ولبنان إلى مسار طبيعي، وبدأت العقوبات الاقتصادية تُرفع بشكل متدرّج، في حين أبدت عواصم عديدة استعدادها للمساهمة في إعادة الإعمار إذا استقر الداخل سياسيًا.
تبقى سوريا الجديدة أمام امتحان الداخل، وهو الامتحان الذي يحدد مصيرها الحقيقي.
وتُوّجت هذه العودة الإقليمية بلقاء الرئيس السوري أحمد الشرع دونالد ترامب، في خطوة حملت إشارات واضحة إلى رغبة واشنطن في تحويل سوريا من “مسرح للفوضى” إلى دولة قادرة على ضبط حدودها وإدارة أمنها بمعزل عن النفوذ الإيراني. وجاء اللقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليعيد تنظيم العلاقة مع موسكو بعيدًا عن الإرث الثقيل الذي تركه الأسد، بحيث باتت روسيا مطالَبة بالتعامل مع دولة جديدة، لا مع نظام ضعيف يعتمد عليها للبقاء. أما العلاقة مع تركيا فشهدت دفئًا غير مسبوق منذ 2011، بعد تفاهمات أمنية حول الحدود واللاجئين وترتيبات شرقي الفرات، الأمر الذي فتح الباب لعودة سوريا إلى محيطها الإقليمي بوصفها لاعبًا قابلًا للشراكة لا بؤرة تهديد.
ورغم هذا النجاح الخارجي، تبقى سوريا الجديدة أمام امتحان الداخل، وهو الامتحان الذي يحدد مصيرها الحقيقي. فالاحتفالات الشعبية بذكرى سقوط الأسد تعبّر عن رغبة واسعة في طي صفحة نصف قرن من الطغيان، لكنها لا تعني أن الطريق معبّد لاستعادة الدولة بشكل سريع. فالمؤسسات ما زالت ضعيفة، والانقسامات الطائفية ما تزال حاضرة بقوة، وشبكات النظام السابق لم تتفكك بعد، والاقتصاد يحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن يتعافى، والأهم أن السوريين يحتاجون إلى إعادة بناء ثقتهم بالدولة بعد أن حطمها النظام على مدى عقود.
Loading ads...
ومع ذلك، يبقى الحدث الجوهري أن سوريا تقف اليوم للمرة الأولى منذ عقود أمام فرصة سياسية حقيقية. ليست فرصة للانتقام ولا لاستبدال طغيان بآخر، بل فرصة لصياغة مشروع وطني جديد يعيد للدولة وظيفتها، ويعيد للمجتمع كرامته، ويؤسس لمرحلة تُقاس فيها قوة الحكم بقدرته على احترام السوريين لا بإخضاعهم. لقد طُويت صفحة الأسد، لكن كتابة الصفحة التالية تتطلب شجاعة لا تقل عن الشجاعة التي أسقطته، وإرادة قادرة على مواجهة إرث الماضي وتحمّل أثقاله، وقيادة تفهم أن التغيير الحقيقي يبدأ عندما يتوقف السوريون عن الخوف من دولتهم، وتتوقف دولتهم عن النظر إليهم كخصوم محتملين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

