“برمضان بتحس أنك مع الناس مو لحالك، الكل بيحكي معك وبيقلك رمضان مبارك، وهالشي كتير حلو”.
هكذا يختصر حسن النزال (8 سنوات)، الطفل السوري الذي عاد مع عائلته من ألمانيا قبل أشهر، شعوره وهو يعيش رمضان في سوريا، بحسب ما قال لموقع تلفزيون سوريا.
يقف حسن في أحد شوارع الحي، يتأمل الزينة المعلقة والأضواء التي تملأ المكان مع اقتراب موعد الإفطار، بالنسبة له لا يشبه هذا الشهر أي تجربة سابقة فهنا يُعاش رمضان في الشارع كما في البيت، بين الناس لا خلف الشاشات.
يقول إن أول ما لفت انتباهه هو ذلك “القرب” الذي يربط الجميع، لا حاجة لتطبيقات تذكّره بموعد الأذان، فالصوت يصل من المساجد، والناس تتحرك معًا في إيقاع واحد، يحيّي المارة حتى من لا يعرفهم، ويستغرب كيف أن التحية هنا عادة يومية وليست استثناء.
ولا يقتصر اختلاف رمضان على ما قبل الإفطار، بل يمتد لما بعده أيضًا، يقول حسن: “بعد الفطور بروح مع خالي على صلاة التراويح، كل الناس بتجتمع هي الأشياء ما عشتها قبل، لأول مرة عم عيشها، شعورها كتير حلو، بحس إني كنت محروم منها”.
في المقابل يتذكر رمضان في ألمانيا كأيام هادئة، يكاد يغيب فيها حضور الشهر من الفضاء العام، لا زينة في الشوارع ولا مدفع إفطار، ولا ذلك التفاعل الذي يملأ المكان.، حتى في المدرسة كان يشعر أنه يشرح صيامه أكثر مما يعيشه.
أما في سوريا، فكل شيء مختلف، الزينة، الأصوات، حركة الشارع، وتفاصيل صغيرة تجعل رمضان تجربة تُحسّ وتُعاش لا مجرد وقت يمر.
رمضان بضحكة الطفولة
في كل رمضان، تعرف ليلى قادري (11 عامًا) أن الموعد ثابت، وأن اللقاء لن يتأخر هناك، في بيت الجد، حيث تبدأ الحكاية كل عام، تلتقي بابنة خالتها سلام، وكأن الشهر جاء خصيصًا ليجمعهما من جديد.
تقولان لموقع “تلفزيون سوريا” إن رمضان مختلف، لأن منجتمع عند بيت جدي أكتر من أي وقت”، وكأن البيت يكبر بهما وبكل من يأتي، وتضيفان "قبل بيوم من بداية الشهر، منجي عتيتة”، كما تصفانها بفرح، لتبدآ مهمة لا تقل أهمية عن الصيام نفسه وهي تزيين المكان.
الفوانيس تُعلّق، والزينة تتوزع على الجدران، ويتحوّل البيت إلى مساحة دافئة “لون البيت بيصير بيلمع متل السما بالليل ونجوم وقمر”، كما تقول ليلى، وهي تشير إلى ضوء صغير يلمع في الزاوية.
في المطبخ تأخذ الحكاية طابعًا آخر تقفان إلى جانب الجدة، تحاولان المساعدة، ولو بأشياء بسيطة “منشارك بأكلة حلو معها لأن نحنا شاطرين بالحلو كتير”، تقول سلام، بينما تضحك ليلى وتقول " أنا بضل اتذوق ونحنا عم نعمل الحلو وتيتة بتقلي عيييب مابيصير قبل أن تكتمل".
تلك اللحظات بين الطحين والسكر وضحكات الجدة، تبدو لهما كأنها سرّ رمضان الحقيقي.
ومع أذان المغرب تمتلئ السفرة، ويجلس الجميع، “الكل بياكل معنا”، تقولان بفخر، وكأن المشاركة بحد ذاتها إنجاز وبعد الإفطار لا ينتهي اليوم، بل يبدأ فصل آخر، يجلسون مع العائلة لمتابعة مسلسل، ثم تعودان إلى عالمهما الصغير تلعبان، تضحكان، وتنسجان تفاصيل يوم جديد يشبه الذي قبله، لكنه لا يفقد سحره.
طوال الشهر تتكرر الحكاية لكن دون أن تشبه نفسها تمامًا، كل يوم يحمل ضحكة مختلفة، وزينة تُعاد ترتيبها، ولعبة جديدة تُخترع.
بالنسبة لليلى وسلام، رمضان ليس مجرد أيام تمر، بل مساحة طفولية مفتوحة، حيث تكبر الذكريات وتبقى بسيطة كما هي.
شهر اللمة التي لا تتكرر
“برمضان ما حدا بيغيب عن السفرة”، يقول علي إبراهيم بابتسامة واسعة، كأن الفكرة بحد ذاتها كافية لتشرح كل شيء، فبالنسبة له لا يبدأ الشهر فقط مع الهلال، بل مع أول دعوة عائلية، وأول سفرة تمتدّ لتسع الجميع.
يرى علي أن ما يميّز رمضان ليس الطعام بحد ذاته، بل “اللمة الكبيرة” الأعمام، الأخوال، أولاد العم والخال نطاق العائلة يكبر في هذا الشهر، وكأن البيوت تتسع أكثر مما تحتمل.
يقول إن هذه الجمعات لا تشبه الأيام العادية، ففي رمضان تتكرر الزيارات، وتتقوى صلة القرابة، ويتعلّم الأطفال معنى أن يكونوا معًا.
بعد الإفطار تبدأ طقوسهم الخاصة “منجتمع أنا وولاد عمومي أو خوالي، منحط أكلاتنا لبعد الفطور، ومنلتم ومنلعب ألعاب بتجمعنا أحيانًا منلعب الراكيتات”، وأحيانًا يوزعون التمر على بعضهم قبل الأذان، وكأنها مهمة رسمية لا يجوز أن يغيب عنها أحد.
بالنسبة لعلي، رمضان ليس مجرد صيام أو أطباق مميزة، بل مساحة للضحك المشترك، وللأصوات التي تملأ البيت، وللأقارب الذين يقتربون أكثر.
“هي الطقوس ما منعيشها بالأيام العادية”، يقول، قبل أن ينضم إلى أولاد عمه في لعبة جديدة كأن الشهر كله فرصة مفتوحة للقاء.
رمضان كحكاية مستمرة
تتحدث دانيا قعير (13 عامًا) عن رمضان بوصفه شهرًا مختلفًا تمامًا عن باقي أيام السنة، ليس فقط بالصيام، بل بما يحمله من تفاصيل صغيرة تصنع فرحها الخاص.
وتقول إن أكثر ما تحبه هو تلك العادة التي تجمعها مع أخواتها، حيث تحضّر كل واحدة منهن طبقًا مختلفًا، ثم يضعن الأكلات معًا ليتشاركنها بعد الإفطار، وكأن المائدة تصبح مساحة للّعب بقدر ما هي للطعام.
وقبل الأذان بساعة يتحول الحي إلى ملعب صغير، حيث تنتظر دانيا موعدها اليومي للعب “الراكيتات، أو الحجلة” مع أطفال الحارة، في وقت بات بالنسبة لها طقسًا ثابتًا لا يحدث إلا في رمضان.
وتبتسم وهي تروي كيف يخبرهم والداها أن هذه العادات ليست جديدة، بل كانوا يمارسونها هم أيضًا في طفولتهم مع إخوتهم وأبناء أقاربهم، بالنسبة لدانيا، هذا التشابه بين الأمس واليوم يجعل رمضان يبدو كحكاية مستمرة، تتوارثها الأجيال بنفس البساطة والفرح.
عالم الأطفال الرمضاني
بالنسبة للأطفال لا يُقاس رمضان بعدد ساعات الصيام بقدر ما يُعاش كتفاصيل يومية صغيرة تتحول إلى طقوس منتظرة، من لحظة تعليق الزينة والفوانيس يبدأ الإحساس بالعيد مبكرًا، وتتحول الأحياء إلى مساحات لعب مفتوحة بعد الإفطار.
يركض الأطفال في الشوارع، يحملون فوانيسهم، يتشاركون الحلوى، ويبتكرون ألعابًا جماعية لا تظهر إلا في هذا الشهرمن مباريات “الراكيتات” وغيرها من الالعاب إلى جلسات السمر البسيطة التي تمتد حتى وقت متأخر.
كما يشكّل الإفطار لحظة مركزية لديهم ليس فقط للطعام، بل لاجتماع العائلة واتساع دائرة اللقاءات، حيث يتعرّفون أكثر إلى أبناء العم والخال، وتُعاد صياغة العلاقات ضمن أجواء دافئة.
Loading ads...
في هذه المساحة يتعلم الأطفال المشاركة والانتظار، والفرح الجماعي، لتصبح طقوس رمضان جزءًا من ذاكرتهم الأولى، التي ترافقهم طويلًا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



