المربع نت – لسنوات طويلة، كانت تويوتا تبدو وكأنها آخر العمالقة الذين يرفضون الاندفاع الكامل نحو السيارات الكهربائية. بينما كانت شركات مثل فولكس واجن وفورد وجنرال موتورز تتحدث عن “نهاية محركات البنزين”، كانت تويوتا تكرر خطاباً مختلفاً يقوم على فكرة أن السوق لا يتحرك في اتجاه واحد، وأن المستقبل لن يكون كهربائياً بالكامل كما يتوقع البعض.
وقتها، تعرضت الشركة اليابانية لانتقادات حادة، ووصفها كثيرون بأنها متأخرة ومحافظة أكثر من اللازم، بل إن البعض اعتبرها خائفة من الدخول الحقيقي إلى عالم الكهرباء. لكن بعد سنوات من الفوضى والخسائر والتراجعات التي ضربت معظم الصناعة، تبدو الصورة اليوم مختلفة تماماً، وعبقرية تويوتا في التعامل مع الموقف ظهرت للعيان.
بين 2020 و2023 تقريباً، دخلت صناعة السيارات في سباق كهربائي أشبه بحالة اندفاع جماعي. الحكومات الأوروبية فرضت أهدافاً صارمة للانبعاثات، وأسواق المال بدأت تكافئ أي شركة تعلن عن خطط كهربائية ضخمة، بينما تحولت تيسلا إلى مركز الجاذبية الجديد للصناعة بالكامل.
خلال تلك الفترة، رفعت شركات كبرى سقف طموحاتها بشكل غير مسبوق، فتحدثت فورد عن مستقبل كهربائي شبه كامل، ودفعت ستيلانتس بخطط توسع هائلة، بينما بدأت هوندا تتحدث عن إنهاء محركات البنزين تدريجياً، وحتى علامات مثل مرسيدس وفولفو قدمت جداول زمنية واضحة للتخلي عن الاحتراق الداخلي.
لكن بعد سنوات قليلة فقط، بدأت الصورة الواقعية تظهر بشكل أكثر وضوحاً. الطلب على السيارات الكهربائية لم ينمو بالسرعة التي توقعتها الشركات، والبنية التحتية للشحن بقيت أبطأ من الطموحات السياسية، كما ظلت تكاليف البطاريات والمواد الخام مرتفعة، وفي الوقت نفسه اكتشفت الشركات أن السيارات الكهربائية لا تحقق نفس هوامش الربح التي تحققها سيارات البنزين والهايبرد.
وهكذا بدأت موجة التراجع. فورد خفضت خططها الكهربائية، وستيلانتس سجلت خسائر ضخمة وأعادت حساباتها، بينما ألغت هوندا ونيسان مشاريع كبيرة أو أجلتها، وحتى الشركات الأوروبية نفسها بدأت تتحدث مجدداً عن أهمية الهايبرد بعد سنوات من التركيز الكامل على الكهرباء.
وفي وسط هذا الارتباك، كانت تويوتا تتحرك بهدوء مختلف تماماً.
الخطأ الذي وقع فيه كثيرون هو الاعتقاد أن تويوتا كانت ترفض السيارات الكهربائية من الأساس، بينما الحقيقة أن الشركة كانت ترفض وضع مستقبلها بالكامل في مسار واحد.
ولهذا أصرت لسنوات على استراتيجية “المسارات المتعددة”، التي تقوم على تطوير السيارات الكهربائية والهايبرد والهايبرد القابل للشحن والهيدروجين، إلى جانب الاستمرار في تحسين محركات البنزين التقليدية، بحيث تترك للمستهلك حرية الاختيار بدلاً من فرض تقنية واحدة على جميع الأسواق.
وقتها، بدا هذا التوجه محافظاً ومشتتاً مقارنة بالشركات التي أعلنت ثورات كهربائية كاملة، لكن بعد أن بدأت تلك الشركات نفسها تتراجع تدريجياً، أصبحت استراتيجية تويوتا تبدو أقل اندفاعاً وأكثر واقعية.
وهذا لا يعني أن تويوتا تجاهلت الكهرباء، بل العكس تماماً.
خلال أول ثلاثة أشهر فقط من 2026، ضاعفت تويوتا مبيعات سياراتها الكهربائية أكثر من مرتين لتصل إلى 79 ألف سيارة، وهو أعلى رقم كهربائي تحققه الشركة حتى الآن، كما رفعت عدد موديلاتها الكهربائية إلى 19 سيارة بعد إطلاق 7 موديلات جديدة خلال فترة قصيرة.
الأهم أن هذا التوسع لا يقتصر على أوروبا فقط، بل يشمل الولايات المتحدة والصين أيضاً، وهما أهم ساحتي صراع حالياً في سوق السيارات الكهربائية العالمية.
وفي وقت ألغت فيه شركات كثيرة استثماراتها الكهربائية في أمريكا بعد قرارات إدارة ترامب المتعلقة بالحوافز البيئية، أعلنت تويوتا استثماراً جديداً بقيمة 800 مليون دولار، أي ما يعادل حوالي 3 مليارات ريال سعودي، داخل مصنعها في كنتاكي لإنتاج سيارة كهربائية جديدة، في إشارة واضحة إلى أن الشركة بدأت ترى الفرصة بشكل مختلف عن كثير من المنافسين.
لكن العامل الأهم في كل ما يحدث حالياً ليس أوروبا ولا أمريكا، بل الصين نفسها.
خلال سنوات قليلة فقط، تحولت الشركات الصينية من علامات تُتهم بتقليد الآخرين إلى قوة صناعية وتقنية تضغط على العالم بأكمله، بما في ذلك تويوتا نفسها. الشركات الصينية أصبحت أسرع في تطوير السيارات، وأكثر جرأة في التقنيات، وأقل تكلفة في الإنتاج، والأهم أنها قادرة على تقديم سيارات كهربائية متطورة بأسعار يصعب على المنافسين التقليديين مجاراتها.
ولهذا بدأت تويوتا تغيّر طريقتها حتى داخل السوق الصيني نفسه، مع اعتماد استراتيجية “Local for Local”، أي تطوير سيارات مخصصة للصين باستخدام موردين وتقنيات وشركاء محليين، كما حدث مع سيارة bZ3 المطورة بالتعاون مع BYD.
وهذا تطور مهم جداً، لأن تويوتا كانت تاريخياً من أكثر الشركات تمسكاً بطريقتها اليابانية الخاصة، لكن قوة المنافسة الصينية الحالية تبدو كبيرة لدرجة أجبرت حتى تويوتا على إعادة التفكير في طريقة التطوير نفسها.
اقرأ أيضاً: “تقارير المربع” شركات التأجير في السعودية تواجه أزمة غير مسبوقة .. السيارات الصينية تقلب المعادلة
حتى الآن، لا تزال أرقام تويوتا الكهربائية صغيرة مقارنة بتيسلا أو بي واي دي أو حتى فولكس واجن، كما تبقى سيارات الهايبرد العمود الفقري الحقيقي للشركة، لكن المؤشرات الحالية توضح أن تويوتا بدأت تدخل مرحلة جديدة مختلفة تماماً.
الشركة تستعد من العام القادم لإطلاق جيل جديد من السيارات الكهربائية مبني على منصات مصممة بالكامل للبطاريات، بعد سنوات من الاعتماد على هياكل معدلة جزئياً من سيارات الاحتراق الداخلي، وهي خطوة مهمة لأن كثيراً من سيارات تويوتا الكهربائية الحالية لا تزال تحمل بعض التنازلات الهندسية الناتجة عن كونها ليست كهربائية بالكامل منذ البداية.
بمعنى آخر، تويوتا حتى الآن كانت تختبر السوق وتراقب الاتجاهات، أما المرحلة القادمة فقد تكون أول دخول كهربائي حقيقي بالشروط التي تريدها الشركة نفسها.
ربما هذا هو السؤال الأهم حالياً، فالشركات التي اندفعت مبكراً تواجه اليوم خسائر ضخمة وضغطاً متزايداً على الأرباح، بينما تدخل تويوتا المرحلة الكهربائية وهي أكثر حذراً، وأكثر خبرة في تقنيات الهايبرد، وأقل تعرضاً للمخاطر المالية مقارنة بكثير من منافسيها.
وفي الوقت نفسه، تبدو مستفيدة من حقيقة أن السوق نفسه بدأ يتحرك نحو الواقعية، بعيداً عن الحماس المبالغ فيه الذي سيطر على السنوات الماضية.
لكن رغم ذلك، لا تزال المعركة الحقيقية أمامها، لأن العالم لم يعد يخاف فقط من تيسلا أو فولكس واجن، بل من الصين نفسها، التي تتحول بسرعة إلى مركز القوة الجديد في صناعة السيارات العالمية.
Loading ads...
وربما لهذا السبب تحديداً، بدأت حتى تويوتا تضغط على دواسة الكهرباء أخيراً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





