2 أيام
قِيان بغداد… تقاطعات الجندر والفنّ والسلطة في الإسلام الوسيط - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

لم يكن المستعبَدون في المجتمعات المسلمة فئةً متجانسةً، بل شملت أوضاعهم ومهمّاتهم "مُلك اليمين"، والخصيان، والخدم المنزليين، وعمّال السُّخرة، وجنود المشاة، وأحياناً أفراداً موثوقاً بهم داخل الأسرة. وكما أشارت الباحثة الأمريكية شون مارمون في "العبودية في الشرق الأوسط الإسلامي"، فإنّه "لا يمكن أن يكون هناك نموذجٌ واحدٌ لدراسة العبودية في المجتمعات المسلمة"، ويصحّ هذا على نحوٍ خاصٍّ عند تقاطع العبودية والجندر.
وفي هذا الإطار، تبرز في المصادر التاريخية والأدبية العبّاسية فئةٌ من الإماء المغنّيات، عُرِفن بـ"القِيان"، اشتُهِرن بجمالهنّ وفتنتهنّ، فضلاً عن مواهبهنّ الموسيقية والأدبية الفذّة. وقد أفردتهنّ الباحثة الأمريكية كريستينا ريتشاردسون بدراسةٍ نُشِرت سنة 2009 بعنوان "Singing Slave Girls of the Abbasid Court"، تتبّعت فيها أخبارهنّ وصورتهنّ في المصادر العربية.
وحظيت القِيان بحضورٍ لافتٍ في بغداد، عاصمة الخلافة وحاضرتها الأدبية والموسيقية، حيث كُنّ موضع ثناءٍ لموهبتهنّ في الأدب والموسيقى، وموضع ازدراءٍ في الوقت نفسه، إذ عُدِدن نساءً بلا مبادئ. وبين الإعجاب والارتياب، احتللن موقعاً وسيطاً بين عالم النساء "المصون" في مختلف الطبقات الاجتماعية والمجالات العلمية والدينية وعالم الرجال الظاهر الجليّ في كل حالاته، فلم ينتمين تماماً إلى أيٍّ منهما.
تُعَدّ المقاربات الجندرية للعبودية مكوِّناً أساسياً في دراسات العبودية عموماً، وتكتسب أهمّيةً خاصّةً في تاريخ المجتمعات المسلمة شديدة الوعي بالجندر والمتمسّكة بقواعد دقيقةٍ تحكم سلوك الرجال والنساء والعلاقات بينهم.
اتّخذت علاقة المستعبَدة بـ"سيّدها" أشكالاً متعدّدةً؛ فقد تكون خادمته، أو مُلك يمينه، أو أمّ طفله، أو تجمع بين هذه الأدوار جميعاً. وكان للسيّد أن يقيم علاقةً جنسيةً مع أَمَته، وفق الشريعة الإسلامية. وإذا كانت العلاقات الجنسية بين السادة ومستعبَديهم من الذكور والإناث معروفةً، فإنّ احتمالية حمل الإماء أضافت بُعداً جديداً إلى ديناميكية القوّة التقليدية المُتصوَّرة بين السيّد والمستعبَد. فالأَمَة التي تنجب طفلاً من سيّدها المسلم تكتسب وضعاً قانونياً جديداً يُعرَف بـ"أمّ الولد"، فلا يجوز بيعها، وتُعتَق بوفاة سيّدها، ويُولَد طفلها حرّاً. وإلى جانب هذه الضمانات القانونية، كان الإنجاب يعزّز أحياناً الروابط العاطفية بين الأَمَة وسيّدها، بما قد يُفضي إلى عتقها في حياته.
وكانت هذه النتائج تصبّ في مصلحة الأمّ وطفلها، ولكنّها تُحمِّل السيّدَ أعباءً قانونيةً واقتصاديةً جديدةً. ففقدان حقّ بيع "أمّ الولد" كان يُلزِمه بالإنفاق عليها مدى حياتها، حتّى لو أقعدها المرض أو الشيخوخة، إضافةً إلى إعالة طفلٍ جديدٍ. لذلك تحسّب كثيرٌ من مالكي الإماء لحملهنّ، وهو ما تعكسه المُدوَّنة الحديثية التي تروي سؤالَ بعض الرجال النبيَّ محمّداً عن وسائل تجنُّب حمل الإماء.
عادةً ما كانت القِيان يُشتَرين في سنّ الطفولة، حيث يتلقّين تدريباً صارماً ومكلفاً في الشعر والموسيقى واللغة العربية، استعداداً لاحتراف الأداء والتأليف الغنائي. وكان إتقان العربية جزءاً أساسياً من نجاح القَينة المهني، إذ لم تكن اللغةَ الأمَّ لكثيرٍ من هؤلاء الفتيات اللواتي استُقدِمن من الحجاز وإثيوبيا والهند وفارس وبيزنطة.
وتورد المصادر أمثلةً على قِيانٍ تلقّين تعليماً استثنائياً. ففي "ألف ليلة وليلة" تُوصَف تودُّد، قَينة الخليفة هارون الرشيد، بأنّها درست النحو والشعر والفقه والفلسفة والقرآن والرياضيات والطبّ والمنطق والبلاغة والتأليف. وليس من قَبيل المصادفة أن يكون الرشيد مالكَها، إذ إنّ تثقيفاً بهذا المستوى كان يفوق إمكانات معظم "المقيِّنين".
وعُدَّت القِيان من نخبة الإماء، لأنّهن لم يُكرَّسن للسُّخرة أو للعبودية الجنسية وحدهما. وتتجلّى مكانتهنّ وإقبال الناس عليهنّ في أثمانهنّ المرتفعة بالمقارنة بالإماء غير المُدرَّبات، وهو ما يعكس القيمة الكبيرة التي أولتها الأوساط الثرية لمواهبهنّ. ولكنّ بعض معاصريهنّ رأى أنّ ارتفاع أثمانهنّ لم يكن مردّه الفنّ وحده؛ فقد كتب الجاحظ في "الرسائل": "والحَسَب والنَّسَب الذي بلغ به القِيانُ الأثمانَ الرغيبةَ إنّما هو الهوى... فأكثر مَن بالغَ في ثمن جاريةٍ فبالعشق".
غير أنّ "العشق" الذي يتحدّث عنه الجاحظ كان عصيّاً على الوصف، ويقدّم الشاعر ابن الرومي (ت. 238 ه) مثالاً على ذلك في قصيدته "وحيد المغنّية"، إذ يعجز عن تعيين مصدر فتنة القَينة التي "تيّمته"، مكتفياً بالقول: "يسهُلُ القولُ إنّها أحسنُ الأشياءِ / طُرّاً، ويعسُرُ التحديدُ". ففي نظره، لم تكن فتنتها وليدةَ جمالها وحده، بل ثمرةَ امتزاجه بثقافتها وفنّها.
كانت القِيان يؤدّين في بيوت الأثرياء وبَلاطات الخلفاء في بغداد وسامرّاء. ولم يَكُنّ الوحيدات اللواتي قدّمن عروضاً في البَلاط؛ فقد شاركهنّ الموسيقيون الأحرار من الرجال والنساء، إلى جانب المغنّين المستعبَدين من الرجال، في الترفيه عن الخلفاء. وتنوّعت أشكال هذه العروض، فكانت القَينة تغنّي وتعزف منفردةً، أو تشارك في حفلاتٍ تجمع بين الغناء والعزف والرقص، أو تتنافس مع كبار المغنّين في مجالس الطرب.
وكانت عَريب (ت. 277هـ) أشهر قِيان البَلاط العبّاسي، وعُرِفت بجمالها ورباطة جأشها وبراعتها في العزف على العود، فضلاً عن موهبتها في الشعر والغناء. وعاشت حتّى بلغت السادسة والتسعين، وعملت في بَلاطات خمسةٍ من الخلفاء. وبدأت مسيرتَها الفنّيةَ في عهد الخليفة الأمين، وإذا صحّت الإشارة الوحيدة الواردة في كتاب الشابُشتي "الديارات"، فقد ظهرت في بداياتها بوصفها "غُلاميةً"، أي مؤدّية تتّخذ هيئة الصِبْية.
وتكشف ظاهرة الغُلاميات جانباً من هويّة القِيان المركَّبة. ففي أثناء الأداء، كان يُنظَر إليهنّ بوصفهنّ صِبْيةً مرغوباً فيهم جنسياً، بينما كُنّ يُعرَّفن بخلاف ذلك بوصفهنّ نساءً.
وكان مرتدو ملابس الجنس الآخر (cross-dressers)، رجالاً ونساءً، من مظاهر الترفيه المألوفة في البَلاط، كما كانوا يُحيون الحفلات في البيوت الخاصّة. وعلى خلاف الغُلاميات، كان المخنَّثون في الغالب أحراراً، يؤدّون طواعيةً إلى جانبهنّ بوصفهم مغنّين وموسيقيين وراقصين وظرفاء. وشمل تعبيرهم الجندري حلق اللحى، والتزيّن بزينة النساء، والعزف على آلاتٍ ارتبطت تقليدياً بهنّ، وارتداء ملابسهنّ.
وتُظهِر الغُلاميات والمخنَّثون أنّ فضاء الترفيه في البَلاط أتاح أشكالاً من الأداء الجندري لم يكن يُتسامَح معها خارجه. غير أنّ هذا القبول ظلّ مشروطاً بانتماء هؤلاء المؤدّين إلى فئاتٍ اجتماعيةٍ أدنى، كالمستعبَدين وذوي الهويّات الجندرية غير المعيارية. لذلك ارتبط عالم محترفي الترفيه في المخيال الاجتماعي بالعار والمُجون، على الرغم من المنزلة المتميّزة التي حظي بها بعضهم داخل البَلاط.
كانت القِيان اللواتي امتلكهنّ الأعيان، على خلاف قِيان البَلاط، يُؤجَّرن فنّاناتٍ، وأحياناً عاملات جنسٍ. وعلى الرغم من النهي القرآني عن إكراه الإماء على البِغاء: "وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا"، فإنّ الاستغلال الجنسي للقِيان كان شائعاً بما يكفي لأن يقترن ذكرهنّ في الأدب العبّاسي بتعدّد الشركاء الجنسيين والانحلال.
فقد كتب الشاعر العبّاس بن الأحنف (ت. 192 هـ) قصيدةً من سبعةٍ وأربعين بيتاً تصف حفلاً جنسياً جماعياً مع قِيانٍ. كما أورد الأديب ابن قُتيبة (ت. 276 ه) في "عيون الأخبار" البيت القائل: "لولا مكانِ السَّذابِ [وهو عشبةٌ كانت تُستخدَم وسيلةً لمنع الحمل] لغيّبَ الأرضَ نسلُ المغنّياتِ القحابِ".
وحتّى حضور مجالس القِيان لم يكن، في نظر كثيرين، مدفوعاً بتقدير الغناء بقدْر ما كان مدفوعاً بالاستثارة الجنسية. ويعبّر الجاحظ عن ذلك بقوله: "وإنّ في الجمع بين الرجال والقِيان ما دعا إلى الفسق والارتباط والعشق... وإنّ أكثر مَن يحضُر إنّما يحضُر لذلك لا لسماعٍ ولا لابتياعٍ".
ومع ذلك، لم يكن الربط بين القِيان والانحلال محلّ إجماعٍ. فقد كان لقِيان البَلاط شأنٌ أعلى من نظيراتهنّ اللواتي كُنّ يؤدّين أمام العامّة، في انعكاسٍ لمعيارٍ أخلاقيٍّ مُزدوَجٍ. وقد رفض الجاحظ هذا التمييز، ورأى أنّ القَينة تُقبَل أو تُدان بوصفها قَينةً، لا تبعاً لمكان أدائها أو رُعاتها: "وإذا كُنَ في منزل رجلٍ من السُّوقة عذرتَهنّ، وإذا انتقلن إلى منازل الملوك زال العُذْر. والسبب فيه واحدٌ، والعلّة سواءٌ".
ولم يقتصر هذا التمييز على الأحكام الأخلاقية، بل تجلّى أيضاً في مظهر القِيان. فعلى خلاف الحرائر في البَلاط، كُنّ يؤدّين سافراتٍ حتّى أمام جمهورٍ من الرجال، بما يعكس وضعهنّ بوصفهنّ إماءً والدور الترفيهي الذي اضطلعن به وما اقترن به من إيحاءاتٍ جنسيةٍ.وتتّضح دلالة ذلك في ضوء المكانة التي احتلّها الحجاب في التصوّرات الإسلامية عن المرأة؛ فقد ارتبط تدريجاً بالتقوى والطبقة الاجتماعية، وعُدَّ وسيلةً لدرء "الفتنة". وفي مقابل ذلك، رأى فقهاء العصور الوسطى أنّ الإماءَ غيرُ مُلزَماتٍ بتغطية شعورهنّ أو وجوههنّ أو أذرعهنّ، بالاستناد إلى طبيعة عملهنّ والعرف السائد، وفق ما يقول الباحث الكويتي-الأمريكي خالد أبو الفضل في "الكلام باسم الله: الشريعة الإسلامية، المرجعية، النساء".
وعليه، غدا سفورُ القِيان أبرزَ مظاهر مغايرتهنّ الاجتماعية، إذ جمع في نظر معاصريهنّ بين دلالات العبودية، وضعف التقوى، وإثارة الفتنة. ولم يكن هذا سوى أحد تجلّيات وجودهنّ الحدّي؛ فقد اختلطن بحرّيةٍ نسبيةٍ بالرجال والنساء، والأحرار والمستعبَدين، والأعيان والعامّة، وتأرجحن بين عوالم اجتماعيةٍ متنافسةٍ.
كانت القَينة خاضعةً في آنٍ واحدٍ لرغبات جمهورها وسيّدها، ولكنّها كانت قادرةً على الاحتفاظ بمسافةٍ ما عن توقّعاتهم بوصفهم رُوّاداً ومالكين. وكان نفوذها على الرجل، وما أتاحه لها من هامشٍ في حياتها الخاصّة، ينبع من علاقتها به عبر مجالَين أساسيَّين: الفنّ والجنس. لذلك كان عليها أن تستميله ببراعتها الفنّية، أو بجسدها، أو بكلَيهما. وكانت جاذبيتها الجنسية جزءاً لا ينفصل عن وضعها بوصفها أَمَةً؛ فقد أُنِيط بها غالباً الترفيه عن سيّدها وإتاحة جسدها لرغباته.
غير أنّ هويّتها لم تُختزَل في علاقتها بسيّدها. فقد أتاح لها تعليمها وثقافتها وانخراطها في الحياة الأدبية والفنّية قدْراً من الاستقلال الرمزي لم يكن مُتاحاً لكثيرٍ من المستعبَدين. ولم يكن عالمها مغلَقاً أو معزولاً، بل كانت تتحرّك داخل فضاءٍ ثقافيٍّ واسعٍ، وتملك من خلال فنّها منبراً للتعبير عن ذاتها. ومع ذلك، لا ينبغي أن تحجب هذه المساحة من الفاعلية حقيقةَ أنّ السيّد ظلّ يستمدّ متعةً جنسيةً وفنّيةً من جسدها ومواهبها.
وبالطبع، لم تكن جميع القِيان قادراتٍ على الحفاظ على إحساسٍ باستقلال ذواتهنّ. فيروي أبو الفَرَج الأصفهاني في "الأغاني" أنّ الرشيد استدعى، بعد قتله البرامكة، قَينتَهم دنانير -وكان شديد الإعجاب بها- وأمرها بالغناء، ولكنّها أجابته: "يا أمير المؤمنين، إنّي آليتُ ألّا أغنّي بعد سيّدي أبداً"، فأمر بصفعها. وليست الرواياتُ التي تُظهِر إخلاصَ القَينة لسيّدها نادرةً، ولكنّ المصادر تحفظ أيضاً صوراً مُعاكِسةً يصبح فيها السادة عبيد جَمال قِيانهم وفنّهنّ، كما في قصيدة ابن الرومي المذكورة آنفاً في القَينة وحيد، التي يقول مطلعها: "يا خليلَيَّ تيّمتني وحيدُ".
وهكذا، أتاح موقع القِيان، بوصفهنّ نساءً مستعبَداتٍ يتمتّعن بامتيازاتٍ، استخدامَ جنسانيتهنّ وقربهنّ من أسيادهنّ للتفاوض على شيءٍ من الاستقلال في حيواتهنّ الخاصّة، من دون أن يحرّرهن ذلك من بنية العبودية التي ظلّت تحكم مصائرهنّ.
لم تكن أوجه الالتباس الاجتماعي والأخلاقي والجندري التي أحاطت بالقِيان مستعصيةً تماماً، وكانت الأمومة إحدى السُبُل التي أتاحت لبعضهنّ تجاوز هذا الواقع المُلتبِس. ففي حالة قِيان البَلاط، لم تقتصر مزايا "أمّهات الأولاد" على الحماية القانونية لهنّ ولأطفالهنّ، بل امتدّت، في بعض الحالات، إلى قلب السلطة نفسها؛ إذ قد تنجب أَمَةٌ ابناً يصبح خليفةً. وكان عددٌ من الخلفاء العبّاسيين أبناءَ إماءٍ بالفعل؛ فوالدة المأمون كانت مَراجِل، ووالدة المعتصم كانت ماردة. وتزوّج المعتصم نفسه بأَمَتَيْن أصبحتا من أمّهات الخلفاء؛ فقد أنجبت قراطيس الواثق، وأنجبت شَجاع المتوكّل.
وقد أشار المؤرّخ العراقي عبد الكريم العلّاف في "قِيان بغداد في العصر العبّاسي والعثماني والأخير" إلى أنّ الإماء العبّاسيات الوحيدات اللواتي حفظ التاريخ أسماءَهنّ كُنّ "أمّهات الأولاد" وأشهر القِيان، أمّا الأخريات فطواهنّ النسيان في الغالب. ومن الأدلّة النادرة على ذلك شاهد قبر أمّ محمّد، وهي "أمّ ولد" من بيت الخليفة المأمون. ويكشف نقش شاهد قبرها أنّها خلّفت ما لا يقلّ عن عشرين من الأبناء والأحفاد. وبينما لا يخبرنا النقش بكثيرٍ عن علاقتها بالأسرة العبّاسية، فإنّ مجرّد بقاء شاهد قبرٍ يحمل كلماتٍ دافئةً لامرأةٍ مستعبَدةٍ يدلّ على حظوتها داخلها.
ولا شكّ في أنّ الإماء الأخريات أدركن منافع إنجاب طفلٍ للخليفة، ولا سيّما إذا كان ابناً، ولا بدّ من أنّ المنافسة على اهتمام الخليفة كانت شديدةً. وقد لخّص الجاحظ ذلك بمرارةٍ حين وصف القَينة بأنّها "مكتسبةٌ ومجبولةٌ على نصب الحبالة والشَّرك للمتربّط... تُقسِم له أنّها لا تريد سواه، ولا تُؤْثِر أحداً على هواه، ولا تريده لماله بل لنفسه". ولم يكن إنجاب طفلٍ من الخليفة يمنح الأَمَة مزايا قانونيةً وسياسيةً فحسب، بل كان يتيح لها أيضاً تأسيس أسرةٍ خاصّةٍ بها، ويوفّر لها أماناً وتقديراً اجتماعياً أكبر.
Loading ads...
وكانت عَريب نفسُها مُلكَ يمين ثمانيةٍ من الخلفاء، وارتبطت بعددٍ من كبار رجال البَلاط، ولكنّها لم تُنجِب لأيٍّ منهم، ولم تُرزَق بابنةٍ إلّا من زواجها القصير بضابطٍ خراسانيٍّ. ولعلّ شهرتها ومكانتها الفنّية كانتا كافيتَين لمنحها اعتباراً لدى الخلفاء، بحيث لم تحتج إلى الأمومة بوصفها الطريق الوحيد إلى قدرٍ أكبر من الاستقلال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





