شهر واحد
من الحكمة الشعبية إلى المنطق العملي.. كيف يفكّر السوري في شؤونه اليومية؟
الأربعاء، 25 فبراير 2026
لا يتكون التفكير اليومي في المجتمع السوري داخل منظومات نظرية مصاغة، إنما يتشكّل عبر ممارسة متكررة للحياة ضمن شروط اجتماعية واقتصادية محددة. هذا التفكير يعتمد على أدوات تداولية مثل الخبرة المتوارثة والحدس والمثل وسجل التجارب السابقة، حيث تعمل هذه الأدوات كآليات تنظيم للفعل، وتضبط إيقاع القرار في القضايا الصغيرة والكبيرة.
في البيت، في السوق، في الحي، يتشكل الحكم على الوقائع عبر مقارنات سريعة مع حالات سابقة، فالتجربة الشخصية أو تجربة قريب قد تصبح مرجعًا حاضراً في النقاش.
وتندرج الأمثال الشعبية ضمن ما تُسميه دراسات المعرفة الشعبية منظومات الإدراك غير الرسمية التي تنتجها المجتمعات خارج المؤسسات الأكاديمية. هذه المنظومات تشتغل كأدوات تصنيف وتقييم، وتختزن خبرات جماعية قابلة للاستدعاء عند الحاجة. وفي المجتمع السوري، المثل يؤدي وظيفة بلاغية، ويعمل كمرجعية معيارية تحسم اتجاه القرار.
الأمثال والحدس بنية معرفة وضبط اجتماعي
يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء تصور ميشيل فوكو حول الخطاب والمعرفة المتداولة، حيث تتشكل المعرفة عبر أنماط قول تنتشر داخل المجتمع وتضبط ما يُعد مقبولاً أو معقولاً. المثل الشعبي ينتمي إلى هذا الحقل، فهو يحدد سقف التصرف، ويمنح شرعية اجتماعية لمسار معين، ويعيد إنتاج منظومة القيم السائدة.
يتعزز هذا التحليل باستحضار مفهوم الذاكرة الجمعية عند موريس هالبفاكس، الذي بيّن أن الجماعات تحتفظ بصور منظمة عن ماضيها توجه سلوكها في الحاضر. فالأمثال تمثل إحدى قنوات تخزين هذه الذاكرة، حيث تختصر تجارب سابقة في صيغ لغوية موجزة تنتقل عبر الأجيال.
المثل الشعبي يؤدي وظيفة تنظيمية مباشرة، حيث يُستخدم لتحديد حدود المطالبة، لضبط حجم المجازفة، أو لتوجيه النقاش نحو مسار عملي. حضوره في الحوار اليومي يمنح القرار إطاراً مفهوماً ومقبولاً اجتماعياً.
كذلك فإن الأمثال تختزن خبرة تراكمية، فهي نتاج مواقف متكررة تم تلخيصها في صيغة مختصرة. فعند اتخاذ قرار مالي أو عائلي، يُستدعى المثل ليحسم اتجاه التفكير.
كما أن الحدس في الحياة اليومية السورية يرتبط بقدرة على التقاط الإشارات الدقيقة، فأي تغير في سلوك شخص، أو تبدّل في لهجة خطاب، كلها تدخل في عملية تقدير سريعة، حيث تُبنى هذه القدرة عبر احتكاك طويل بالتجارب، وتُختبر باستمرار.
لذا فإن القرار يُتخذ على أساس مؤشرات جزئية، تُربط بسياق أوسع عبر الذاكرة والخبرة. هذا النمط من التفكير يسمح بالحركة في بيئة تتغير بسرعة.
في الأدبيات الحديثة حول اتخاذ القرار، يبرز توجه واضح نحو إعادة النظر في النماذج التقليدية التي تفترض فاعلاً عقلانياً يعمل في فراغ نظري. حيث تقدم دراسة بعنوان الاختيار العقلاني في السياق، نُشرت أواخر عام 2022 في دورية الاتجاهات الراهنة في علم النفس؛ بإشراف كريغ ماكنزي، تقدّم مراجعة مركّزة لأبحاث تُظهر أن الحكم البشري يتشكّل داخل شروط محددة، وأن القرار يتبدل تبعاً لطبيعة البيئة والمعلومات المتاحة وكيفية عرضها.
الدراسة تؤكد أن تقييم الأفراد للخيارات يتأثر بالسياق الذي تُطرح فيه، وبطريقة ترتيب البدائل، وبالإشارات المحيطة بالفعل نفسه. ما يبدو خياراً “أفضل” في وضع معيّن قد يُعاد تقييمه في وضع آخر، من دون أن يعني ذلك اضطراباً في التفكير، بل استجابة لمنظومة شروط مختلفة.
التجربة المتوارثة وإدارة القرار
التجربة العائلية تشكل مرجعاً ثابتاً في كثير من القضايا. عند التفكير في شراكة، زواج، استثمار، أو انتقال سكن، يُستدعى تاريخ العائلة أو تجربة معارف موثوقين، فالنقاش يتضمن مراجعة حالات مشابهة، وتقدير نتائجها.
هذا الأسلوب يخلق استمرارية في طريقة الحكم، حيث يُبنى القرار على سلسلة من السوابق، ويُختبر عبر الزمن، فالمعرفة هنا متداولة داخل الدائرة الاجتماعية.
أما النزاعات اليومية تُدار غالباً عبر قنوات اجتماعية قبل اللجوء إلى مسارات رسمية، فالشخصيات ذات الثقل داخل العائلة السورية أو الحي تلعب دوراً في إعادة ضبط الخلاف، ليركز النقاش على الوقائع وعلى أثر النزاع في العلاقة المستقبلية.
التسوية هنا تسعى إلى توزيع الخسارة بشكل مقبول، وإعادة ترتيب الحدود بين الأطراف. استمرارية العلاقة عنصر حاضر في كل خطوة، وهذا المنطق يحكم كثيراً من الخلافات التجارية والعائلية.
وفي سياق تحليل أنماط التفكير اليومي في المجتمع السوري، يقدّم السوسيولوجي نادر كاظم خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، قراءة تستند إلى مقاربته للعلاقة بين الثقافة والذاكرة والبنية الاجتماعية، حيث ينظر إلى ما يُسمّى بالحكمة الشعبية كجهاز معرفي متكامل تشكّل عبر التاريخ الاجتماعي الطويل.
ويرى كاظم أن المجتمعات التي عاشت تحولات سياسية ممتدة، وتقلبات اقتصادية حادة، تميل إلى تطوير أنظمة تقييم داخلية تُعيد تنظيم العلاقة بين الفرد والمخاطرة. ويضيف أن هذه الأنظمة تتكوّن عبر التراكم، وتُختبر في الممارسة، وتُعاد صياغتها في اللغة اليومية. الأمثال، وفق هذا المنظور، تعمل كمفاتيح إدراكية تختزن خبرة جماعية، وتُستخدم في لحظة القرار كآلية اختزال معرفي تضمن استدعاء الماضي داخل الحاضر.
ويشير إلى أن المنطق العملي الذي يحكم القرار اليومي في مجتمعات مثل سوريا يرتبط ببنية ذاكرة جمعية مشبعة بالتجربة السياسية. معتبراً أن التجربة الطويلة مع السلطة، وتقلبات السوق، واحتكاك الأفراد بإدارة معقدة، تُنتج حساسية إدراكية عالية تجاه التفاصيل الصغيرة. هذا الحس يُعاد إنتاجه داخل الأسرة، وفي الحي، وفي السوق، من خلال سرديات متكررة عن الخسارة والنجاة والتكيف.
في هذا الإطار، ينظر كاظم مع الشبكات الاجتماعية بوصفها رأسمالاً فعلياً يتجاوز بعدها العاطفي. السمعة، العلاقات القرابية، وسجل التعاملات السابقة تتحول إلى أدوات تقييم وضبط. فالفرد يتحرك داخل شبكة تحفظ ذاكرة أفعاله، وتعيد ترتيب موقعه وفق سلوكه.
ويضيف أن العلاقة مع الدولة، في سياقات إدارية ضاغطة، تُنتج بدورها معرفة إجرائية غير مكتوبة. حيث يطوّر المواطن فهماً عملياً لآليات المعاملة، وحدود الخطاب، وتوقيت الحركة. ويتابع "هذه المعرفة تتناقل اجتماعياً وتتحول إلى جزء من الوعي اليومي العام. التعقيد الإداري يدخل في تكوين نمط تفكير يتسم بالحذر والتنظيم والدقة في قراءة الإشارات".
تقييم المخاطر في الحياة اليومية
تقدير المخاطر جزء ثابت من التفكير اليومي، فالقرار المالي يرتبط بالقدرة على التحمل، فالالتزام يُحسب بدقة، والتوسع يتم تدريجياً. حتى القرارات الشخصية الكبرى تمرّ عبر ميزان يربط الإمكانية بالقدرة الفعلية.
لذا فإن الذاكرة السابقة للأزمات أو التعثر تدخل في الحساب. هذا الحضور يضبط حجم المجازفة، ويمنح القرار طابعاً محسوباً.
كذلك تعمل العلاقات الاجتماعية كمساحة دعم ومصدر معلومات. حيث أن السمعة تؤثر في فرص الشراكة والعمل، كما أن سجل التعامل السابق يحدد مستوى الثقة.
أعمال آصف بيات حول "الحياة اليومية" و"اللامتحركات" توضّح كيف تتكوّن أنماط فعل مستمرة خارج الأطر الرسمية، عبر ممارسات صغيرة ومتكررة تعيد تنظيم العلاقة بين الفرد والمجال العام. بيات يرى أن الناس يطوّرون استراتيجيات يومية للتكيف مع القيود السياسية والاقتصادية، دون حاجة إلى خطاب أيديولوجي مباشر.
هذا الطرح يسمح بقراءة المنطق العملي في سوريا بوصفه منظومة تكيف طويلة الأمد، حيث تتحول الممارسة اليومية إلى وسيلة إعادة تموضع داخل بنية ضاغطة.
في علم النفس المعرفي، أظهرت أبحاث دانيال كانيمان أن التفكير البشري يعمل عبر نظام حدسي سريع ونظام تحليلي أبطأ. في البيئات التي تتسم بتقلبات متكررة، يتعزز دور النظام الحدسي كأداة تقدير أولي. هذا لا يعني غياب الحساب، إنما يعكس تكيفاً مع سرعة التحولات.
يتقاطع ذلك مع تصور أولريش بيك حول "مجتمع المخاطر"، حيث تصبح إدارة الخطر جزءاً مركزياً من الحياة اليومية. ففي سياقات هشّة مؤسساتياً، تتكوّن حساسية إدراكية عالية تجاه التفاصيل الصغيرة، ويُعاد تقييم الخيارات وفق مؤشرات جزئية تُقرأ داخل سياق أوسع.
Loading ads...
لذا فإن إدماج هذا البعد يسمح بتفسير الحدس الاجتماعي في سوريا كآلية تكيف تاريخي، نشأت في ظل ضغط ممتد، وأصبحت جزءاً من البنية الإدراكية اليومية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



