في سماء الاقتصاد العالمي، اعتادت الدول النامية أن تراقب مسار التقدم الصناعي كما تراقب أسراب الطيور المهاجرة. فكلما ارتفعت دولة إلى مستوى أعلى من التطور، تركت خلفها صناعات أبسط تنتقل تلقائيًا إلى دول أقل نموًا، فتتسع دائرة الازدهار وتُفتح أبواب جديدة أمام الصاعدين.
بيد أن الصين قررت أن تكسر هذه القاعدة. فبدلًا من التخلي عن الصناعات التقليدية مع صعودها التكنولوجي، اختارت الاحتفاظ بها وإعادة ابتكارها، لتجد دول كثيرة نفسها تتساءل: إذا كانت الصين تصنع كل شيء، فأين ستكون فرص الآخرين؟
صناعة النسيج اليابانية
"الإوز البري يطير في تشكيلات منظمة"، هكذا وصف الاقتصادي الياباني أكاماتسو كانامه في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي مسار تطور صناعة النسيج اليابانية.
منذ ذلك الحين، أصبحت حركة أسراب الإوز على شكل حرف "V" استعارة شهيرة لشرح كيفية انتقال الصناعات التحويلية في شرق آسيا. فمع ازدهار اليابان وارتفاع الأجور فيها، انتقلت الصناعات كثيفة العمالة إلى دول تابعة في السرب مثل كوريا الجنوبية وتايوان.
كان كثيرون يتوقعون أن تؤدي الصين الدور نفسه، وأن تمنح الدول الأفقر دفعة مماثلة. لكن هذه التوقعات باتت موضع شك متزايد. فعلى الرغم من ارتفاع الأجور الصينية وتقدمها التكنولوجي، ما زالت البلاد تحتفظ بحصة استثنائية تاريخيًا من الصناعات منخفضة القيمة، بحسب دراسة جديدة أعدها شوميترو تشاتيرجي من جامعة جونز هوبكنز وأرفيند سوبرامانيان من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي.
الصناعات عالية التقنية
وفي الوقت الذي تنشغل فيه دول صناعية متقدمة مثل ألمانيا بمنافسة الصين في الصناعات عالية التقنية، تتساءل الدول النامية عن موعد انسحاب بكين من القطاعات الصناعية البسيطة التي كانت تأمل أن تصبح بوابتها نحو التنمية.
وتُصنف السلع المصنعة عادة إلى أربع فئات رئيسية: صناعات منخفضة التقنية، ومتوسطة التقنية، وعالية التقنية، إضافة إلى الصناعات القائمة على الموارد الطبيعية مثل المنتجات النفطية المكررة.
لكن بين عامي 2010 و2024 ارتفعت حصة الصين من الصادرات العالمية في جميع هذه الفئات دون استثناء، وفق دراسة أعدها يو فاي وغوو كاي من معهد CF40 الصيني للأبحاث.
ويرى الباحثان أن التصنيع الصيني بات ينافس جميع الدول تقريبًا في آن واحد.
وفي بعض القطاعات، تبدو الهيمنة الصينية أكبر مما تكشفه أرقام الصادرات المباشرة. فالصين لا تكتفي بتصدير المنتجات النهائية، بل تنتج أيضًا المكونات الأساسية ذات القيمة المضافة العالية التي تدخل في تصنيع السلع كثيفة العمالة في دول أخرى.
وتشير البيانات إلى أن الصين توفر نحو 64% من القيمة المضافة المضمنة في صادرات الملابس والمنسوجات والمنتجات الجلدية والسلع المشابهة التي تصدرها 30 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل تتوافر عنها بيانات مناسبة.
وتتجاوز هذه النسبة بكثير حصة الصين من السكان في سن العمل ضمن هذه المجموعة من الدول.
فلماذا لم تتبع الصين المسار التقليدي الذي سلكته الاقتصادات الآسيوية السابقة؟
أحد التفسيرات يعود إلى حجمها الهائل. ففي عام 2010 وصف الاقتصادي التنموي لانت بريتشيت الصين بأنها أضافت إلى سرب الإوز "زاحفًا مجنحًا عملاقًا" من حيث الثقل السكاني، في إشارة إلى ضخامتها الديموغرافية مقارنة ببقية الاقتصادات الصاعدة.
ويعود جزء آخر من الإجابة إلى الطبيعة غير المتجانسة للتنمية داخل الصين نفسها. فبينما أصبحت بعض مناطق البلاد غنية للغاية، ما زالت مناطق أخرى أقرب إلى مستويات الدخل في الدول النامية.
ويشير يو فاي وغوو كاي إلى أن أغنى أربع مدن صينية، التي يبلغ عدد سكانها مجتمعين 84 مليون نسمة، تتمتع بنصيب للفرد من الناتج المحلي الإجمالي يفوق نظيره في اليابان. وفي المقابل، تقترب مستويات الدخل في أفقر أربع مقاطعات صينية، التي يسكنها نحو 140 مليون نسمة، من مستويات الدخل في فيتنام.
ويُقدر الباحثون قوة الصين الاقتصادية والصناعية بأنها لا تمثل دولة واحدة، بل تعادل حجم عدة دول مجتمعة؛ فهي تضم داخل حدودها ما يوازي 70% من حجم الاقتصاد الياباني، بالإضافة إلى ستة أضعاف اقتصاد ماليزيا، وخمسة أضعاف اقتصاد المكسيك، وأربعة أضعاف اقتصاد تايلاند، ومرة ونصفاً تقريباً من حجم اقتصاد فيتنام. بناءً على هذا التنوع والضخامة، ليس غريباً أن تجد الصين تنافس جميع هذه الاقتصادات في آن واحد.
لكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد. فالعاملون في ماليزيا أو المكسيك أو تايلاند أو فيتنام لا يستطيعون الانتقال بسهولة بين هذه الدول بحثًا عن أجور أعلى. أما في الصين، فيمكن للعمال التنقل نسبيًا بحرية من المقاطعات الأقل دخلًا إلى المناطق الأكثر ازدهارًا.
ومن المفترض أن يؤدي هذا الانتقال إلى رفع الأجور في الصناعات منخفضة القيمة داخل المناطق الفقيرة، ما يقلل قدرتها التنافسية ويدفع تلك الصناعات إلى الانتقال إلى دول أخرى. وقد بدا في السابق أن صناع القرار في بكين يتقبلون هذا المسار الطبيعي للتطور الاقتصادي.
غير أن المؤشرات الحالية توحي بعكس ذلك. ففي عام 2023 أكد الرئيس الصيني شي جين بنغ ضرورة مواصلة تحديث الصناعات التقليدية وتطويرها، محذرًا من التعامل معها باعتبارها "صناعات منخفضة المستوى" ينبغي التخلي عنها.
ولتعويض ارتفاع تكاليف الأجور، تتجه الصين بقوة نحو الأتمتة والروبوتات والتقنيات المتقدمة، بحيث تنتج السلع التقليدية نفسها ولكن بوسائل أكثر تطورًا وكفاءة.
قد تطير أسراب الإوز في تشكيلات منظمة كما تقول النظرية الاقتصادية القديمة، لكن المشهد يبدو مختلفًا عندما تدخل الطائرات المسيّرة إلى السماء. ففي عالم التصنيع الحديث، لا تبدو الصين مستعدة لمغادرة أي موقع في السرب، سواء في الصناعات البسيطة أو المتقدمة، وهو ما يفرض على بقية الدول البحث عن مسارات جديدة للنمو في ظل منافس يزداد قوة واتساعًا.
Loading ads...
المصدر: "ذي إيكونوميست"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

تفاصيل لائحة المنتجات الاستثمارية الوقفية
منذ 4 دقائق
0

الامتياز التجاري .. مصنع الأثرياء الصامت
منذ 33 دقائق
0

هل تركت قوة التصنيع الصينية مكانًا لأحد؟
منذ ساعة واحدة
0


