6 أشهر
من دعاية النظام إلى واقع ردع العدوان.. كيف سقطت سرديّة الأسد أمام حقيقة الأرض؟
السبت، 6 ديسمبر 2025
على مدى عقود، بنى النظام السوري المخلوع إمبراطورية من التضليل الإعلامي، مستخدماً آلة دعاية ضخمة ومحكمة لم يكن هدفها الوحيد إقناع الخارج، بل تخدير الداخل وتشكيل وعيه الجمعي، فقد عملت هذه الآلة لترسيخ سردية أحادية، أن النظام هو "حامي البلاد" من "الإرهاب" و"المؤامرة الكونية".
لكن الانهيار السريع الذي شهدته سوريا، وتحديداً بعد تحرير حلب، أثبت فرضية أن الحقيقة على الأرض كانت أقوى من أي دعاية إعلاميّة، إذ كان التناقض الصارخ بين الصورة التي رسمتها الدعاية والواقع الذي شهده المدنيون هو الشرخ الذي أدى إلى الانهيار الكامل.
تقول السيّدة منى، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ الخوف كان يتملّكهم منذ انتشار معلومات عن إطلاق هيئة تحرير الشام عمليّة عسكريّة على حلب، ولم تكن أمامنا سوى مشاهد القتل التي ستجري بحقّنا، على اعتبار نعيش في مناطق النظام "كنّا مرعوبين من الانتقامات"
وتضيف أنّ الصورة كانت مختلفة تماما بعد دخولهم إلى حلب، حتّى إنّنا كنّا نشعر بالمبالغة في السلوك من أجل طمأنتنا، وعلى ما يبدو أنّ التعليمات كانت مشدّدة لعدم ارتكاب التجاوزات، وما زلنا نذكر كيف أعادوا ترميم شجرة عيد الميلاد التي تم تخريبها.
كيف تم غرس الخوف؟
لم تكن دعاية النظام مجرد تضليل عشوائي، بل كانت عملية ممنهجة استندت إلى أطر نظرية راسخة في علوم الإعلام والاتصال، تهدف إلى السيطرة الشاملة على الوعي العام، لذلك استخدم النظام المخلوع خبراء الإعلام لرسم مسار وبناء استراتيجيّة لم يغيّرها منذ انطلاق الثورة السوريّة.
تقول عضو الهيئة التدريسيّّة في قسم الإذاعة والتلفزيون بكليّة الإعلام في جامعة دمشق، الدكتورة لين عيسى، لموقع تلفزيون سوريا، يرتكز تحليل الخطاب الإعلامي السلطوي للنظام المخلوع منذ انطلاق الثورة السوريّة على فهم آليات التوظيف اللغوي التي اعتمدها هذا الإعلام، إذ لم يتجاوز دور الصحفيين والإعلاميين كونه أداة ناقلة لخطاب مُؤَسَّس سلفاً، لا مُنتجاً للإعلام المستقل أو صانعاً للمعنى، قد تمحور هذا التوظيف حول استخدام لغات متعددة ومتقابلة لخدمة هدفين رئيسيين: تعبئة الجمهور خلف السلطة، وتجريم المعارضة وشرعنة النظام، وهي آليات تتسق مع مفاهيم نظرية الأجندة ونظرية الغرس الإعلاميتين.
وتشرح أنّه تتجلى أبرز هذه اللغات في لغة التجريم التي استُخدمت لتوصيف المعارضة بصفات سلبية قادحة، مثل "الإرهابيون"، و"العملاء"، و"الخيانة"، بهدف خلق حالة وجدانية من الرفض والعداء تجاه الخصوم، مما يسهل عملية عزلهم وتبرير استهدافهم. وفي المقابل، عملت لغة التقديس والشرعنة على تأطير السلطة والنظام في سياق وطني مقدس، من خلال ربط مصير الوطن بالقيادة، والحديث عن حماية القائد والنظام كحق وشرعية مرادفة لحماية الوطن ذاته. كما وظفت مفردات مثل "الصمود" و"الانتصار" لنسب الإنجازات للنظام، في تقابل حاد مع مفردات التجريم الموجهة للمعارضة.
وتضيف الدكتورة لين، أنّ لغة التعبئة والشحن العاطفي تعتمد على مفردات متناقضة لخلق حالة من التجييش العاطفي للرأي العام، إذ تُستخدم مفردات التجريم ضد المعارضة، وتُستخدم مفردات الصمود والانتصار لتعزيز موقف السلطة، بهدف نهائي هو حشد الجمهور خلفها. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت لغة الإنكار بوضوح، وتمثلت في عدم الاعتراف بالخسائر أو الهزائم، وتصوير أي تراجع على أنه "انتصار تكتيكي" أو جزء من "خطة"، مما يعكس محاولة مستمرة للحفاظ على صورة القوة والسيطرة المطلقة أمام الجمهور.
وترى أن الهدف الأسمى من هذا التوظيف اللغوي المكثف كان يتركز في تعبئة الجمهور، وتجريم المعارضة، وشرعنة السلطة، عبر منظومة خطابية متكاملة تضع الصحفي في خانة الناقل لا المنتج، وتؤكد على دور الإعلام في تشكيل الوعي العام وفقاً لأهداف السلطة..
التلاعب باللغة وتأطير الصراع
كانت الاستراتيجية الأكثر فتكاً في الدعاية هي شيطنة المعارضة عبر التلاعب باللغة وتأطير الصراع، لقد اعتمد النظام على نظرية التأطير لتصوير الثورة بالكامل على أنها "صراع ضد الإرهاب" و"تخريب"، بدلاً من تأطيرها كـ "حراك شعبي للمطالبة بالحرية والكرامة" وهذا التأطير كان حاسماً في تبرير العنف المفرط ضد المدنيين وإضفاء الشرعية على القمع الوحشي.
يقول المنشق عن الأمن السياسي، خليل الملا، لموقع تلفزيون سوريا، منذ اللحظات الأولى للاحتجاجات السلمية في مارس 2011، كان القرار الأمني والإعلامي هو التعامل مع الحراك على أنه "مؤامرة خارجية" حيث تم استبدال كلمات مثل "متظاهر" و"ثائر" بـ "عصابات مسلحة" و"إرهابيين" و"عملاء للخارج" وهذه المصطلحات كانت تفرض على الصحفيين في الإعلام الرسمي، بهدف إلى نزع الصفة الإنسانية عن المعارضين وتبرير قتلهم وتعذيبهم.
قناع يتهاوى
في الوقت الذي كانت فيه المدن تُقصف وتُحاصر، كانت شاشات الإعلام الرسمي تبث صوراً للحياة الطبيعية في دمشق واللاذقية، وتروج للسياحة والنشاطات الترفيهية، وكان الهدف هو إيهام الموالين والمجتمع الدولي بأن الصراع محصور في مناطق "الإرهابيين"، وأن الدولة تعمل بشكل طبيعي، لكن هذه السردية كانت تتهاوى أمام شهادات المدنيين الذين عاشوا تحت سيطرة النظام.
تقول السيدة فاطمة، من سكان دمشق، لموقع تلفزيون سوريا، كيف يمكن أن تكون الحياة طبيعية ونحن كنّا نعيش في خوف دائم من الحواجز الأمنية؟ كنا نرى على التلفزيون الرسمي برامج عن السياحة والاحتفالات، في حين كنا في الواقع نخشى أن يطرق الباب علينا في أي لحظة.
وتضيف "كانت واحة الأمان المزعومة مجرد قناع يخفي قبضة أمنية حديدية وفساداً مستشرياً. كنا نعيش في واقعين متوازيين، واقع التلفزيون وواقع الشارع"
من قلب الظلام
تهاوت الرواية الرسمية للنظام المخلوع عن "مكافحة الإرهاب" بشكل كامل أمام التقارير الحقوقية والشهادات الإنسانية الموثقة التي تكشف عن جرائم ممنهجة ضد المدنيين، فقد كشفت تقارير منظمات حقوق الإنسان عن عمليات قتل متعمد وتعذيب ممنهج داخل المعتقلات، وهي ممارسات تتناقض بشكل جذري مع أي ادعاء بمكافحة الإرهاب أو حماية المواطنين.
كانت شهادة مازن حمادة، الذي وجد مقتولا في أحد المشافي العسكريّة للنظام المخلوع بعد أن استدرجه ثمّ اعتقله، دليلاً صارخاً على ما يجري داخل المعتقلات، عندما قال "لم تكن التهمة سوى المشاركة في مظاهرة سلمية، في المعتقل، كان هناك القتل المتعمد والتعذيب الممنهج، لقد كانوا يمارسون الإرهاب الحقيقي، بينما يصفوننا نحن بالإرهابيين، كنت أرى بأم عيني كيف أن النظام الذي يدعي حماية البلاد هو من يقتل أبناءها، هذه الشهادات هي الدليل القاطع على أن النظام نفسه كان يمارس إرهاب الدولة ضد شعبه."
حتى في المناطق التي خضعت لـ "تسويات" أو "مصالحات"، لم تنجح دعاية النظام في إقناع السكان بأنهم أصبحوا آمنين. لقد أظهرت الشهادات أن هذه التسويات كانت مجرد فخ لاستعادة السيطرة الأمنية، فقد استمرت الاعتقالات والملاحقات الأمنية والإهانات.
يقول الناشط باسل عبد الغني، لموقع تلفزيون سوريا، إنّه أجرى تسوية في دير الزور في نهاية عام 2011 بعد أن دخل الجيش إليها للقضاء على المظاهرات، وبعد التسوية، وعدوهم بالأمان، لكن الواقع كان استمراراً للملاحقة الأمنية والإهانات.
ويضيف أنه لم يكن هناك أمان حقيقي، التسوية كانت مجرد ورقة لجمع المعلومات وتفكيك المقاومة "لقد شعرت أنني خُدعت، وأن النظام لا يفي بوعوده، مما دفعني للهروب مجدداً، هذا التناقض بين وعد النظام بالأمان وواقع الملاحقة هو ما كشف زيف الدعاية لمن كان يؤيّد النظام من أبناء الحي، وأثبت أن القبضة الأمنية لم تتغير".
الانهيار السريع لجدار الخوف
كان تحرير حلب في نوفمبر 2024 هو نقطة التحول الحاسمة التي كشفت هشاشة النظام وأدت إلى انهيار سرديته بالكامل، إذ مثلت حلب، ثاني أكبر المدن السورية، رمزاً للقوة التي لا تقهر في سردية النظام، لكن الانهيار السريع لقوات النظام آنذاك أمام تقدم المعارضة في أيام قليلة كشف عن حقيقة مغايرة تماماً، وهي أن النظام كان يعتمد على دعم خارجي هش، وأن قوته الداخلية كانت متآكلة.
هذا التطور البارز كان له تأثير نفسي هائل، حيث أظهر أن النظام ليس محصناً ضد السقوط، فقد أدى سقوط حلب إلى كسر حاجز الخوف، مما شجع الناس على التعبير عن آرائهم بحرية لأول مرة منذ عقود.
يقول محمود الأطرش، أحد سكّان حلب الجديدة، لموقع تلفزيون سوريا "عندما رأينا كيف انهار النظام بهذه السرعة، أدركنا أن كل ما قيل عن قوته كان كذباً" مضيفا أنّ الوقائع الميدانية أثبتت أن كل ما قيل عن "المؤامرة" كان مجرد غطاء لضعف النظام ووحشيته، وأصبحت الحقيقة الملموسة، وهي رؤية النظام ينهار، أقوى من أي بروباغندا إعلامية "لقد كنا نعرف الحقيقة دائماً، لكن الخوف كان يمنعنا من التعبير عنها، أمّا اليوم، سقط جدار الخوف".
في مواجهة التضليل
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة في سوريا أن الدعاية، مهما كانت ضخمة ومحكمة، لا يمكن أن تصمد أمام حقيقة الواقع الملموس وتجربة الناس المباشرة، لقد سقط النظام السوري ليس فقط بسبب الانهيار العسكري، بل بسبب الانهيار الأخلاقي والسردي الذي كشفته شهادات الناس وتقارير الانتهاكات.
Loading ads...
من العسكري الذي أجرى تسوية ولم يجد الأمان، إلى المدني الذي عاش في خوف تحت قناع "الحياة الطبيعية"، إلى الناجي من المعتقلات، هذه الشهادات هي الدليل القاطع على أن الواقع الملموس هو السلاح الأقوى في مواجهة التضليل، إن سقوط النظام هو انتصار للحقيقة على الكذب، وللوعي على البروباغندا، وبداية لمرحلة جديدة تتطلب توثيق كل ما حدث لبناء ذاكرة وطنية سليمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



