ساعة واحدة
قصيدة في مدح صلاح الدين تقود العلماء إلى سوبرنوفا حدث قبل 845 عاما
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026
وثّق الراصدون في الصين واليابان ظهور جرم أطلقوا عليه وصف "النجم الضيف"، لأنه ظهر فجأة في موضع لم يكن فيه نجم معروف، ثم اختفى بعد أشهر. وتشير السجلات الصينية إلى أن النجم ظل مرئيا نحو 185 يوما، قبل أن يتلاشى في فبراير/شباط 1182. ولم يكن أحد في ذلك العصر يعرف أن هذا الضوء قد يكون ناتجا عن مستعر أعظم هائل وقع في نظام نجمي بعيد.
وبقي الحدث معروفا في التاريخ الفلكي باسم المستعر الأعظم "SN 1181″، واحدا من الانفجارات النجمية التاريخية القليلة التي سُجل ظهورها بالعين المجردة.
لكن قصة هذا النجم شهدت تطورا غير متوقع، بعدما اكتشف باحثون في نص شعري عربي من عصر صلاح الدين الأيوبي وصفا قد يمثل شهادة مستقلة على ظهوره، إلى جانب السجلات الآسيوية المعروفة.
في 19 أغسطس/آب 2025، نشرت الدورية الألمانية "أسترونوميشه ناخريشتن" (Astronomische Nachrichten) دراسة بعنوان: "سجلات عربية جديدة من القاهرة عن المستعرين الأعظمين لعامي 1181 و1006".
وأعد الدراسة أربعة باحثين هم يان غيدو فيشر (J. G. Fischer)، وهـ. هالم (H. Halm)، ورالف نويهاوزر (Ralf Neuhäuser)، وداغمار نويهاوزر (D. Neuhäuser).
وكان الباحث يان غيدو فيشر صاحب ملاحظة الإشارة إلى الجرم السماوي في قصيدة الشاعر المصري ابن سناء الملك، وتولى تحقيق النص وترجمته وإعادة تأريخه، بينما شارك بقية الفريق في التحليل الفلكي والتاريخي.
وتوصل الباحثون إلى أن قصيدة مدح نظمها ابن سناء الملك لصلاح الدين الأيوبي ربما احتفظت بوصف نجم جديد ظهر في السماء خلال تلك الفترة.
وتبدأ الأبيات التي أثارت اهتمامهم بقول الشاعر:
أرى كل شيء في البسيطة قد نما.. بعدلك حتى نمت أنجم السما
تحلّت بنجم لا بل ابتسمت به.. ومن سرّه شيء يسرّ تبسّما
وما برح الكف الخضيب معطلا.. فلما تحلّى الدهر منك تختّما
فلا يفتَخِرْ جوُّ السماءِ بنجْمِه.. فكم أَطلَعَتْ أَفعالُكَ الغُر أَنْجُما
ولم تكن القصيدة سجلا فلكيا بالمعنى الحديث، بل عملا أدبيا يستخدم صور السماء والنجوم في مدح السلطان لكن الباحثين رأوا أن بعض عباراتها تتجاوز التشبيه الشعري المعتاد، وتشير إلى جرم سماوي جديد أثار اهتمام الراصدين والمنجمين.
واللافت أن القصيدة كانت معروفة في دواوين الشاعر، إلا أن دلالتها الفلكية لم تكن قد حظيت بهذا التفسير من قبل.
وفي رسالة خاصة إلى الجزيرة نت، أوضح عالم الفلك الألماني رالف نويهايزر، أحد مؤلفي الدراسة، أنه يواصل البحث في الأرصاد التاريخية للنجوم والمستعرات العظمى والمذنبات والنشاط الشمسي، مستعينا بسجلات الحضارات المختلفة، بما فيها المصادر العربية والفارسية.
وأشار نويهايزر إلى دراسته الحديثة التي تناولت "المستعر الأعظم لعام 1181 في قصيدة عن السلطان صلاح الدين الأيوبي"، في محاولة لاستكشاف ما قد تحفظه النصوص الأدبية القديمة من شواهد على أحداث فلكية تاريخية.
لم تكن القصيدة مؤرخة بصورة صريحة في المخطوطات، وكانت بعض التحقيقات السابقة تربطها بأحداث وقعت عام 1186. لكن فيشر وزملاءه أعادوا فحص مضمونها في ضوء الأحداث التاريخية المرتبطة بصلاح الدين، وخصوصا الإشارة إلى أخيه الملك العادل، وإلى حماية الأماكن المقدسة من هجمات الفرنجة.
واستنتجوا أن القصيدة كُتبت أو اكتملت على الأرجح بين ديسمبر/كانون الأول 1181 ومايو/أيار 1182، وهي فترة تتوافق مع إقامة صلاح الدين في مصر ومع ظهور النجم الذي رصده الفلكيون في شرق آسيا.
وتزداد أهمية هذا التأريخ لأن ظهور المستعر بدأ في أغسطس/آب 1181، واستمر حتى فبراير/شباط 1182، مما يجعل الفترة المقترحة لكتابة القصيدة متداخلة مع الأشهر الأخيرة التي ظل فيها النجم مرئيا.
وربما يثبت هذا التوافق أن الشاعر شاهد المستعر بنفسه، وفي ذات الوقت يوفر قرينة تاريخية تدعم تفسير النص بوصفه شهادة على الحدث. وحيث إن القصيدة هي المصدر العربي الوحيد الذي يصف هذا الانفجار، فإن ابن سناء الملك يكون مستحقا لهذه التسمية: "سوبرنوفا ابن سناء الملك"، وربما "سوبرنوفا صلاح الدين الأيوبي" كذلك.
ومن أبرز القرائن التي توقف عندها الباحثون استخدام الشاعر عبارة "الكف الخضيب"، وهي تسمية عربية قديمة لمجموعة من خمسة نجوم بارزة في كوكبة ذات الكرسي (Cassiopeia)، وهي كف الثريا الخضيب التي تنتهي بنجوم ذات الكرسي، وألمع نجومها هو الكف (Caph). وللثريا كف جذماء تنتهي عند نجوم كوكبة قيطس، وفيها النجم (Al Kaff al Jidhmah).
ويفسر الباحثون تشبيه ظهور النجم بخاتم تزينت به تلك المجموعة بأنه إشارة إلى جرم جديد أضيف إلى المشهد السماوي المعروف. كما استنتجوا أن النجم كان على الأرجح أكثر سطوعا من ألمع نجوم تلك المجموعة، وهو نجم ألفا ذات الكرسي، الذي يبلغ قدره الظاهري نحو 2.25.
والقدر الظاهري مقياس يستخدمه الفلكيون لتحديد سطوع الأجرام كما تبدو من الأرض؛ وكلما انخفضت قيمته العددية ازداد الجرم سطوعا. فالنجم من القدر واحد، أشد سطوعا من النجم من القدر اثنين بمرتين ونصف المرة.
وتشير الدراسة أيضا إلى أن الشاعر استخدم مصطلحات فلكية مثل "النجم" و"الراصد" و"المنجم"، بما يدل على معرفة بالمفاهيم الفلكية المتداولة في عصره. لكن الباحثين يؤكدون أن تفسير النصوص الشعرية يحتاج إلى الحذر، لأن المجاز الأدبي لا يقدم قياسات دقيقة كالتي توفرها الأجهزة الحديثة.
ورقة من مخطوطة ديوان ابن سناء الملك، المحفوظة في مكتبة بودليان بأكسفورد، وتتضمن القصيدة التي ربطها باحثون بالمستعر الأعظم. (مكتبة بودليان)
لم يقتصر عمل الفريق على قراءة طبعة حديثة من ديوان ابن سناء الملك، بل عاد إلى نسخ المخطوطات وقارن بينها، في محاولة لفهم النص الأصلي والتمييز بين أبيات الشاعر والتعليقات التي أضافها النساخ.
وتحتفظ مكتبة بودليان في جامعة أكسفورد بمخطوطة للديوان تحمل رقم الحفظ (Marsh 236)، وقد نشرت الدراسة صورة الورقة 165 وجه، التي تظهر فيها الأبيات المتعلقة بالنجم. وتكشف المقارنة بين المخطوطات تفصيلا مهما؛ إذ تضمنت بعض المقدمات النثرية التي أضيفت إلى القصيدة وصفا للجرم بأنه "نجم ذو ذؤابة"، وهو تعبير كان يستخدم للمذنبات.
لكن الباحثين أوضحوا أن هذه المقدمة ربما أضافها ناسخ أو جامع للديوان بعد وفاة الشاعر، بينما يستخدم ابن سناء الملك في أبياته كلمة "نجم"، دون الإشارة إلى ذيل أو حركة عبر السماء.
وهذا الاختلاف مهم؛ لأن المستعر الأعظم يظهر من الأرض كنقطة ضوئية في موضع ثابت نسبيا بين النجوم، بخلاف المذنب الذي يمكن أن تظهر له ذؤابة ويتحرك تدريجيا بالنسبة إلى الخلفية النجمية.
وبذلك تقدم القصيدة، إذا صح تفسيرها، دليلا مستقلا على أن ظهور النجم لم يقتصر على المشاهدات التي وصلت إلينا من الصين واليابان، بل لفت الأنظار أيضا في مصر الأيوبية.
ظل تحديد بقايا انفجار عام 1181 مسألة صعبة لعلماء الفلك، لأن السجلات القديمة لا تقدم إحداثيات دقيقة وفق المعايير الحديثة. وكان أحد المرشحين الأوائل جرما يعرف باسم "3 سي 58" (3C 58)، وهو سديم يحتوي على نجم نابض، لكن دراسات عمره أشارت إلى أنه ربما أقدم بكثير من انفجار القرن الثاني عشر.
وفي السنوات الأخيرة، اتجه الاهتمام إلى سديم آخر يعرف باسم "بي إيه 30" (Pa 30)، يقع في منطقة ذات الكرسي على مسافة تقارب 7500 سنة ضوئية. ويحتوي هذا السديم على نجم شديد الحرارة يعرف باسم "إيراس" (IRAS 00500+6713)، وتحيط به خيوط من المادة المقذوفة تمتد في اتجاهات شعاعية، بما يشبه الألعاب النارية المتجمدة في الفضاء.
وتشير قياسات تمدد هذه الخيوط إلى عمر يتوافق تقريبا مع انفجار عام 1181، وإن كان هذا الاستنتاج يعتمد على افتراضات بشأن تغير سرعة المقذوفات عبر الزمن. ولهذا أصبح "بي إيه 30" أبرز المرشحين لبقايا المستعر التاريخي، دون أن يكون الربط خاليا تماما من الأسئلة العلمية.
ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن مرصد جيميني الدولي عن صورة جديدة لبقايا "بي إيه 30" التقطها تلسكوب جيميني الشمالي، الذي يبلغ قطر مرآته 8.1 مترا ويقع على جبل موناكيا في هاواي. واستخدم الفريق جهاز التصوير والتحليل الطيفي متعدد الأجسام "جي موس" (GMOS)، مع مرشحات ضيقة النطاق تبرز إشعاع عناصر محددة في الغاز.
وقاد التحليل الباحث تيموثي كانينغهام، من مرصد كلية هارفارد التابع لمركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية، والباحثة إيلاريا كايازو، من معهد العلوم والتكنولوجيا في النمسا. وأظهرت الأرصاد تفاصيل لم تكن واضحة سابقا؛ فقد كشف الفريق عن عدد من الخيوط الغازية يزيد بنحو عشرة أضعاف ما أمكن تمييزه في صور سابقة.
لكن المفاجأة الأهم كانت أن الخيوط ليست خطوطا متصلة وناعمة، بل سلاسل من عقد وكتل صغيرة مضيئة، تبدو كأنها حبات لؤلؤ منتظمة على خيوط طويلة. وقدرت الدراسة القطر المميز لهذه الكتل بنحو 10 للقوة 11 كيلومتر، أي ما يعادل تقريبا أربعة أيام ضوئية؛ وهي مسافة يقطعها الضوء خلال أربعة أيام.
ولا يعني هذا أن حجم الكتل قيس بدقة نهائية، لأنها تقع بالقرب من حدود قدرة التلسكوب على تمييز التفاصيل الصغيرة. ويرجح الباحثون أن تكون هذه البنية المعقدة مرتبطة باختلافات في كثافة الغاز أو حرارته حول النجم، أو بعمليات فيزيائية أثرت في المقذوفات خلال تمددها.
في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اختارت وكالة ناسا صورة "بي إيه 30" الجديدة ضمن برنامجها الشهير "صورة اليوم الفلكية" (Astronomy Picture of the Day – APOD)، تحت عنوان "بقايا المستعر الأعظم "بي إيه 30".
وشبّه الشرح المصاحب للصورة المشهد بعرض للألعاب النارية، قبل أن يوضح أن ما نراه ليس انفجارا حديثا، بل آثار حدث نجمي يُعتقد أنه وقع قبل نحو845 عاما. وربطت ناسا بين السجلات التاريخية الصينية واليابانية والعربية، وبين السديم الذي يظهر في الصورة، مشيرة إلى أن طبيعة الانفجار ما زالت موضوعا للبحث.
وتكتسب الصورة أهميتها لأنها لا تقدم مشهدا جماليا فحسب، بل تكشف بنية دقيقة يمكن للعلماء استخدامها لاختبار النماذج التي تفسر نشأة الخيوط الغازية وتطورها.
ما يجعل "بي إيه 30" أكثر غرابة هو وجود نجم شديد الحرارة قرب مركزه، تبلغ درجة حرارته نحو 200 ألف درجة مئوية، وتصل سرعة رياحه النجمية إلى نحو 16 ألف كيلومتر في الثانية.
ويعتقد العلماء أن الانفجار ربما كان من النوع النووي الحراري النادر "1 إيه إكس" (Type Iax) أو النجم الزومبي، وهو أقل طاقة من بعض المستعرات العظمى التقليدية من النوع "1 إيه" (Ia). والأخير قزم أبيض يكتسب كتلة إضافية ثم ينفجر على هيئة سوبرنوفا.
وقد سمي النجم في وسط السديم باسم "نجم باركر" تكريما لعالم الفلك كوينتن باركر (Quentin A. Parker)، أحد الباحثين الذين درسوا النجم وساهموا في التعرف على طبيعته وربطه بالسديم "بي إيه 30".
وفي أحد السيناريوهات المطروحة، اقترب قزمان أبيضان من بعضهما حتى اندمجا، مما أدى إلى انفجار لم يدمر المادة النجمية بالكامل، وترك وراءه جرما شديد الحرارة يوصف أحيانا باسم "النجم الزومبي"، أي النجم الذي نجا من انفجاره.
والقزم الأبيض هو البقايا الكثيفة لنجم استنفد وقوده النووي، ويمكن أن يؤدي تراكم المادة عليه أو اندماجه مع قزم آخر إلى انفجار نووي حراري في ظروف معينة.
لكن تفاصيل ما حدث في "بي إيه 30" لم تحسم بعد، ولا تزال النماذج المختلفة تحاول تفسير تركيب الغاز، وشكل الخيوط، وطبيعة النجم المركزي. وتضيف صورة جيميني الجديدة قيودا رصدية مهمة إلى هذه النماذج، خصوصا بعدما أظهرت أن المقذوفات أكثر تعقيدا مما كانت توحي به الصور السابقة.
تجمع قصة المستعر "ابن سناء" الأعظم "سوبرنوفا 1181" بين ثلاثة أنواع مختلفة من الأدلة هي: سجلات فلكية قديمة، ونص أدبي عربي، وأرصاد حديثة تكشف بقايا الانفجار.
فقد سجل الفلكيون في شرق آسيا ظهور النجم واختفاءه، بينما حفظ ابن سناء الملك في قصيدته وصفا يمكن أن يكون شاهدا إضافيا على الحدث. وبعد أكثر من ثمانية قرون، أصبحت التلسكوبات قادرة على دراسة الغاز الذي ربما اندفع من الانفجار نفسه، وقياس تركيبه وحركته وتفاصيل بنيته.
ولعل القيمة الأبرز لهذا البحث أنه يوضح كيف يمكن للمخطوطات الأدبية والتاريخية أن تساعد العلوم الحديثة، لا بوصفها بديلا عن الرصد، بل مصدرا مستقلا لقرائن قد تكون ضاعت من السجلات العلمية.
فبين أبيات كُتبت في القاهرة الأيوبية، وصورة التقطت فوق جبال هاواي، تستمر محاولة العلماء لفهم انفجار نجمي مضى عليه 845 عاما، ولم يكشف بعد عن جميع أسراره.
Loading ads...
نُشرت نتائج الدراسة بعنوان "رصد عُقد في بقايا المستعر الأعظم من النوع Iax في السديم بي إيه 30" (Detection of Knots in the Supernova Type Iax Remnant Pa 30) ، وأُتيحت نسختها البحثية في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

وفاة الحاج منذر الدباس والد السفير الأردني في لندن منار...
منذ ثانية واحدة
0

ترمب: قصفنا تجهيزات الدفاع الجوي في قشم فور اكتمال بنائها
منذ ثانية واحدة
0

انتخاب رانيا أبو رمان ومالك الطهراوي مساعدين لرئيس مجلس...
منذ ثانية واحدة
0

البنك العربي ينظم جلسة حوارية تعريفية لعملائه حول...
منذ ثانية واحدة
0

