6 أشهر
من إدلب إلى البيت الأبيض.. ماذا خلف اللقاء بين ترامب والشرع بواشنطن؟
الأربعاء، 12 نوفمبر 2025
بعد أقل من عامٍ على دخوله القصر الجمهوري في دمشق، يدخل أحمد الشرع البيت الأبيض كأول رئيس سوري، في واحدةٍ من القراءات النادرة للتاريخ المكتوب والمشاهد عياناً، في لقاءٍ هو الثالث من نوعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد لقائهما الأول في الرياض، والثاني على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والثالث الآن في واشنطن.
الزيارة التي تأتي بعد مرور أقل من 11 شهراً على إسقاط النظام، تمثل تحولاً جوهرياً في مسار العلاقات السورية – الأميركية، وتفتح الباب أمام مرحلةٍ جديدة من التفاهمات الإقليمية والدولية ورفع العقوبات الأميركية عن سوريا.
تأتي زيارة الشرع الثانية إلى الولايات المتحدة (الأولى إلى مقر الأمم المتحدة بنيويورك) بعد جولاتٍ دبلوماسية مهمة شملت خلال الأشهر القليلة الماضية عدداً من عواصم القرار الدولية مثل باريس، وموسكو، وأنقرة، والرياض، والدوحة، وأبوظبي، مع خطط لزيارات مقبلة إلى برلين، ولندن، وبيجين.
هذا الحراك يعكس انفتاحاً دولياً متسارعاً على سوريا الجديدة في ظلّ تحديات هائلة تتعلق بأمن المنطقة والإقليم بعد سقوط أحد أكثر الأنظمة قمعاً في العالم، وتحديات أمام الحكومة السورية والشعب أيضاً.
هل من حالاتٍ شبيهة للزيارة؟
السؤال الذي يطرحه السوريون والمراقبون على حدٍّ سواء هو: كيف يزور الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض، وهو الذي كان حتى وقتٍ قريب على لوائح الإرهاب، وكانت واشنطن قد رصدت جائزة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومة عنه؟ كيف يتحوّل من “مطلوب” إلى “ضيفٍ رسمي” يستقبله الرئيس الأميركي عند باب البيت الأبيض ويسيران معاً إلى المكتب البيضاوي؟
تاريخياً، شهدت السياسة الأميركية حالات مشابهة. ففي شباط عام 1983، استقبل رونالد ريغان قادة المقاومة الأفغانية بلباسهم التقليدي في المكتب البيضاوي، عقب عملية "سايكلون" (Operation Cyclone)، الاسم الرمزي لبرنامج وكالة المخابرات المركزية (CIA) لتسليح وتمويل المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفياتي (1979–1989).
كما وثّق اجتماعٌ آخر في 12 من نوفمبر 1987 في غرفة روزفلت في البيت الأبيض بين ريغان ووفدٍ من قادة المقاومة الأفغانية، صدر بشأنه بيانٌ رسمي قال فيه الرئيس الأميركي: "هؤلاء السادة هم المعادل الأخلاقي للآباء المؤسسين لأميركا".
استقبال رونالد ريغان قادة المقاومة الأفغانية بلباسهم التقليدي في المكتب البيضاوي
ومثالٌ آخر، زار فيدل كاسترو نيويورك وواشنطن عام 1959، بعد أن دعمت الولايات المتحدة ثورته سراً ضد دكتاتورية فولغينسيو باتيستا. ورغم تجنّب الرئيس دوايت أيزنهاور لقاءه، التقاه ريتشارد نيكسون نائب الرئيس الأميركي خارج البيت الأبيض حينها.
الزعيم الكوبي فيدل كاسترو
ولم تكن الشخصيات السورية (تحديداً أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب) التي أُزيلت من لوائح الإرهاب استثناءً، فواشنطن صنّفت سابقاً حركة مجاهدي خلق الإيرانية على قوائم الإرهاب عام 1997، لكنها أزالتها عام 2012 بعد ضغطٍ سياسيٍّ في الكونغرس ودعمٍ من شخصياتٍ أميركية بارزة، لتتحول الحركة إلى طرفٍ معترف به دولياً كمعارضةٍ للنظام الإيراني.
وهكذا، تُظهر السياسة الأميركية أنّ المصالح قد تعيد تعريف "الإرهاب" وفق السياق السياسي، وأن استقبال الشرع في البيت الأبيض ليس استثناءً بل من النوادر التي تعد امتداداً لنهجٍ براغماتي يعتمد على تبدّل الأولويات وتشابك المصالح.
قمة تاريخية وتعليق عقوبات
في 10 من نوفمبر 2025، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، في مشهدٍ وُصف بالتاريخي، كونه اللقاء الأول بين زعيمٍ سوري ورئيسٍ أميركي في واشنطن منذ إعلان تأسيس الدولة السورية قبل أكثر من قرن.
اللقاء حمل رمزية مزدوجة: فهو من جهة اعترافٌ سياسيٌّ استثنائي بشرعية النظام الجديد في دمشق، ومن جهةٍ أخرى تعبير عن تحوّلٍ أميركي نحو إعادة التوازن في الشرق الأوسط بعد عقدٍ من الصراع المدمّر.
هذا التحول من قائدٍ ميداني أسقط النظام السابق إلى رئيسٍ يجلس في المكتب البيضاوي يعكس طبيعة النظام السوري الجديد القائم على الهوية الوطنية الإسلامية المعتدلة والبراغماتية السياسية والانفتاح الدولي.
وتزامناً مع الزيارة، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية تعليق عقوبات "قيصر" المفروضة على سوريا، مؤكدة أن الولايات المتحدة تظل ملتزمة بسوريا مستقرة وموحدة وسلمية، في إطار الزيارة التي يجريها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن.
وأوضح البيان أن قرار التعليق لا يشمل المعاملات المرتبطة بروسيا وإيران، في حين اعتُبر الخطوة الأبرز في مسار الانفتاح الأميركي على دمشق بعد عامٍ من إسقاط النظام السابق.
وأضافت الخزانة الأميركية، أن الولايات المتحدة تظل ملتزمة بـ سوريا مستقرة وموحدة وسلمية.
ويمكن من هذا الرابط أن تتعرف على تفاصيل رفع العقوبات عن سوريا منذ اللقاء الأول لترامب مع الشرع حتى تعليق عقوبات قيصر من قبل الخزانة الأميركية.
ما هي أبرز الملفات المطروحة في محادثات البيت الأبيض؟
1. ملف العقوبات الأميركية و"قانون قيصر"
يتصدر هذا الملف جدول المباحثات، إذ ما تزال عقوبات قيصر سارية جزئياً على شخصياتٍ ومؤسسات سورية. وتعتبر دمشق أن إنهاءها في الكونغرس سيغيّر المشهد الاقتصادي كلياً، إذ لن تبدأ الاستثمارات في مشاريع إعادة الإعمار إلا بعد رفع العقوبات بشكلٍ نهائي.
2. استئناف العلاقات الدبلوماسية
تتناول المفاوضات إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بعد أكثر من عقدٍ من القطيعة، مع حديثٍ عن موافقة مبدئية على إعادة فتح السفارة السورية في واشنطن وعودة البعثة الأميركية إلى دمشق لاحقاً، بما يعكس اعترافاً سياسياً كاملاً بالحكومة السورية الجديدة.
3. انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب
يتوقّع أن يعلن انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، في خطوةٍ تعيد تموضع دمشق كلاعبٍ أمنيٍّ إقليمي مسؤول، وتفتح الباب أمام تعاونٍ مباشرٍ مع واشنطن في مكافحة تنظيم “داعش” وسواه من التنظيمات المتطرفة.
4. ملف "قسد" والوجود الأميركي في شرق الفرات
يُعدّ أحد أكثر الملفات حساسية، إذ ما تزال القوات الأميركية متمركزة في مناطق غنية بالنفط والغاز شمال شرقي البلاد. ويسعى الشرع إلى تفعيل اتفاق 10 من آذار 2025 القاضي بدمج “قسد” ضمن الجيش السوري وإقرار نظام اللامركزية الإدارية مع احتفاظ دمشق بالسياسات الدفاعية والخارجية والمالية.
5. ملف السويداء
يتعلق بإعادة بسط سلطة الدولة على محافظة السويداء عبر تسويةٍ محليةٍ شاملة، وتطبيقٍ تدريجيٍ لنموذج اللامركزية الإدارية مع الإبقاء على السيادة الكاملة لدمشق.
6. الاتفاق الأمني مع إسرائيل
يُتوقع بحث اتفاق أمني جديد بوساطةٍ أميركية مستندٍ إلى تفاهمات فصل القوات لعام 1974، مع احتمال انسحابٍ إسرائيلي من مناطق توغّل فيها بعد ديسمبر 2025، مقابل التزاماتٍ سورية بضبط الحدود ونشر مراقبين دوليين.
7. ملف المقاتلين الأجانب والحكومة الجديدة
وتتناول المباحثات آليات معالجة ملف المقاتلين الأجانب وخروجهم الآمن من سوريا، بالتوازي مع مشاورات لتشكيل حكومة جديدة أكثر تشاركية تضم شخصيات من المعارضة السابقة وممثلين عن مختلف المكوّنات، تمهيداً لمرحلةٍ سياسيةٍ جامعة مطلع عام 2026.
8. العلاقات مع إيران وروسيا
تسعى واشنطن إلى إخراج سوريا من محور "الممانعة" الذي كانت تقوده طهران، في حين تؤكد دمشق رغبتها في تبنّي سياسة حيادٍ إقليمي وتوازنٍ دولي، مع الحفاظ على شراكةٍ اقتصاديةٍ مع موسكو من دون التبعية لها.
Loading ads...
أخيراً، زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن ليست حدثاً بروتوكولياً فحسب، بل منعطف استراتيجي في العلاقات السورية – الأميركية، ورسالة إلى العالم بأن سوريا ما بعد الأسد مختلفة: دولة تسعى إلى إعادة تعريف دورها ومكانتها في الإقليم، والانفتاح على الشرق والغرب معاً وفق مبدأ المصالح المشتركة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


