ساعة واحدة
كلتيشدار أوغلو في واجهة السياسة التركية.. هل تعيده أزمة حزبه إلى قيادة المعارضة؟
الجمعة، 22 مايو 2026
عاد اسم كمال كلتيشدار أوغلو إلى واجهة السياسة التركية من بوابة أزمة داخلية غير مسبوقة في حزب الشعب الجمهوري، بعدما أثار قرار قضائي مرتبط بالمؤتمر العام الـ38 للحزب حالة من التوتر والانقسام داخل أكبر أحزاب المعارضة في تركيا.
وبين هتافات غاضبة أمام مقر الحزب في أنقرة واجتماعات طارئة لقياداته، وجد كلتيشدار أوغلو نفسه مجدداً في قلب المشهد، ليس كزعيم سابق خسر رئاسة الحزب أمام أوزغور أوزال عام 2023 فحسب، بل كاسم قد يعود مؤقتاً إلى إدارة الحزب بقرار قضائي مثير للجدل، في لحظة تختبر تماسك المعارضة التركية وقدرتها على تجاوز صراعاتها الداخلية.
وقضت محكمة تركية بإلغاء المؤتمر العام الاستثنائي لحزب الشعب الجمهوري، الذي عُقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، إضافة إلى إلغاء مؤتمر فرع الحزب في إسطنبول الذي أُجري في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
واستندت المحكمة في قرارها إلى ما قالت إنه مخالفات شابت العملية الانتخابية داخل الحزب، من بينها "توجيه إرادة الناخبين"، وتقديم وعود بمنافع مادية وسياسية لأعضاء المؤتمر، فضلاً عن مخالفات لقانون الأحزاب السياسية.
وبموجب القرار، تم إبعاد القيادة الحالية للحزب برئاسة أوزغور أوزال، وإعادة القيادة السابقة برئاسة كمال كلتيشدار أوغلو بشكل مؤقت، إلى حين عقد مؤتمر عام جديد لانتخاب قيادة جديدة للحزب.
ويبدو أن الأمور آخذة للتصعيد حيث رفض أوزال القرار القضائي، وقال إنه لن يغادر مكتبه في كلمة له بمقر الحزب الرئيسي بالعاصمة التركية أنقرة.
وفي الواقع، يواجه حزب الشعب الجمهوري حملة قضائية غير مسبوقة منذ عام 2024، حيث اعتقل مئات الأعضاء والمسؤولين المنتخبين بتهم فساد ينفيها الحزب.
ومن بين المسجونين منذ أكثر من عام، رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو الذي يُعد أبرز منافسي أردوغان، ولا يزال المرشح الرسمي لحزب الشعب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، والتي قد تُجرى مبكراً خلال العام المقبل.
وكان حزب الشعب الجمهوري المعارض قد حقق تقدماً كبيراً على حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس أردوغان في الانتخابات المحلية لعام 2024، وحاز معظم بلديات الولايات الكبرى بما في ذلك إسطنبول وأنقرة إزمير وأنطاليا.
أخفق كمال كلتيشدار أوغلو في جميع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية واستفتاء الانتقال للنظام الرئاسي منذ تسلمه رئاسة حزب الشعب الجمهوري في 22 من أيار عام 2010 في مقابل حزب العدالة والتنمية الذي يقوده الرئيس أردوغان، ومع ذلك بقي كلتيشدار أوغلو في منصبه مؤكداً أنه زاد عدد مقاعد حزبه في البرلمان والبلديات بنسب كبيرة.
بدأ ممارسة السياسة بشكل فعلي كنائب في البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري تزامناً مع استلام حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002، في رحلة مستمرة من ثنائية الفوز والهزيمة حتى اليوم.
ورغم عدم ترشحه لانتخابات الرئاسة التركية في عامي 2014 و2018، كان أبرز منافسي الرئيس أردوغان بعد التوافق عليه في الطاولة السداسية التي تضم أكبر 6 أحزاب معارضة في البلاد هي "الحزب الجمهوري - حزب الجيد - حزب السعادة - حزب المستقبل - حزب الديمقراطية والتقدم - الحزب الديمقراطي"، والذي خسرها بعد جولة انتخابات ثانية في 2023.
ولد كمال كليتشدار أوغلو في ولاية تونجلي عام 1948، أكمل تعليمه الابتدائي والثانوي في أجزاء مختلفة من الأناضول، تخرج في أكاديمية أنقرة للاقتصاد والعلوم التجارية (كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة غازي حالياً) عام 1971، والتحق بها لإكمال تعليمه العالي. في عام 1971، عندما أكمل تعليمه الجامعي، بدأ العمل في وزارة المالية بعد امتحان مساعد المحاسب.
بعد عمله الطويل في وزارة المالية أصبح محاسباً خبيراً ثم انتقل إلى فرنسا وبقي فيها لمدة عام واحد، واستمر بعمله في مجال المحاسبة حتى عام 1983، ثم عين في المديرية العامة للإيرادات في العام نفسه ليشغل منصب مدير قسم إلى أن رُقي لمنصب نائب المدير العام للمؤسسة نفسها.
بقي الموظف الحكومي الذي لم يتوقع أن يصبح أحد نجوم المعارضة التركية في ذلك الوقت، موظفاً حكومياً يمارس البيروقراطية، حيث انتقل إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية عام 1991 ليشغل منصب نائب وكيل وزارة العمل والضمان الاجتماعي لفترة قصيرة.
في عام 1994 اختارته مجلة "إيكونوميك تريند" "بيروقراطي العام"، قبل أن يتسلم إدارة المديرية العامة لمؤسسة التأمين الاجتماعي حتى عام 1999 حين استقال في كانون الثاني من ذلك العام من تلقاء نفسه.
بعد تركه الوظيفة الرسمية تطلع كلتيشدار أوغلو إلى أعمال أكثر حضوراً عبر ترأسه للجنة الاقتصاد غير الرسمي في دراسات خطة التنمية الخمسية الثامنة، وألقى محاضرات في جامعة "حاجي تبه" بأنقرة.
وفي لحظة مهمة من حياته شغل عضوية مجلس إدارة بنك العمل التركي "Türkiye İş Bankası"، أحد أقوى البنوك التركية والذراع المالي الأضخم لحزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.
في السيرة الذاتية التي أوردها حزب الشعب الجمهوري على موقعه الرسمي عن زعيمه، يعود في الماضي مطولاً ولكنه لا يذكر الكثير من تفاصيل سيرته الحالية سوى متى أصبح نائباً في البرلمان ومتى ترأس الحزب.
ما حصل مع كليتشدار أوغلو أنه لم يبدأ المعترك السياسي في حزب الشعب، بل في حزب اليسار الديمقراطي (DSP) الذي كان يقوده مصطفى بولنت أجاويد الذي شغل منصب رئيس الوزراء لأكثر من مرة في تركيا عن حزب الشعب ثم عن حزبه الجديد، وكان اسم كليتشدار أوغلو على لوائح الانتخابات البرلمانية عام 1999، لكن بولنت أجاويد لم يرشحه.
بعد ذلك بدأ تواصله مع أعضاء في حزب الشعب الجمهوري، وأعد تقريراً عن الفساد داخل الحزب، حيث إن التقرير لفت انتباه زعيم حزب الشعب حينها دينيز بايكال الذي دعاه للانضمام ثم رشحه لانتخابات 2002 ليكون نائباً عن إسطنبول لأول مرة. في ذلك العام كان البرلمان مقسوماً بين العدالة والتنمية والشعب الجمهوري فقط.
بعد تراجع حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البلدية عام 2004، بدأت الدعوات لإعادة هيكلة الحزب وعقد مؤتمر استثنائي، في الوقت الذي نشر 30 نائباً في الحزب بياناً بعنوان "حركة المسير إلى السلطة"، وكان كليتشدار أوغلو من بين الموقعين.
شن دينيز بايكال حملة تطهير طالت جميع الموقعين الذين طالبوا بالتغيير في الحزب، لكن كليتشدار أوغلو لم يدخل في القائمة السوداء للحزب.
تم انتخاب كمال كليتشدار أوغلو نائباً لرئيس مجموعة الحزب في البرلمان بناءً على طلب دينيز بايكال، وطلب منه التركيز على ملفات الفساد في الحكومة.
ومع لمعان اسمه في حزب الشعب، تم ترشيحه لمنصب عمدة بلدية إسطنبول الكبرى في الانتخابات المحلية التركية لعام 2009، لكنه حصلَ على 37% من الأصوات وظلَّ في المركز الثاني مقابل فوز قدير طوباش عن حزب العدالة والتنمية بنسبة 44.7% من الأصوات.
وفي مفاجأة أحدثت ضجة كبيرة في تركيا، استقال زعيم حزب الشعب المعارض دينيز بيكال من منصبه في أيار 2010، إثر انتشار فيديو له مع امرأة في غرفة نوم، علق عليه بأنه "ضحية مؤامرة"، بحسب وكالة "رويترز".
تلك الفضيحة التي اتهم "العدالة والتنمية" الحاكم بأنه وراءها من حزب الشعب الجمهوري، كانت بمثابة الهدية التي عبدت الطريق أمام كليتشدار أوغلو ليتربع على كرسي زعامة المعارضة التركية منذ ذلك الوقت.
وفي 25 من كانون الأول 2021، هاجم الرئيس أردوغان كليتشدار أوغلو، مشيراً إلى أنه وصل لرئاسة حزب الشعب بعد "شريط فيديو مسرب لفضيحة جنسية لرئيس الحزب السابق (دينيز بايكال)".
وقال أردوغان "حزب الشعب الجمهوري الآن يعتمد سياسة (الرُجيل) الواحد الذي يحكم الحزب بسياسات غير معلومة. بعد أن وصل لرئاسة الحزب عبر شريط فيديو لفضيحة جنسية لرئيس الحزب السابق".
وأردف: "بغض النظر عن مقدار ما ننتقده، فإننا نأسف بشدة لأن حزب المعارضة الرئيسي في بلادنا قد وُضع في مثل هذا الموقف".
بغض النظر عن الحديث المستمر في الإعلام الموالي للعدالة والتنمية عن أن "كمال بي" كما يسميه أردوغان ليس سياسياً محنكاً، يبدو أن زعيم المعارضة يلعب لعبة السياسة ويعرف دوره تماماً، فقد استطاع البقاء في منصبه رغم كل الخسارات السابقة في مختلف الانتخابات الماضية، رغم تحسين وضع حزبه مقارنة بالعقد الأول للعدالة والتنمية في الحكم.
وبقي كليتشدار أوغلو رجل الظل في معظم المعارك الانتخابية منذ استلامه للمنصب، فقد اجتمع مع حزب الحركة القومية في معارضة أردوغان في انتخابات الرئاسة لعام 2014 ورشحوا سوياً أكمل إحسان الدين أوغلو الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي باعتباره شخصاً محسوباً على المحافظين أيضاً ليفوز بمنصب الرئاسة في وجه أردوغان ولكنه فشل.
وفي انتخابات 2018، قدم أبرز منافسيه على قيادة الحزب محرم إنجه "قرباناً سياسياً" لانتخابات الرئاسة في وجه أردوغان مجدداً، ففشل الآخر، وفي 2021 أسس إنجة حزب الوطن (memleket partisi) بعد فشله في إزاحة كليتشدار أوغلو عن زعامة الحزب.
وبالفعل استطاع - الذي يبدو أنه العدو السياسي الأول لأردوغان - من التخلص من منافسيه داخل الحزب، ومن كسب أصوات جديدة عبر معركة الانتخابات البلدية ورسم سياسات جديدة بتقديم مرشحين جدد مثل منصور يافاش (عضو حزب الحركة القومية سابقاً) الذي فاز برئاسة بلدية أنقرة عن حزب الشعب، وكذلك الأمر مع أكرم إمام أوغلو الشخصية المفاجأة الذي قدمها الحزب المعارض واستطاعت الفوز ببلدية إسطنبول أهم بلدية في تركيا وذات الرمزية السياسية الكبيرة.
ومع اختيار شخصيات محافظة لمناصب مهمة مثل بلديتي إسطنبول وأنقرة، بدأ الحزب بسلسلة من التغيرات الجذرية في خطابه محاولاً جذب الناخب المحافظ أو المناصر للتيارات الإسلامية، وإعادة تقديم نفسه كمتقبل للآخر غير العلماني عبر إثارة قضية الحجاب الحساسة والاعتذار عن الماضي الذي أدى لحظر ارتدائه.
ومع الوضع الاقتصادي المتبدل في تركيا منذ عام 2020 إثر تفشي وباء فيروس كورونا وصولاً إلى الانهيار الكبير في قيمة الليرة التركية نهاية 2021، بدأت المعارضة التركية وعلى رأسها كليتشدار أوغلو الحديث عن ضرورة إجراء انتخابات مبكرة ولكنها فشلت في تحقيق ذلك مع الجبهة المتماسكة للرئيس أردوغان وحليفه زعيم الحركة القومية دولت بهتشلي.
ومع الصراع السياسي التنافسي الشديد في الساحة التركية أُسست أحزاب وليدة من رحم العدالة والتنمية مثل حزب المستقبل بقيادة أحمد داوود أوغلو رئيس وزراء تركيا السابق عن العدالة والتنمية، وحزب الديمقراطية والتقديم بزعامة علي باباجان أحد وزراء العدالة والتنمية وبين مؤسسيه الأوائل.
وفي 12 من شباط 2022، تشكلت الطاولة السداسية المعارضة من اتجاهات متناقضة بين يمين ويسار من جهة وإسلامي وعلماني من جهة ثانية، ومعتدل وقومي من جهة أخرى، وترفع المعارضة لواء إنهاء حكم العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان بأي شكل سياسي ممكن، عبر اجتماعات دورية تمخض عنها العديد من المبادئ والبنود المنادية بإعادة النظام البرلماني المعزز عبر محاصصات حزبية، لم تتمكن من الفوز بالانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، حيث حافظ أردوغان على منصبه في الرئاسة وأغلبية البرلمان في تحالفه مع الأحزاب الأخرى.
وشهدت الأعوام الأخيرة في تركيا أزمات متتالية لم يكن الاقتصاد وحده في مقدمتها، بل أثارت المعارضة التركية "شوشرة سياسية" دائمة رغم تباينات المواقف بين الأحزاب المعارضة السداسية، خصوصاً بما يخص اللاجئين السوريين وضرورة إعادتهم لبلادهم.
Loading ads...
إلى جانب ذلك بدا هناك استثمار واضح للكوارث الطبيعية مثل الحرائق التي اجتاحت مدن البحر الأبيض المتوسط، والفيضانات التي ضربت مدن الشمال المطلة على البحر الأسود، وأخيراً كارثة الزلزال المدمر في جنوب تركيا وشمال سوريا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

