15 أيام
مسرحية "ملتجئات من سوريا" تتناول النزوح السوري على خشبة لندنية
الإثنين، 9 مارس 2026
على مدار عقد ونيف من الزمان، أجبرت الحرب السورية ملايين الناس على مغادرة وطنهم، وفي عموم أوروبا، وُضعت حالة النزوح واللجوء ضمن خانة التهديدات، ولم يتم التعامل معها كحقيقة إنسانية، ولذلك جرى تشديد الحراسة على الحدود، وأضحت اللغة التي تتناول قضية اللجوء عدائية، في حين بقيت أصوات اللاجئين واللاجئات غير مسموعة.
ولذلك تبدأ مسرحية "ملتجئات من سوريا" بالفكرة القائلة بأن هذه ليست أزمة حدثت لأشخاص، بل إنها أيضاً أزمة أصابت القصص التي تروى عنهم.
كتبت هذه المسرحية عبر تعاون امتد لشهر كامل مع لاجئات سوريات في تركيا، وتعرض اليوم على مسرح قاعة هوكستون بلندن.
بعض القصص ترفض لغة المسرح الذي يتناول القضايا السياسية والاجتماعية، لأن المخاطر ليست مجردة، بل إنسانية، ولهذا فإن مسرحية "ملتجئات من سوريا" لا تطلب التعاطف، بل أن تكون شاهداً على الحدث.
جرى تأليف هذه المسرحية بالتعاون مع لاجئات سوريات في تركيا، لتقدم شهادات من مصدرها الأساسي، بحيث تحتل تلك الشهادات محور المسرحية، وتعيد تأطير النزوح لا كعنوان في صحيفة، بل كحقيقة نفسية معاشة. لذا من الصعب أن تشاهد المسرحية من دون أن تدرك كيف تحولت تلك العملية إلى شيء مألوف، سواء في سوريا ثم في غزة الآن، وكأن المأساة الإنسانية شيء يستوعبه العالم ثم يتجاوزه بكل هدوء.
الإبداع ما بين الشكل والمضمون
وهذه المسرحية تمثل إعادة تصور معاصرة لمسرحية "الملتجئات" لأسخيلوس، وهي أول مسرحية عرفها التاريخ تتناول قضية اللجوء، ويرسم هذا العمل خطاً رفيعاً بين اللجوء في الأزمنة السحيقة والحدود الحديثة. وتتخلل العرض الحي شهادات مصورة، وموسيقى وحركة وشعر، بما يخلق حواراً عابراً للزمن وللنوع الاجتماعي وللجغرافيا. إذ بدلاً من تقديم سردية خطية، تتطور أحداث المسرحية عبر التراكم، فهنالك شذرات من الذكريات والخبرات التي تتراكم بعضها فوق بعض إلى أن يستحيل تجاهل وطأة الثقل العاطفي الذي تخلفه.
أما المواضع التي يواجه العرض فيها صعوبة فتتمثل بمحاولته الجمع بين القديم والمعاصر ونسجه ضمن خط سردي واحد. في حين تتمتع أداة التأطير وهي عبارة عن ممثلين يقومون بدور الوسيط ما بين ملتجئات أسخيلوس وشهادات السوريات، بجاذبية على المستوى الفكري، إلا أن العلاقة بين الطرفين في بعض الأحيان تبدو ضمنية أكثر من كونها متحققة بشكل كامل، إذ يهدد النص القديم بالتحول إلى مرجع بعيد بدلاً من كونه شريكاً فاعلاً في الدراما، ما يخلق لحظات يشعر المرء معها بفقدان جسر الأفكار والمفاهيم بين ترجمة الماضي والحاضر.
تكمن أهمية هذا العمل المسرحي الذي يؤديه كل من توبي كينغ باكاري وفلاد غرديس وآلبي ماربر في الحضور لا في الاستعراض، لأن هؤلاء الممثلين لا يحاولون تجسيد النسوة اللواتي تظهر أصواتهن على الشاشة، بل إنهم يخلقون ردات فعل حية، تتمثل بالاستماع ورجع الصوت والتحدي وتضخيم الأمور، وهذا الحد مهم جداً، إذ هنا لا يتم تحويل الصدمة إلى عنصر جمالي أو مجرد مادة للاستهلاك، بل يتم الاحتفاظ بها، أما الصمت فمقصود كما الكلام، وفي أجواء حميمية تسود قاعة هوكستون، لا يمكن للجمهور أن يبتعد عبر تحديد مسافة أمان، لأنك لا تراقب أزمة من بعيد، بل تشاطرها الحيز نفسه.
وما يعطي هذه المسرحية أهمية أخلاقية اهتمامها بقضية الكرامة، إذ نتلمس غضباً إلى جانب المزاح، وحزناً إلى جانب الصمود، ويعترف العمل بأن النجاة ليست انتصاراً بل التفاوض ما بين الذكريات والمستقبل، ما بين الذات والظروف. وعبر إدخال عناصر من الوسائط المتعددة على الأداء والتمثيل الفعلي، تقاوم هذه المسرحية حالة الاستعراض والتبسيط، لتركز بشكل دائم على أصوات تختزل بجدل سياسي في أغلب الأحيان.
ختاماً، فإن مسرحية "ملتجئات من سوريا" ليست مسرحية تستمتع بها بالمعنى التقليدي، بل إنها مسرحية تحملها معك، إذ عبر الرجوع لأسخيلوس مع إبراز الشهادات المعاصرة، يذكرنا هذا العمل بأن اللجوء ليس أزمة جديدة، بل واقع إنساني متكرر الحدوث، ولذلك فإن ما يبقى من الذاكرة بعد حضور هذه المسرحية ليس المشهدية بل المسؤولية، أي ذلك الاعتراف المزعج بأن ما شهدنا عليه يفرض علينا تقديم شيء بالمقابل.
Loading ads...
المصدر: Everything Theatre
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



