يعيش السوريون في مدن مصرية كبيرة مثل القاهرة والإسكندرية، وفي ضواحي مثل السادس من أكتوبر وجسر السويس والعاشر من رمضان والعبور، ذكرى أيام تحرير بلادخم بطقوس تختلف عمّا يعيشه السوريون في الداخل.
ففي بلد اللجوء والاغتراب، تتخذ المناسبة شكلاً أكثر هدوءاً وخجلاً، لكنها لا تخلو من شغف دفين بالوطن، وعلامات صغيرة تعيد إلى الأذهان ألوان علم الثورة والأغاني التي كانت تصدح في الساحات.
وبينما تعيش الجالية السورية في مصر حياة متشابكة مع الواقع المحلي، باتت المناسبات الوطنية تختفي فيها بطريقة توازن بين الحنين والاندماج. فالاحتفالات ليست صاخبة، لكنها حاضرة على شكل منتجات تُباع، وتخفيضات رمزية في المطاعم، وصور على مواقع التواصل الاجتماعي، ومشاعر منسابة في أحاديث الشباب.
أعلام صغيرة.. ورمزيات كبيرة
مع اقتراب المناسبة، تبدأ بعض المحلات السورية والمسوقين على الإنترنت ببيع الأعلام بأحجام مختلفة، وسلاسل معدنية تحمل شعار سوريا أو نقش "الحرية". تنتشر أيضاً أساور ملونة بثلاث خطوط، وقمصان مطبوعة عليها شعارات تعبر عن الانتماء.
يقول محمد عابدين، سوري مقيم في القاهرة، لموقع تلفزيون سوريا، حيث يعمل في مجال الطباعة: "الطلبات بدأت تتزايد منذ بداية شهر كانون الأول/ديسمبر، ويطلب الناس أشياء صغيرة، مثل علم صغير يضعونه في البيت أو سلسلة تحمل خريطة بلادهم. لا يمكننا الاحتفال بصوت عالٍ، لكن الرمزيات تكفي."
هذه الرمزيات، رغم صغر حجمها، تحمل دلالات وجدانية كبيرة بالنسبة لآلاف السوريين الذين يعيشون بعيداً عن أرضهم. فالعلم ليس مجرد قطعة قماش، بل مساحة ذاكرة تختصر سنوات من الحرب والتهجير والانتماء والقصص والأحلام المعلقة.
مطاعم ومحلات تقدم خصومات "من أجل المناسبة"
منذ عام، بالتزامن مع تحرير البلاد وسقوط نظام الأسد المخلوع، أصبحت العديد من المطاعم السورية في القاهرة، خاصة أماكن تجمع السوريين مثل السادس من أكتوبر والعبور وجسر السويس، تطلق عروضاً خاصة.
ومن هذه العروض: تخفيضات على الوجبات إضافة طبق مجاني أو توزيع بعض العينات على المارة في الشارع، مع نشر منشورات على صفحاتهم في فيسبوك وإنستغرام مرفقة بعلم سوريا.
يقول جهاد عبد الله، صاحب مطعم سوري في القاهرة: "لم نستطع الاحتفال في بلدنا، لكننا لا ننساه (..) كل مناسبة وطنية نقدم عروضاً رمزية، ليس الهدف الربح، بل أن يشعر الناس أن هناك شيئاً يجمعنا."
كما تقوم بعض محلات الحلويات بصناعة قوالب الكيك المزينة بعلم سوريا، وبسكويت وشوكولاتة مغلفة بأوراق وعبارات تحمل في مضمونها الفرح بالتحرير.
هذه الخطوة، ظاهرياً تجارية، لكنها تمثل شكلاً من أشكال التعبير الجماعي، خصوصاً في ظل غياب الاحتفالات في الشوارع والأماكن العامة.
احتفالات فردية.. ومشاعر جماعية
رغم وجود أعداد كبيرة من السوريين في مصر، تبقى الاحتفالات العامة محدودة ولا توجد تجمعات كبيرة خوفاً من حساسيات سياسية، كما يفضل معظم السوريين الحفاظ على صورة الاندماج والاستقرار داخل المجتمع المصري.
تقول جمانة مصطفى، سورية مقيمة في القاهرة: "بعض السوريين يشعرون أن الاحتفال الصاخب قد يُفهم بشكل سياسي، لهذا يفضلون التعبير عبر الرموز، لا عبر التجمعات."
تضيف جمانة: "سأقوم بتحضير احتفال للأهل والأصدقاء في المنزل، نسمع أغاني الثورة، ونعيد شعور الفرحة الأولى بتحرر البلاد وعودة عدد كبير من المهجرين."
النتيجة هي ما يمكن تسميته بالاحتفال الصامت: صور تُنشر على فيسبوك، أغانٍ وطنية داخل السيارات، لقاءات بين الأصدقاء والجيران.
اختلاف الأجيال في التعبير عن المناسبة
اللافت أن الجيل السوري الجديد، الذي وُلد في مصر أو جاء إليها صغيراً، يحتفل بالمناسبة بطريقة مختلفة، بالنسبة لهم الوطن هو ذاكرة سمعوها من أهاليهم أكثر مما عاشوها بأنفسهم.
تقول ريما العبد، طالبة سورية (15 عاماً) تعيش في القاهرة منذ 2013: "أنا لم أكبر في سوريا، ولكن أشعر بالانتماء إليها (..) يوم التحرير بالنسبة لنا هو اليوم الذي نشعر فيه أن لنا بلداً يمكن أن نعود إليه يوماً ما، وطناً حراً يحمينا."
بينما يرى الشباب الأكبر، خصوصاً من عاشوا قبل الحرب، أن اليوم يمثل "نسخة رمزية" من الاحتفال الحقيقي.
يقول أنس مرعي، شاب سوري من حمص: "نحتفل هنا، ولكن قلبنا يقول، لو كنا في سوريا كان الاحتفال سيكون أجمل، وكنا سنشعر بفرحة غامرة."
لماذا تبدو الاحتفالات "خجولة"؟
هناك عدة أسباب تجعل احتفالات السوريين في مصر هادئة وغير صاخبة، أولها الظروف السياسية الحساسة، حيث يتجنب السوريون أي مظاهر قد تُفسر بأنها موقف سياسي، مع التركيز على الاستقرار والحفاظ على علاقات ممتازة مع المجتمع المضيف.
ويضاف إلى ذلك القيود الرسمية، ففي العام الفائت، منع البلد المضيف أي مظاهر للاحتفال أو التجمعات بدون الحصول على تصريح، مما جعل الاحتفالات أكثر صعوبة.
وأيضا ضغوط الحياة اليومية، فكثير من السوريين يعملون لساعات طويلة، مما يجعل الاحتفال رفاهية، بالإضافة إلى غياب الاحتفال الرسمي، حيث لم تنظم السفارة في القاهرة أي نشاطات للجالية السورية المقيمة.
Loading ads...
وهكذا تتحول المناسبة إلى لحظة شخصية أكثر من كونها جماعية، لكنها مع ذلك تبقى حاضرة بقوة في الذاكرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


