هل يملك الاجتماع السياسي والأمني المعقود في طهران فرصة حقيقية لانتزاع تفاهم إقليمي يوقف كرة الثلج المتدحرجة، أو فلنقل "كرة النار" أم أنه لا يتعدى كونه محاولة لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة في لحظة حبس أنفاس كبرى؟
فمع الإعلان يوم الاثنين 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 عن عقد اجتماع رفيع المستوى في العاصمة الإيرانية طهران، يجمع بين مسؤولين إيرانيين وممثلين عن الدول الموقعة على "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، تأخذ الاتفاقية الدفاعية قوة إضافية إلى جانب وزنها العسكري، وهو الوساطة القوية المتأتية أساساً من قوة علاقات إسلام آباد وأنقرة بطهران.
يضم الوفد المؤكد رسمياً وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ووكيل وزارة الخارجية للدبلوماسية العامة السفير رائد قرملي، إلى جانب قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن. بينما يمثل الجانب الإيراني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي ونائبه علي باقري كني، مع ترتيب لقاء مرتقب للوفد مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وفق وكالة تسنيم.
اللقاء الذي بدا مفاجئاً للبعض ليس غريباً عن السياق الباكستاني الذي يفضل الوساطة على الحرب، إذ ينعقد بمبادرة تحركت منها إسلام آباد ودخلت على خطها جهود وساطة قطرية، ليشكّل أول تواصل مباشر يجمع إيران بجميع أعضاء تكتل اتفاقية مكة منذ اندلاع الحرب الإقليمية في 28 شباط/ فبراير 2026 بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، وما تلاها من اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار في 8 نيسان/ أبريل 2026 سرعان ما انهار تحت وطأة المواجهات المتقطعة واشتعال جبهة اليمن.
فهل يمكن الربط بين السعي المعلن لـ "خفض التصعيد وتشجيع الحلول الدبلوماسية"، وبين التسريبات والتقارير الاستخباراتية المسربة بشأن مخططات إيرانية لاستهداف الكابلات البحرية في الخليج أو البنية التحتية للطاقة كخطط طوارئ للحرب؟
النجاح في هذا السياق المعقد لا يعني إبرام معاهدة سلام شاملة، بل يكمن في تحقيق تهدئة مؤقتة تضمن وقف الهجمات الحوثية على السعودية -إن كان لكلمة طهران هذا الوزن عند الجماعة اليمنية"، وتأمين حركة الملاحة في المضايق البحرية، وإبقاء شريان الحوار المباشر مفتوحاً لتجنب الانهيار الكبير.
يأتي توقيت الاجتماع حرجاً للغاية، إذ يتقاطع مع سياق سياسي وأمني محتدم قبيل انتخابات إسرائيلية مقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية المحددة في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026.
لكن الأهم في التوقيت أنه في الوقت الذي تقتضي فيه مصلحة نتنياهو الانتخابية إشعال الجبهات، يشكل التوصل لاتفاق إنهاء حرب انتصاراً لترامب.
بناء على ما سبق، لم يعد مستغرباً أن ترامب بحسب ما نقلته شبكة "CNN" الأمريكية، وصحيفة "يديعوت أحرنوت" حين كشفتا عن سعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحصول على "ضوء أخضر" من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوجيه ضربة مشتركة ضد إيران قبل الانتخابات، غير أن ترامب رفض إعطاء الإذن وطالب بالتريث إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية.
مجرد الإعلان عن الأمر شكل ضربة لنتنياهو، فقد وصف مكتب نتنياهو هذه التقارير بـ "الأخبار الكاذبة"، بينما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنه "لا توجد نية لدى إسرائيل لبدء هجوم قبل الانتخابات". وفي المقابل، أشار تقرير يديعوت أحرنوت إلى أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أيال زامير أبلغ الجانب الأمريكي بأن الضربة القريبة قد تسفر عن إرجاء الانتخابات الإسرائيلية.
هذا التعاقب الزمني بين تأجيل العمليات العسكرية وانعقاد طاولة طهران، يمكن تفسيره على الأرجح بأن أطراف اجتماع طهران تستغل النافذة الزمنية القصيرة كـ "فرصة فرملة التصعيد"، فعلى الرغم من حاجة تل أبيب لإنعاش دفاعاتها الصاروخية وحاجة واشنطن لتفادي خضات أسواق الطاقة قبل الاقتراع، لكن لا شيء يضمن ألا تعود اندلاع شرارة المواجهة الشاملة في أي لحظة.
تستمد مجموعة الوساطة ثقلها الميداني والسياسي من "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" الموقعة في آب/ أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، والتي تنص صراحة على أن أي هجوم مسلح على أي دولة عضو يُعد اعتداءً على الجميع.
يرتكز وزن الوسطاء هنا على الجمع بين القوة العسكرية الباكستانية، والدبلوماسية الاستخباراتية التركية، والثقل المالي والسياسي السعودي، إلى جانب التكامل مع قنوات التهدئة القطرية الناشطة بين واشنطن وطهران، وفقاً لرويترز
لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين القدرة على جمع الأطراف في طهران والقدرة على انتزاع التزامات ملزمة وتنفيذها؛ فنفوذ الوسطاء يصطدم بحقيقة أن قرارات السلم والحرب الفعالة مرتبطة بقوة بحسابات البيت الأبيض وتل أبيب، وهي أطراف غائبة عن الطاولة.
بالتالي، تتكامل أدوار الأطراف الثلاثة في تشكيل جدار ردع أمني يمنع توسع شرارة الحرب إلى الخليج، لكنها تظل عاجزة عن تقديم ضمانات أمنية مطلقة لإيران ما لم تترافق مع موافقة أمريكية ضمنية.
لعل خيار "التفاهم المرحلي" هو الحد الأدنى المنطقي للمخرجات؛ بمعنى تثبيت وقف إطلاق النار عبر الخليج، ووقف الاستهداف الحوثي للمنشآت والمطارات السعودية، وتأمين ممرات الملاحة في مضيق هرمز مع تجنب المساس بالكابلات البحرية.
أما النتائج الأوسع، كإبرام معاهدة عدم اعتداء أو استئناف المسار النووي، فتستلزم رفع الحصار البحري الأمريكي واستجابة واشنطن لمطالب طهران، وهو ما تبدو دونه عقبات كأداء حالياً.
تختلف مكاسب وحسابات الدول المعنية؛ فالسعودية تسعى أولاً لحماية سلامة أراضيها ومرافقها الحيوية وصون استقرارها الاقتصادي، متحملة كلفة الاعتماد على دبلوماسية الوقاية مع جارة إقليمية صعبة.
وتكسب إيران تحصين ساحتها الخلفية، وعرقلة تشكل تحالف أمني أوسع ينطلق من جيرانها ضدها، وتأخير ضربات أمريكية وإسرائيلية متوقعة، هذا في حال نجحت في الضغط على حلفائها الحوثيين لكبح عملياتهم. أمّا تركيا وباكستان وقطر، فترسخ مكانتها كأعمدة رئيسية للهندسة الأمنية الإقليمية وصناع استقرار في الشرق الأوسط، والأهم أنهما لن تضطرا للدخول في الحرب عسكرياً.
وتظل "التهدئة الكبرى" البند الأول والأهم المرفوع على رأس أجندة المفاوضات الإقليمية في طهران، وهي غاية متفق عليها مبدئياً بين جميع الأطراف الراغبة في تدارك الانهيار العسكري الشامل. غير أن الفاتورة الاستراتيجية والأثمان المتبادلة المطلوبة لإنجاز هذه التهدئة هي ما يرفع الرهان على الطاولة إلى حده الأقصى، فبين اشتراط إيران تلبية مطالبها ورفع الحصار البحري لاستئناف الحوار التفاوضي، ومطالبة دول التكتل الإقليمي بضمانات حاسمة توقف هجمات الحوثيين وتحمي الملاحة وإمدادات الطاقة، تتبلور الحقيقة الصلبة الصانعة للمشهد.
Loading ads...
وبالتالي، فإن قدرة الاجتماع على التحول من مجرد "فرملة مؤقتة" إلى تهدئة مستدامة لن تتحدد بالنوايا المعلنة في الصياغات الدبلوماسية، بل بمقدار جاهزية الأطراف الوازنة لدفع الأثمان السياسية الصعبة فور انقضاء الغبار الانتخابي الأمريكي الإسرائيلي، أما المؤشر الحاسم للنجاح أو الفشل الميداني هو مدى انخفاض الصواريخ الحوثية واحتواء التوتر في مضيق هرمز عقب انقضاء الانتخابات الأمريكية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






