في مقاربة سوسيولوجية وفلسفية عميقة، يضعنا عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في أثره الوداعي "ريتروتوبيا" (Retrotopia) أمام تشريح دقيق لظاهرة "النكوص التاريخي". لم يعد المستقبل في الوعي المعاصر، ذلك الأفق المفتوح الذي تُسقط عليه البشرية طوباوياتها وأحلام الخلاص، بل استحال إلى بؤرة للرعب الوجودي والقلق المفرط. لتوضيح هذا الانقلاب، يستعير باومان المجاز الشهير لـ "ملاك التاريخ" عند فالتر بنجامين، مُحدثاً فيه التواءً مفاهيمياً جذرياً، فإذا كان ملاك بنجامين يُدفع قسراً نحو المستقبل وظهره إليه، وعيناه معلقتان بأسى على ركام الماضي المتراكم أمامه بفعل عاصفة "التقدم"، فإن ملاك باومان قد أجرى استدارة كاملة. إن العاصفة اليوم تهب من "جحيم المستقبل"، المثقل باللايقين والتهديدات السائلة، ما يدفع الملاك والبشرية معه إلى الفرار نحو "فردوس الماضي"، ماضٍ متخيّل، يُعاد اختراعه وتجميله ليغدو ملاذاً سيكولوجياً وسياسياً آمناً.
يُفكك باومان هذا الحنين، مجرداً إياه من براءته الرومانسية، فهو ليس مجرد توقٍ ساذج لزمن منقضٍ، بل هو في جوهره «شعور حاد بالفقد والاقتلاع»، يتشابك مع «علاقة غرامية مثالية ننسجها مع خيالاتنا الشخصية». وتكمن الخطورة المعرفية والسياسية لهذا النزوع في قابليته العالية لـ «الخلط المنهجي بين المأوى الفعلي والمأوى المتخيل». فالماضي الذي تستدعيه الجماعات المأزومة ليس تاريخاً موضوعياً بحمولته المعقدة، بل هو سردية انتقائية، تُشذّب منها التناقضات والصراعات، وتُضخّم فيها لحظات السيادة والانسجام. هكذا، يتحول الحنين إلى أداة أيديولوجية طيّعة، تُوظف لتغذية الحركات القومية المتطرفة، والسياسات الحمائية، وكراهية الأجانب (Xenophobia)، وصولاً إلى استدعاء نموذج الدولة الوطنية المغلقة كدرع واقٍ ضد ارتدادات العولمة السائلة.
يردّ باومان هذا الانكفاء إلى أزمة بنيوية أعمق تتمثل في "تفريد التقدم وخصخصة الخلاص". لقد تهاوت السرديات الكبرى والوعود الجماعية بالإصلاح الاجتماعي، ليُلقى بعبء الوجود كاملاً على كاهل الفرد. بات الإنسان المعاصر مطالباً بإدارة أزمات هيكلية لا يمتلك أدوات التأثير في أسبابها، فالفقر والتهميش والهشاشة لم تعد تُقارب بوصفها اختلالات في البنية السياسية والاقتصادية، بل تُرجمت إلى "إخفاقات شخصية" تستوجب الشعور بالعار. وفي ظل هذا الواقع، يُطالب الفرد باجتراح «حلول فردية لمشكلات ذات جذور اجتماعية»، ما أفرغ مفهوم "الحرية" من دلالته كفعل تحرر جماعي من القهر، ليحوله إلى مسؤولية فردية ساحقة داخل فضاء كوني منفلت من عقاله.
ضمن هذا الأفق، يستدعي باومان توماس هوبز، لا ليُعلن غياب الدولة، بل ليُشخّص تآكل وظيفتها الحمائية، فنحن ننزلق نحو حالة تقارب «حرب الكل ضد الكل» ليس لانعدام السلطة، بل لتبعثرها وعجزها الفادح عن احتكار العنف أو توفير الطمأنينة. لقد باتت القوة عابرة للحدود القومية، متحصلة في أسواق المال والشبكات العالمية، بينما ظلت السياسة محلية، مشلولة، ومجردة من الفاعلية.
من هنا، يتمدد تحليل باومان ليقرأ العنف المعاصر بوصفه ظاهرة تتخلق في رحم الهشاشة والإهانة والحرمان. إن وفرة السلاح، مصحوبةً بالتضخيم الإعلامي والمحاكاة الافتراضية، تجعل من العنف فعلاً قابلاً للعدوى الرمزية والتكرار. مستحضراً قاعدة تشيخوف الدرامية: «إذا ظهرت بندقية معلقة على الجدار في الفصل الأول من المسرحية... فلا بد أن تُطلق منها رصاصة في الفصل الثالث»، يؤكد الكاتب أن الأسلحة والتقنيات ليست أدوات محايدة، فمجرد توافرها يخلق احتمالات حتمية لاستخدامها، ويجعل العنف يبحث عن شرارته.
إلا أن جذور هذا عنف لا تقف عند حدود التقنية، بل تغوص في وحل الإقصاء الاجتماعي وسوق الاستهلاك، فالرأسمالية المعاصرة تطالب الجميع بالانخراط في طقوس الاستهلاك، مع حرمان السواد الأعظم من الموارد اللازمة لذلك. تكتسب العبارة الساخرة «أنا أتسوق، إذن أنا موجود» دلالة فلسفية مأساوية هنا، فالمُقصى من جنة الاستهلاك لا يُحرم من متعة مادية فحسب، بل يُجرّد من اعتراف المجتمع بوجوده، وتُسلب منه كرامته الإنسانية.
يُعدّ "الارتداد إلى القبيلة" أحد أبرز تجليات الريتروتوبيا. لا تُفهم القبيلة هنا كبنية أنثروبولوجية بائدة، بل كأي خندق هوياتي يقسم الوجود إلى ثنائية حدية: «نحن» في مواجهة «هم». في عالم تلاشت فيه الحماية المؤسسية وتآكلت الروابط التضامنية، تهرع الجماعات نحو دفء الهويات الضيقة. غير أن هذا الأمان المتوهم لا يُبنى إلا على أنقاض الآخر، وعبر إنتاج عدو دائم، «إن غاية القبيلة هي تحديد من يستحق المؤازرة ومن يستوجب القتل».
هذا الانتماء يفرض ضريبة أخلاقية باهظة، إذ يحيل الاختلاف إلى تهديد وجودي، ويحيل الحدود إلى أسوار عازلة. تتخذ هذه "القبلية المحدثة" لبوساً قومياً، وعرقياً، ودينيا أو حتى رقمياً.
ما إن تبدأ عملية رسم الحدود، وحفر الخنادق، وتشييد الأسوار المذيلة بالأسلاك الشائكة، حتى تُسخّر كل "الفوارق التي يلحظها البشر" لتبرير تفوق جماعة على أخرى.. فما الدافع وراء اختزال التباينات بين الفئات السكانية دوماً في علاقة تراتبية بين "أدنى وأعلى"؟ يكمن التفسير في "النزعة القبلية".
إن المصطلحات المختارة لصياغة السجال بين "القبائل الحديثة" تجعله يبدو وكأنه يقف على حد السكين، متسماً بالغلظة والتشدد، فبرغم احتمال حدوث توفيق بين الاختلافات أو تهجين أو اندماج في حالات عارضة، إلا أنها نادراً ما تكون مقصودة، ومن النادر جداً أن تكون مرغوبة. وفي ظل هذا الانقسام الحاد، تغدو المفاضلة الإقصائية بين "هذا أو ذاك" بديهية وقطعية، مما ينفي إمكانية الجمع بينهم، ويُقصي تماماً خيار الامتناع عن الاختيار بين موقفين بديلين يتسمان بالوضوح وعدم الرجعة.
وفي سياق كهذا، ينعدم التواصل الحقيقي، حيث يُتجاهل بانتظام أيُّ معطى يناقض الأطروحات التي يتبناها أي من الطرفين. فالناس لا ينصتون لبعضهم البعض لأنهم، في جوهر الأمر، لا يسمعون بعضهم، إذ يقتصر وعيهم على معالجة المعلومات التي تدعم معتقداتهم وتكتسي أهمية عاطفية لديهم، بينما يُنبذ ما دون ذلك أو يُمنع من النفاذ أصلاً. وفي مضمار تسكنه القبائل، تأنف الأطراف المتصارعة وتكف بعناد عن محاولات الإقناع أو التبشير أو استمالة الآخر، فدونية العضو في القبيلة الغريبة هي قيد قدري، سرمدي ولا برء منه، أو هكذا ينبغي أن تُعامل على الأقل. إن دونية "الآخر" يجب أن تُفهم كحالة متأصلة فيه لا تقبل الإصلاح، ووصمة عار لا تُمحى، مُقدّر لها أن تقاوم كل محاولات التأهيل الممكنة.
وبمجرد إرساء قطيعة بين "نحن" و"هم" وفق هذه القواعد، تكف اللقاءات بين الخصوم عن السعي لتهدئة حدة النزاع، بل تتحول إلى فرصة لتحصيل أو اختلاق مزيد من الأدلة التي تثبت أن التهدئة تتعارض مع العقل وتفتقر إلى أي مسوغ. ولتجنب تعقيد المسألة ودرءاً للمخاطر، لا يتوجه أعضاء القبائل المختلفة بالخطاب لبعضهم بعضاً في حلقة مفرغة من الاستعلاء، بل يتحدثون لأنفسهم فقط.
تتغذى هذه النزعات في الغرب من مشاهد الهجرة واللجوء، فاللاجئ لا يُرى كضحية لعالم غير عادل، بل كـ "تجسيد مادي" لهذا الاختلال، كونه يجلب فوضى العولمة إلى العتبات المحلية. وتتبلور الاستجابة القبلية في وعود عبثية بحل معضلات كونية عبر إجراءات محلية (الجدران، الترحيل)، متجاهلة حقيقة أن «المعضلات العالمية تقتضي بالضرورة حلولاً عالمية».
ينتقل التحليل إلى تفكيك "العودة إلى اللامساواة" بوصفها انقساماً أنثروبولوجياً يصدّع جسد المجتمع. مستعيداً مجاز بنجامين دزرائيلي عن «الأمتين» (أمة الأغنياء وأمة الفقراء)، يوضح باومان أن اللامساواة المعاصرة تجاوزت التفاوت المادي لتصبح انفصالاً كاملاً في اللغة، والخبرة المعيشية، والحيز المكاني. لقد انهار ميثاق الرفاه الاجتماعي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، والذي قام على الاعتماد المتبادل بين العمل ورأس المال، ليحل محله رأس مال منفلت من الالتزامات الجغرافية والاجتماعية، تاركاً العمالة في العراء.
تتجلى هنا مأساة الديمقراطية بانتقال السلطة من قاعدة «صوت لكل مواطن» إلى «صوت لكل دولار». تعيد الثروة هيكلة المجال السياسي، مُحولة اللامساواة إلى أزمة في الكرامة والمعنى. بيد أن باومان يرفض الحتمية الماركسية القائلة بأن هذا التفاوت سيولد حراكاً ثورياً بالضرورة، ففي مجتمع سائل ومُفردَن، لا يتبلور الغضب في تضامن طبقي، بل يتشظى إلى مقارنات فردية وحرمان نسبي عائم. وهنا تبرز الأهمية الفلسفية لمفهوم "الحرمان النسبي" «يجب دائماً فهم الحرمان النسبي بوصفه شعور بالنقص قياساً إلى الآخرين، لا حرمان موضوعي بالضرورة».
يتعزز السخط لا في قاع البؤس المطلق، بل عندما تتسع الفجوة بين الفرد والجماعة المرجعية التي يقيس عليها استحقاقاته أو بين حياته الحالية وماضيه. وفي عصر الشاشات المفتوحة، تحولت المقارنة من الفضاء المحلي المحدود إلى فضاء كوني لانهائي. صار الحرمان حالة سائلة وجوالة، فكل عرض للرفاهية عبر الإنترنت يُعاش كإهانة شخصية وتأكيد على الإخفاق الذاتي. تُدار هذه المنافسة كلعبة صفرية، يتحول فيها نجاح الآخر إلى خصم من رصيد الفرد، ما يجهض أي إمكانية للتضامن، ويدفع نحو مزيد من العدوانية والارتداد للقبيلة أو الذات.
ولإدارة هذا الحرمان، توظف الرأسمالية آلية "الاستهلاك المُرائي". لا تُخفى الامتيازات، بل تُعرض بعناية لرفع سقف التطلعات، لتصبح أسطورة «تساقط الثروة» من الأعلى إلى الأسفل كذبة اقتصادية فلن ينوب الفقراء من غنى الأغنياء شيء، بل تصبح حقيقة سيكولوجية (نفسية)، حيث "تتساقط" الرغبات والصور بدل المال، مولدة عوزاً وشعورا بالقهر لا ينتهي.
أمام هذا التوحش البنيوي، لن يتبلور وعي طبقي ثوري كما تنبأ لينين أو ماركس. بدلاً من ذلك، تم تفريغ التضامن الإنساني من محتواه، واستُبدلت "السياسة الكبرى" بـ "سياسات الحياة" الفردية. كما يقول رونالد أرونسون "يجري الآن خصخصة الأمل... نلحظ انزياحاً زلزالياً ينقل الطموحات والمسؤوليات من الحيز الاجتماعي العام إلى عوالمنا الفردية الخاصة."
في مجتمع معزول، تحول الإنسان المعاصر إلى "الإنسان السيكولوجي" المأزوم، أو "النرجسي" الذي وصفه كريستوفر لاش. هذا النكوص نحو المركزية الذاتية ليس مجرد انحراف نفسي فردي، بل هو استجابة مرضية لاضطراب في البنية الاجتماعية.ويقع عبء معالجة الأزمات الهيكلية، على الفرد وحده، فتحول البحث عن المعنى إلى هوس استهلاكي بـ "الرفاه الشامل" واستحال التضامن إلى ارتياب متبادل، وأصبح الآخر مجرد منافس مهدد أو حليف مؤقت.
وعندما تصبح الذات مشروعاً استهلاكياً لا يكتفي بإشباعٍ زائف، وتغدو العلاقات سائلة ومحفوفة بالخوف من الالتزام، يلوح في الأفق حلم "العودة إلى رحم الأم/النيرفانا" بوصفه أقصى حالات الريتروتوبيا تطرفاً إنها الرغبة في التلاشي، قبل الاختيار، وقبل الآخر. يُسفّه باومان هذا الحلم، مؤكداً أن الإنسان لا يتحقق وجودياً خارج إطار الاعتراف الاجتماعي المتبادل، فالرحم يُقصي الآخر، وبالتالي يُلغي شرط الإنسانية. الانسحاب، سواء للذات أو القبيلة، لا يعالج الأزمة، بل يكرسها.
عند إخضاع الواقع السوري لعدسة باومان، يتكشف تمايز جوهري، إن ما يتجلى في الغرب كأزمة "حداثة متأخرة ومفرطة" ناتجة عن تخمة الفردانية وتآكل دولة الرفاه، يتبدى في سوريا كأزمة "حداثة ممزقة" أنتجتها عقود القمع والحرب، وتهتك المجال العام، والانهيار المؤسسي. يحن الغربي إلى الماضي فراراً من مستقبل سائل، بينما يحن السوري لأن حاضره ذاته قد أُبيد.
إن الحنين السوري هو "حنين جريح" نابع من الفقد المعمّد بالدم والمنافي. غير أن هذه الريتروتوبيا تحمل خطراً مضاعفاً حين تُوظف في تزييف الماضي وتسويغ الاستبداد والقمع لمجرد أنه كان يترافق مع استقرار سطحي، متناسية أن هذا الماضي هو الذي ولّد كارثة الحاضر. الخطر هنا هو السقوط التام في فخ الخلط بين "المأوى الحقيقي" و"المأوى المتخيل".أما "خصخصة الخلاص" في السياق السوري، فتتجلى في أقسى صورها عبر مقولة «دبّر حالك». في ظل عجز الدولة وعقم المؤسسات، يُترك الفرد أعزل في مواجهة آلة سحق يومية، لا لتطوير ذاته كما في الغرب، بل لمجرد تأمين حد الكفاف والبقاء على قيد الحياة، إنها خصخصة للنجاة في أقصى درجات العنف البنيوي.
Loading ads...
وفي ظل هذا التشظي، لم يعد الارتداد للقبيلة أو الطائفة ارتداداً فلكلورياً، بل ضرورة سيكولوجية بديلة عن دولة متداعية. تحوّل الماضي من سياق للمعرفة إلى مستودع للأسلحة الرموزية (استحضار الأمويين، العباسيين، الأيوبيين المظلوميات الطائفية.. الخ)، حيث تُستدعى أشباح التاريخ لا لتقرأ، بل لتُقاتل بالوكالة في حروب الحاضر وتُشرعن إقصاء الآخر. إن الطائفية والانغلاق الهوياتي في سوريا ليسا مخلفات ماضٍ عنيد، بل أعراض "حاضر مستعصٍ" عجز عن ابتكار مستقبله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
لماذا نهرب إلى الماضي؟
منذ ساعة واحدة
0

