جيدٌ أن نأتْ سوريا الجديدة بنفسها عن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. ورغم المزاج الشعبي، وحتى الرسمي العام، الذي لم ينسَ انخراط إيران وميليشياتها الطائفية مع نظام بشار الأسد في جرائمه ضد الشعب الثائر، وتأخير طهران السقوط “الحتمي” للنظام في دمشق، فإن القيادة الجديدة تصرّفت بمسؤولية عندما نأت بنفسها، ولم تذهب إلى تأييد الحرب ودعم إسقاط النظام الإيراني، رغم المزاج الشعبي المؤيد لذلك إلى حدٍّ كبير، في تجسيدٍ للمقولة التاريخية الصحيحة: إن القيادة المسؤولة تفعل ما يحتاجه الشعب لا ما يريده.
ولا يقلّ أهميةً عن ذلك، بالطبع، رفضُ المشاركة في الحرب بأي حال من الأحوال، لا سياسياً ولا إعلامياً ولا لوجستياً، مع رفض دعوات استخدام الأراضي السورية وفتح جبهة الجولان ضد إسرائيل لما لذلك من تبعات كارثية، وهو ما لم تفعله أصلاً إيران وميليشياتها، كما لم يفعله نظام الأسد الساقط طوال عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.
كما لا ينبغي الانتباه أو التركيز على الشائعات غير الصحيحة التي زعمت الموافقة على انتهاك الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية أثناء الحرب الراهنة، وحتى في السابقة، حيث استُخدمت الأجواء الأردنية والعراقية بشكل أساسي لتدمير الدفاعات الجوية في طهران ومحيطها، بينما انتهكت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية الأجواء السورية، وتعمدت إسرائيل إسقاطها بعيداً عن مستعمراتها، وتحديداً في المثلث الحدودي بين محافظة درعا والأردن وفلسطين المحتلة.
لم تقع القيادة السورية في الفخ السهل للانتقام من النظام الإيراني ودعم توجيه ضربة له أو حتى إسقاطه، مع الانتباه كذلك إلى حقيقة أنه بات ضعيفاً ومحاصَراً ومعزولاً، ولا يستطيع، حتى لو أراد، التشويش أو عرقلة سيرورة النهوض بسوريا الجديدة.
إذن، نأتْ سوريا الجديدة بنفسها عن التصعيد السياسي والإعلامي، ثم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وهو موقف صحيح ومسؤول، إذ لا مصلحة لها في الانخراط في الحرب ولا حتى إبداء موقف منها، كونها ليست مضطرة إلى ذلك. وينطلق هذا من المصلحة الوطنية العليا، مع الانشغال بسيرورة البناء والتنمية وحلّ المشكلات والأزمات العديدة والمتفاقمة التي تعانيها البلاد على مختلف المستويات، بعدما تركها الأسد مدمّرة ومحروقة.
وعلى صلةٍ بالمعطى نفسه، يُحسَب للقيادة السورية أنها لم تنخرط في التحريض على الحرب والخيار العسكري ضد إيران وملفاتها المعقدة الثلاثة: المشروعان النووي والصاروخي، والأذرع الإقليمية، ولا في دعوات إسقاط النظام في طهران، مع فهمها لتبعات هذا الخيار الكارثية على المنطقة ككل، بما فيها سوريا بالطبع.
إضافةً إلى ما سبق، ثمة تنبّه لدى سوريا الجديدة إلى البعد الإسرائيلي في التحريض على الحرب وإشاعة أجواء الفوضى في المنطقة، لصرف الانتباه عن احتلالها لفلسطين والأراضي العربية في سوريا ولبنان، وتبرير سياستها العدوانية في المنطقة، والسعي إلى فرض هيمنتها بحجة مواجهة النظام الإيراني وحلفائه والدفاع عن أمنها ومصالحها.
وعليه، لم تقع القيادة السورية في الفخ السهل للانتقام من النظام الإيراني ودعم توجيه ضربة له أو حتى إسقاطه، مع الانتباه كذلك إلى حقيقة أنه بات ضعيفاً ومحاصَراً ومعزولاً، ولا يستطيع، حتى لو أراد، التشويش أو عرقلة سيرورة النهوض بسوريا الجديدة.
وبناءً على ما سبق، فليس صحيحاً البتة الحديث عن موافقة سوريا الجديدة على عبور الطائرات الإسرائيلية والأميركية أجواءها، ولا عن استغلال واشنطن الأراضي السورية في الحرب ضد إيران، إذ لم تعد تملك قواعد أو معسكرات كبرى، ولا حتى صغرى، صالحة ومناسبة لذلك.
والموافقة المزعومة وردت ضمن الشائعات الممنهجة التي جرى ترويجها لتشويه أو التشويش على سيرورة نهوض وبناء سوريا الجديدة، علماً بأن الأمر غير مطروح بتاتاً في مفاوضات تحديث الاتفاق الأمني "فك الاشتباك 1974"، التي لم تتنازل فيها الدولة السورية عن مصالحها وحقوقها وسيادتها ووحدة وسلامة أراضيها، مع الإصرار على الجوهر الأمني للاتفاق، وتحديثه تقنياً بما يكفل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى خطوط 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع رفض التفريط أو المقايضة بهضبة الجولان السورية المحتلة.
هنا لا بدّ من التذكير بالحرب قبل الأخيرة –حزيران/يونيو الماضي– حيث استخدمت إسرائيل بشكل مركزي الأجواء الأردنية والعراقية لتدمير منظومات الدفاع الجوي في طهران والمدن الكبرى في وسط وغرب البلاد خلال ثلاثة أيام، لفرض السيطرة الكاملة على الأجواء الإيرانية، وهو ما تكرر حرفياً تقريباً في الحرب الراهنة.
بالعموم، تقوم سوريا الجديدة بمسؤولياتها للدفاع عن مصالحها وأمنها واستقرارها، ومن الجهة المقابلة ترفض استخدام أراضيها لفتح جبهة ضد إسرائيل من أي طرف كان، وهو ما لم تفعله إيران وميليشياتها ولا نظام الأسد، رغم التشدّق بوحدة الساحات لسنوات، حيث تُركت غزة وحيدة في مواجهة آلة القتل والإبادة الإسرائيلية.
أما الحديث عن تحريك ونشر قوات في الجنوب والحدود الشرقية والغربية، فهو إجراء احترازي لمنع أي طرف، أياً كان، من استخدام الأراضي السورية لتوجيه رسائل أو خدمة أجندات أجنبية.
لا شك في أن سوريا الجديدة ستستفيد إيجاباً من انشغال إيران بنفسها لسنوات طويلة، مع تغليب احتمال بقاء النظام شبه منهار، ضعيفاً ومثخناً ومعزولاً.
وفي الموقف العام من الحرب، تجب الإشارة كذلك إلى إدانة سوريا الهجمات الإيرانية العدوانية وغير المبررة ضد دول الخليج العربي والعراق والأردن، وهذا يندرج ضمن الموقف العربي العام الرافض للحرب أصلاً، والداعم للخيارات السياسية والدبلوماسية تجاه إيران، مع تحييد العامل الإسرائيلي المؤذي والضار بالمنطقة وأمنها واستقرارها.
أخيراً، وفيما يخص تداعيات الحرب، فالمسألة مبكرة وقصة أخرى. لكن مبدئياً، لا شك في أن سوريا الجديدة ستستفيد إيجاباً من انشغال إيران بنفسها لسنوات طويلة، مع تغليب احتمال بقاء النظام شبه منهار، ضعيفاً ومثخناً ومعزولاً. كما سقطت عملياً قصة الأذرع والوكلاء، مع قرار الحكومة اللبنانية إخراج الجناح العسكري لحزب الله عن القانون، وترسيخ فكرة حلّ الميليشيات في العراق، وعزل جماعة الحوثي في اليمن، وربما حتى سقوطها تاريخياً وفكرياً وسياسياً مع سقوط نظام الأسد.
Loading ads...
وبالتالي، على سوريا الانشغال بنفسها والانكباب على تحدي التنمية والبناء وإعادة الإعمار على كافة المستويات، ليس العمرانية فقط على أهميتها، وإنما الوطنية والدستورية والمؤسساتية كذلك. أما الحديث عن هيمنة إسرائيلية بعد الحرب فليس دقيقاً ولا حتمياً، ويبدو حتى الآن أقرب إلى الدعاية، في وقت يتشكل فيه محور، أو على الأقل تفاهم عربي–إسلامي واسع، لا مكان لإسرائيل فيه، للدفاع عن أمن واستقرار المنطقة، على قاعدة رفض المشاريع والخطط الانفصالية والخيارات الحربية التي تدعمها تل أبيب سراً وعلانية، وترسيخ مظلة حماية واسعة لسوريا الجديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



