3 أشهر
الطريق غير ممهد.. كيف تحرم البنية التحتية المكفوفين في سوريا من الحركة؟
الجمعة، 23 يناير 2026
على الرغم من وضوح الإعلان الدستوري الذي نص صراحة على حقوق ذوي الإعاقة، ما زال المكفوفون في سوريا يواجهون واقعا مليئا بالتحديات التي تعيق اندماجهم ومشاركتهم الفاعلة في المجتمع.
تبدأ هذه العقبات من نقص فرص العمل، مروراً بصعوبات التعليم وغياب البرامج التي تستجيب لاحتياجاتهم الأساسية مثل تعلم طريقة البرايل واستخدام الحاسوب، وصولا إلى ضعف حساسية الحكومة في بعض الخدمات والمرافق العامة المخصصة لهم.
من هنا يظهر التحدي في تحويل النصوص القانونية إلى خطوات عملية ملموسة تشمل توفير الرعاية الصحية والدعم النفسي والتعليمي، إلى جانب برامج دمج اجتماعي تضمن للمكفوفين حياة طبيعية تحفظ لهم كرامتهم الإنسانية وتكسر دائرة التهميش لقضاياهم.
في هذا التقرير نسلط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه المكفوفين في سوريا اليوم، في ظل التغيرات الجذرية التي تشهدها، ونستعرض أهم الخدمات التي يحتاجون إليها ليكونوا جزءاً فاعلاً من المجتمع وليسوا عالة على أحد.
العملة الورقية الجديدة لا تكفي
خلال حفل إطلاق العملة الورقية في دمشق وبحضور رسمي، لفتت الأنظار لحظة دخول وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات برفقة أحد المكفوفين، وهو يتلمس الورقة النقدية التي صُممت بخطوط نافرة لمساعدتهم على معرفة قيمتها. رغم أن هذه الخطوة تعكس محاولة الحكومة إظهار حساسية تجاه قضايا ذوي الإعاقة البصرية، إلا أن السؤال يبقى مطروحاً: هل يكفي هذا الحل من وجهة نظر الكفيف؟
وسيم كركور، شاب كفيف، يبلغ من العمر 33 عاماً، ويقيم في دمشق، حاصل على شهادة في الأدب الإنكليزي، عمل من خلال مبادرة "اقرأ بعيون التطوعي" على إطلاق تطبيق عبر الهاتف الجوال يساعد المكفوفين في قراءة العملة الورقية وتحديد قيمتها.
يقول وسيم في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "الخطوط النافرة على العملة الورقية الجديدة قد لا تعتبر فعالة بالشكل المطلوب، لأنها معرضة للزوال أو قد يظهر نتوء في الورقة عند تعرضها للطي أو التجعد. لذلك عملنا على إطلاق تطبيق قارئ للعملة، وهو ما يزال قيد التجريب والتطوير، لكنه يمثل حلاً مؤقتاً يساعد الكفيف على معرفة قيمتها عند عرضها لكاميرا الجوال".
ورغم أهمية هذا التطبيق بما يتناسب مع الظروف الحالية لسوريا، إلا أن وسيم يرى أنه قد يكون غير عملي في بعض الحالات، موضحاً: "تخيل أن يكون لديك مبلغ كبير وتريد أن تعدّه، هنا سيستغرق الأمر وقتًا طويلاً عبر التطبيق، الحل الحقيقي لمساعدة المكفوفين في تحديد قيمة العملة النقدية يبقى من خلال الدفع الإلكتروني ووجود محفظة إلكترونية".
الطرقات تحرم حق الحركة للمكفوفين
تشهد العديد من شوارع سوريا أعمال إعادة إصلاح وترميم للبنية التحتية، لكن من الملاحظ هو إعادة ترميم وإصلاح معظم الطرقات والأرصفة بطريقة غير حساسة لاحتياجات المكفوفين. فالطرقات التي تحتوي على نتوءات وتصميمات نافرة تساعد الكفيف على تحديد مساره سواء من خلال القدم، أو باستخدام العصا، ومعرفة الطريق الذي يسير فيه، وهي ميزة تفتقر إليها غالبية الشوارع السورية، إضافة إلى الحفر التي قد تعيق حركة الكفيف وتؤدي إلى سقوطه.
من خلال الحديث مع عدد من المكفوفين والمكفوفات، جميعهم أكدوا لموقع تلفزيون سوريا أن غياب الترميم الملائم لهم يعيق الحركة والسير، وقد تصل في البعض إلى شلل حياتهم اليومية في حال لم يتوفر أحد من عائلتهم لمساعدتهم.
يزداد هذا التحدي تعقيداً بالنسبة للمرأة الكفيفة، كما أوضحت ديما دهنن، البالغة من العمر 33 عاماً، تعيش في إدلب، وتعمل معلمة لتعليم طريقة البرايل للنساء الكفيفات.
تقول ديما في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: "لاحظت أن بعض الأهل يدمرون الكفيفة من خلال إبقائها في المنزل، خاصة في ظل غياب وسائل وأدوات للتنقل تساعدها على الحركة".
وأضافت: "عائلتي كانت داعمة لي، وتعلمت أن أخرج وأعتمد على نفسي. حاولت أن أوصل الكفيفات إلى المرحلة التي وصلت إليها. النساء الكفيفات بحاجة إلى طرقات مصممة بشكل مناسب، حتى لا يضطررن لطلب المساعدة في مجتمعات قد تفرض قيوداً عليهن".
"العصا البيضاء"
ولمواجهة هذا التحدي الذي ما زال غائباً عن أولويات الحكومة في إعادة تصميم الطرقات بما يستجيب لوضع المكفوفين، تم إطلاق مبادرة "أنر دربي" لتصميم وتصنيع العصا البيضاء التي يعتمد عليها الكفيف في السير وتحسس الطريق من دون الحاجة لمساعدة أحد.
وسيم كركور أحد المشاركين في المبادرة، يقول لموقع تلفزيون سوريا: "عملنا على توزيع عصا بيضاء في عدة محافظات سورية، حيث صممنا وصنعنا العصا ووزعنا نحو 8000 عصا".
أما ديما فتعتقد أن الدولة والمجتمع المدني يتحملون معاً مسؤولية دعم الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية فيما يتعلق بالمواصلات. وتضيف في حديثها للموقع: "من أهم التحديات التي تواجه الكفيفات أنهن لا يستطعن الحركة بسبب الطرقات غير المؤهلة. نحن بحاجة لتوفير دعم لهم سواء من خلال توفير المواصلات أو حتى دعم رمزي نتيجة لظروفهن، كما نحتاج إلى خدمات خاصة بالكفيف. على سبيل المثال في إدلب وعدة محافظات سورية توجد برامج للنقل وتوفير سيارات أجرة مثل (يلا غو)، لكن لماذا لا يتوفر تطبيق خاص بالكفيفين وخاصة النساء منهم".
التعلم أداة الكفيف للعيش
هند سيلو، 43 عاماً، كفيفة تعيش مع عائلتها في مدينة إدلب، حيث ولدت هي وأخوتها فاقدي البصر نتيجة لأسباب وراثية. كانت تحلم أن تصبح مدرسة، لكن الظروف حالت دون تحقيق حلمها. إذ توقفت عند المرحلة الثانوية ولم تتمكن من نيل شهادة البكالوريا بسبب إغلاق المدرسة الخاصة بالمكفوفين آنذاك.
تقول هند في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: "كنت أحلم أن أصبح معلمة، ولكن بعد إغلاق المدرسة لم أستطع متابعة تعليمي. وضع عائلتي المادي لا يسمح بتحمل تكاليف التعليم، وأنا بحاجة لمساعدة ومدرسين خصوصيين، خاصة أنني أعيش مع إخوتي الكفيفين على نفقة أخي، وهو غير قادر على تحمل كل هذه الأعباء".
من جانبها تشير ديما إلى أهمية وجود معاهد ومراكز متخصصة لتعليم طريقة البرايل، التي تعتبر من أساسيات حياة الكفيف. فقدت ديما بصرها في سن الثالثة عشرة، حينها التحقت بمدرسة خاصة للمكفوفين حيث تعلمت البرايل ووجدت شغفها بها، ثم نقلت خبرتها إلى نساء كفيفات أخريات. تقول ديما: "طريقة البرايل تحتاج أدوات خاصة للأسف لا تتوفر دائماً، كما أن المراكز التعليمية شبه غائبة اليوم. تعلم البرايل يستغرق نحو ستة أشهر، ونحن بحاجة لدعم لإعادة فتح هذه المراكز وتأهيلها".
أما وسيم كركور فيعمل بشكل أساسي على تعليم الأطفال المكفوفين اللغة الإنكليزية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية ضمن "مدرسة بسمة أمل"، وهو معهد خاص بتعليم الأطفال ذوي الإعاقة. ويؤكد وسيم أن اللغة الإنكليزية باتت ضرورية في حياة الأطفال المكفوفين، إذ تدخل بشكل أساسي في عالم التكنولوجيا الذي أصبح عصب الحياة بالنسبة لهم، حيث يعتمدون على الهواتف والتطبيقات في مختلف تفاصيل حياتهم. يقول وسيم: "اللغة الإنكليزية مهمة جداً في حياة ذوي الإعاقة البصرية في مجال التكنولوجيا واستخداماتها. أغلب البرامج والتطبيقات تعتمد على الإنكليزية، كما أنها تدخل في مجالات علمية مثل البرمجة".
كما يرى أن التعليق الصوتي أصبح اليوم من الأدوات الأساسية في حياة المكفوفين، وتساعدهم في نقل المعرفة لهم سماعياً وتسهل عليهم التعلم، وبحاجة لدعم المبادرات المجتمعية التي توفر هذا النوع من التعليم.
في هذا السياق تبقى الأنظار موجهة نحو جهود الحكومة، خاصة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حيث تشرف على معهد التربية الخاصة لتأهيل المكفوفين في حلب ودمشق وحماة. يعمل المعهد على توفير التعليم الأكاديمي وفق مناهج وزارة التربية، وتدريس الطلاب المكفوفين من الصفوف الأساسية وحتى الشهادات باستخدام طريقة البرايل، مع تدريبهم على القراءة والكتابة بها. كما يتم تدريب الطلاب الأكبر سناً على مهارات مهنية بسيطة تتناسب مع قدراتهم، لمساعدتهم لاحقاً في الحصول على فرص العمل.
وعلى الرغم من أهمية الدور الذي تقوم به وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، لكن التحديات تبقى سيدة الموقف، ومن أهمها عدم توفر هذه المعاهد في العديد من المحافظات السورية، ومحدودية القدرة الاستيعابية، إذ يستقبل المعهد في مدينة حلب ما يقارب 80 طالباً فقط، إضافة إلى وجود نقص في الكوادر المختصة والخبرات حسب ما صرحت به الدكتورة مها سلب، مديرة المعهد في حلب.
وتتابع الدكتورة مها في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا: "تحظى قضايا الإعاقة باهتمام رسمي متزايد ينعكس في تخصيص الموارد ودعم المشاريع التشريعية التي تعزز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير البنى التحتية للمراكز المتخصصة. لكن التطبيق على أرض الواقع ما زال بحاجة إلى المزيد من العمل، حيث إن التعليمات التنفيذية لهذه التشريعات غالباً ما تكون فضفاضة أو غير واضحة، ولا يتم التأكد من تنفيذها بالشكل المطلوب".
تلفت الدكتورة مها الأنظار إلى قضية أخرى تتعلق بعدم القدرة على استقبال الأشخاص ذوي الإعاقة المتعددة، مثل من يجمع بين فقدان البصر وإعاقة ذهنية أو حركية من قبل الجهات والمؤسسات التي تعمل في هذا المجال بسبب نقص الخبرات المؤهلة للتعامل مع هذه الحالات.
تقول: "نقبل بعض الحالات تجاوزاً للنظام الداخلي فقط لمساعدتهم على الاندماج الاجتماعي، لكننا لا نستطيع تقديم الاستجابة المناسبة لهم".
ليست الحكومة وحدها من تتحمل مسؤولية الاستجابة لذوي الإعاقة البصرية، وإن كانت تتحمل الدور الأهم والأساسي انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه المواطنين المكفوفين، إلا أن منظمات المجتمع المدني تتحمل أيضاً هذه المسؤولية.
إيمان الشبلي ناشطة في مجال العمل الإنساني، وتعمل في المكتب التنفيذي بمنظمة سوار، عملت على تنفيذ مشاريع لدعم النساء الكفيفات. تقول: "شاركنا في مشروع سوار النور عام 2023 في إدلب لدعم النساء الكفيفات، حيث وفرنا لهم مجموعة من الأنشطة، ثم أطلقنا برنامج سوار حلب2 عام 2025، حيث نستهدف الكفيفات بمجموعة من الأنشطة التعليمية والترفيهية، منها تعليم لغة البرايل واستخدام الحاسوب والكورال والرسم النافر وغيرها من الأنشطة، لكن هذا الدور يحتاج إلى دعم وتنسيق مع الجهات الرسمية".
Loading ads...
يذكر أن العالم يحتفل سنوياً في 15 من تشرين الأول/أكتوبر باليوم العالمي للمكفوفين المعروف بـ "يوم العصا البيضاء". ويبقى التعليم والاندماج الاجتماعي الطريق الأهم لتمكين المكفوفين في سوريا. وبين نقص المراكز التعليمية، وضعف البنية التحتية، وغياب الدعم الكافي، يظل حلم الكفيف في التعلم والعيش باستقلالية مؤجلاً. ومع ذلك، فإن المبادرات المجتمعية والجهود الفردية تثبت أن الاستثمار في حقوق المكفوفين ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


