ساعة واحدة
ما بعد التصعيد.. صياغة عقيدة أمنية جديدة بين الخليج وأوروبا
الأحد، 17 مايو 2026
لماذا تتجه أوروبا لتعزيز شراكتها الأمنية مع الخليج؟
لحماية أمن الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد.
ما أبرز مجالات التعاون الدفاعي الجديدة بين الجانبين؟
الدفاع الجوي والأمن السيبراني والطائرات المسيّرة.
تعيد أوروبا ودول الخليج صياغة أولوياتها الأمنية بعد تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، مع انتقال التعاون بين الجانبين من الشراكات الاقتصادية إلى تنسيق دفاعي وأمني أوسع، مدفوع بتهديدات الملاحة والهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة.
وتكشف التحركات الأوروبية والخليجية خلال 2025 و2026 عن توجه نحو بناء شراكة أمنية أكثر استقلالاً، تقوم على توسيع التعاون البحري والدفاع الجوي وتبادل المعلومات، في ظل انعكاس اضطرابات مضيق هرمز مباشرة على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، تتجه أوروبا ودول الخليج إلى ترسيخ مفهوم "الأمن المترابط" قاعدةً جديدة للعلاقات بين الطرفين، بعدما كشفت الحرب المرتبطة بإيران هشاشة الممرات البحرية العالمية، وأعادت طرح سؤال الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.
وبحسب تقرير نشره المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI)، في 12 مايو 2026، دفعت التطورات الأخيرة الاتحاد الأوروبي إلى تسريع مسار "استقلالية القرار الأمني"، عبر تعزيز السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة، وتوسيع الهياكل الدفاعية الأوروبية.
وجاء ذلك بالتوازي مع تنامي دور الخليج فاعلاً أمنياً يسعى لتنويع شراكاته الدولية وتقليص الاعتماد الكامل على واشنطن.
وفي هذا السياق، أكدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، في مقابلة مع صحيفة "عرب نيوز" في 9 أبريل 2026، أن "أمن أوروبا ودول الخليج بات مترابطاً بشكل وثيق"، مشددة على ضرورة الوصول إلى تسوية سياسية للحرب.
كما أوضحت كالاس، وفق وكالة الأنباء السعودية "واس" في 11 مايو 2026، أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ناقشوا في بروكسل سبل تعزيز العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب مستقبل عملية "أسبيدس" البحرية الأوروبية، الهادفة إلى حماية حرية الملاحة، مؤكدةً أن الاتحاد يعتزم رفع مستوى انخراطه ضمن المهمة.
وتزامن ذلك مع تحركات أوروبية متسارعة لدفع الشراكة مع الخليج نحو إطار استراتيجي أوسع، بعدما منح المجلس الأوروبي في يوليو 2025، تفويضاً لبدء مفاوضات تشمل الأمن السيبراني والسياسة الخارجية والدفاع، استكمالاً لمخرجات القمة الأوروبية الخليجية في بروكسل عام 2024.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن أمن الطاقة وسلاسل التوريد بات مرتبطاً مباشرة باستقرار الخليج، خاصة مع تصاعد التهديدات في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وارتفاع المخاوف من تعطل إمدادات النفط والغاز والتجارة البحرية.
وتحولت أزمة مضيق هرمز تدريجياً إلى اختبار عملي لشكل التعاون الأمني الجديد بين أوروبا والخليج، بعدما فرضت الهجمات البحرية والتهديدات الإيرانية واقعاً دفع الجانبين إلى توسيع التنسيق العسكري والبحري بصورة غير مسبوقة.
ويعبر عبر مضيق هرمز نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، ما يجعله نقطة ارتكاز لأمن التجارة والطاقة.
ومع تصاعد التوترات، أعلن الاتحاد الأوروبي في فبراير 2026 تمديد مهمة "أسبيدس" البحرية حتى 28 فبراير 2027، مع تخصيص ميزانية إضافية بقيمة 15 مليون يورو (17.1 مليون دولار)، لتأمين السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، بالتوازي مع استمرار بعثة "إيماسوه" وعملية "أجينور" في مضيق هرمز.
وتشير المعطيات الأمنية إلى تحول طبيعة التهديدات في المنطقة، بعدما تجاوزت الزوارق السريعة والألغام البحرية لتشمل الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والحروب غير المتكافئة. ودفع ذلك أوروبا ودول الخليج إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وفي هذا الإطار، حذر "جو روك"، مدير شركة "Recorded Future" المتخصصة في الاستخبارات السيبرانية، من تصاعد قدرات إيران السيبرانية، مؤكداً أن طهران "دولة ذات نوايا قوية وقدرات كبيرة"، في وقت سجلت فيه شركات استخبارات رقمية هجمات إلكترونية استهدفت البحرين وقطر و"إسرائيل" منذ بداية التصعيد.
كما كشفت الحرب أهمية الطائرات المسيّرة في إعادة تشكيل عقيدة الأمن البحري، مع توسع استخدام المسيّرات الانتحارية والاستطلاعية، ما دفع دول الخليج إلى توسيع تعاونها مع أوروبا وأوكرانيا في تقنيات الدفاع الجوي واعتراض المسيّرات.
ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور أسعد كاظم شبيب أن اضطرابات هرمز أحدثت تحولاً جذرياً في الإدراك الأوروبي، حيث باتت العواصم الغربية تدرك تماماً مدى هشاشة أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية أمام أي تهديد في الممرات المائية.
ويضيف شبيب لـ"الخليج أونلاين" أن هذه التطورات دفعت الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز حضوره البحري وتوسيع نطاق مهام المراقبة في مياه الخليج، لتنتقل المقاربة الأوروبية من مجرد البعد التجاري التقليدي إلى آفاق التعاون الأمني والدفاعي المباشر.
ويوضح أن حماية الملاحة أصبحت ركيزة أساسية ضمن مفهوم الأمن الاستراتيجي الأوروبي الأوسع، رغم أن القارة العجوز لا تزال تفضل سياسة الشراكة والتوازن بعيداً عن الانخراط العسكري الشامل.
ويعتقد أن المؤشرات الحالية تدفع بقوة نحو بناء شراكة مستدامة بين الخليج وأوروبا تتجاوز منطق إدارة الأزمات المؤقتة، مرتكزةً في ذلك على تقاطع المصالح الحيوية في أمن الطاقة وحماية الممرات البحرية الدولية.
ويشير إلى أن التطورات التقنية المتسارعة والحاجة المتزايدة إلى الأمن السيبراني تعزز فرص التعاون المؤسسي طويل الأمد، معتبراً أن هذا المسار سيتطور تدريجياً لردم الفجوة بين التنسيق المرحلي والتحالف الاستراتيجي، رغم تباين الأولويات أحياناً.
كما يلفت شبيب إلى أن دخول الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية على خط المواجهة وسّع مفهوم التهديد البحري ليتجاوز الأنماط التقليدية، حيث باتت المنشآت النفطية والسفن أهدافاً مباشرة لعمليات منخفضة التكلفة، لكنها ذات تأثيرات استراتيجية واسعة.
ويردف قائلاً إن هذا التحول النوعي فرض ضرورة الاعتماد على أنظمة إنذار مبكر ودفاعات رقمية متقدمة متعددة الطبقات، مما حوّل مفهوم الأمن البحري من مجرد حماية مادية ملموسة إلى منظومة هجينة متكاملة تشمل الفضاء السيبراني والمعلوماتي.
ويؤكد أن أوروبا تملك بالفعل قدرات بحرية وتقنية متطورة تتيح لها لعب دور أمني داعم ومؤثر في منطقة الخليج، لكنها تفتقر إلى البنية العسكرية والانتشار الاستراتيجي الذي يضاهي الحضور الأمريكي بالمنطقة.
ويبين أن الانقسامات في السياسات الدفاعية داخل القارة الأوروبية تحد من قدرتها على التحرك ككتلة موحدة، مما يجعل دورها مكملاً للدور الأمريكي عبر بوابات التدريب والتقنيات والدبلوماسية الأمنية.
وتتجه العلاقة الأوروبية الخليجية نحو بناء شراكة دفاعية أعمق تتجاوز صفقات السلاح التقليدية، مع تركيز متزايد على التصنيع المشترك، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي العسكري.
وأعلنت ألمانيا، في 20 مارس 2026، إصدار رخصة تصدير مؤقتة لمعدات دفاع جوي وبحري إلى دول الخليج، فيما أرسلت بريطانيا، في 10 أبريل 2026، بطاريات "سكاي سيبر" وأنظمة دفاع قصيرة المدى، إلى جانب تمديد بقاء سرب "تايفون" المشترك مع قطر لتعزيز الدرع الجوية في المنطقة.
كما برزت مؤشرات واضحة على توسع التعاون الصناعي العسكري، إذ أطلقت شركة الصناعات العسكرية السعودية "SAMI" مشاريع مشتركة مع شركاء أوروبيين، بينما وسعت مجموعة "إيدج" الإماراتية شراكاتها مع شركات دفاع أوروبية، خاصة في قطاع الأنظمة غير المأهولة.
وفي مجال الدفاع الجوي، اتجهت دول الخليج خلال 2025 و2026 إلى دراسة بدائل أوروبية لمنظومات الدفاع الأمريكية، بعد ضغوط المخزون وطول فترات التسليم، مع تنامي الاهتمام بمنظومة "IRIS-T" الألمانية ومنظومة "SAMP/T NG" الأوروبية.
وامتد التعاون إلى الأمن السيبراني، مع إطلاق "حوار الدبلوماسية السيبرانية" بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في الرياض خلال أكتوبر 2025، بهدف تطوير آليات مشتركة لمواجهة الهجمات الإلكترونية وحماية البنية التحتية الحيوية والكابلات البحرية ومراكز البيانات.
وبموازاة ذلك، أكد مستشار رئيس مجلس الوزراء، المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، أن الخليج "شريك مستقر لأوروبا في مجالي الأمن والطاقة".
وشدّد الأنصاري، خلال مبادرة "التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون بعد حرب الخليج" التي عقدت في ميلانو في 8 مايو 2026، على أن الأزمة الحالية تؤكد عمق ترابط المصالح بين الجانبين، وأن المرحلة المقبلة تتطلب تعاوناً مستداماً ومنظماً قادراً على الصمود في فترات عدم الاستقرار.
Loading ads...
كما أكّد الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج، لويجي دي مايو، خلال المبادرة ذاتها، أن "الأمن في الخليج والأمن في أوروبا يرتبطان ارتباطاً وثيقاً لا يقبل الانفصال"، مؤكداً مواصلة العمل لبناء إطار أمني إقليمي دائم ومستدام.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






