2 أشهر
“أشد قسوة من قيصر”.. هل خنقت السياسات النقدية والمالية ما تبقى من اقتصاد سوريا؟
الثلاثاء، 10 فبراير 2026

رغم رفع العقوبات الأميركية المفروضة بموجب “قانون قيصر”، لا تزال الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في سوريا تشهد مزيدًا من التدهور، مع استمرار شح السيولة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي حين كان يُفترض أن ينعكس تخفيف القيود الخارجية على تحريك النشاط الاقتصادي، تشير مؤشرات السوق إلى أن السياسات النقدية والمالية المعتمدة داخليًا أصبحت عاملًا رئيسيًا في تعميق الاختناقات الاقتصادية، بما يضغط مباشرة على الاستهلاك والثقة في السوق المحلية.
السياسات المحلية تفوق العقوبات تأثيرًا
في هذا السياق يرى اقتصاديون أن السياسات النقدية والمالية المتبعة في سوريا خلال السنوات الأخيرة باتت تُشكّل عامل ضغط داخلي لا يقل تأثيره، وربما يفوق في بعض جوانبه، أثر العقوبات الخارجية المفروضة على البلاد، وعلى رأسها قانون “قيصر”.
ويذهب الخبير الاقتصادي عامر شهدا إلى أن هذه السياسات أضعفت فعليًا أي مكاسب محتملة كان يُفترض أن تنتج عن تخفيف العقوبات أو السعي لرفعها، وحوّلت الآمال التي رافقت تلك الجهود إلى حالة من الإحباط العام لدى شرائح واسعة من المجتمع.
وبحسب شهدا، عبر منشور له على منصة “فيسبوك”، فإن الخطاب الذي رافق مساعي إلغاء قانون “قيصر”، سواء داخل الجاليات السورية في الولايات المتحدة أو بين أطراف داعمة في الكونغرس الأميركي، انطلق من فرضية أن إزالة القيود الخارجية ستُتيح استعادة تدريجية للنشاط الاقتصادي، وتحسينًا ملموسًا في الظروف المعيشية.
تراجع السيولة وانهيار القدرة الشرائية
غير أن الواقع، كما يصفه، أظهر أن السياسات النقدية والمالية الداخلية أعادت إنتاج ضغوط معيشية مماثلة، بل أكثر حدّة، من خلال أدوات مختلفة، أبرزها شح السيولة، وتقييد حركة الأموال، ورفع كلفة الخدمات الأساسية.
وتشير بيانات صادرة عن مصرف سوريا المركزي وتقارير اقتصادية محلية إلى أن الكتلة النقدية المتداولة شهدت تراجعًا ملحوظًا في فترات متقطعة، بالتوازي مع ارتفاع معدلات التضخم، الذي قدّرته تقارير غير رسمية بأكثر من 100 بالمئة على أساس سنوي في بعض السنوات الأخيرة، فيما بقيت الأجور الاسمية شبه ثابتة.
ويُظهر هذا الخلل تراجع الأجور الحقيقية بصورة حادة، ما انعكس مباشرة على مستويات الاستهلاك والقدرة الشرائية للأسر.
قيصر ليس السبب الوحيد
يؤكد شهدا أن قانون “قيصر”، رغم تأثيره الكبير على حركة التجارة والتحويلات الخارجية والقطاع المصرفي، لم يكن السبب المباشر في وقف أو تأخير دفع الرواتب، ولا في الانخفاض الحاد للتدفق النقدي في الأسواق المحلية.
كما يشير إلى أن القانون لم يفرض سياسات تسعير أدت إلى زيادات كبيرة في أسعار السلع والخدمات الأساسية، ولم يكن المسؤول عن الارتفاع الملحوظ في رسوم وضرائب محلية شهدت، وفق تقديرات خبراء، زيادات تجاوزت في بعض الحالات عدة أضعاف مستوياتها السابقة.
وفي هذا السياق، يلفت إلى أن رفع أسعار الكهرباء والمياه والخدمات العامة، بالتوازي مع شح السيولة النقدية، أسهم في تعميق الضغوط المعيشية، ولا سيما على أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين.
عجز السياسات الداخلية
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن كلفة سلة المعيشة الأساسية باتت تفوق متوسط الرواتب الشهرية بأكثر من خمسة أضعاف، ما يضطر الأسر إلى تقليص استهلاكها من الغذاء والدواء معًا.
ويُضيف شهدا أن تعطيل أنظمة التحويل والتسوية بين المصارف، وما نتج عنه من تأخير في تحويل الرواتب والكتل النقدية، يُعدّ نتيجة مباشرة لخيارات تنظيمية داخلية أكثر منه انعكاسًا مباشرًا للعقوبات.
فبينما قيّد “قيصر” حركة المصارف السورية خارجيًا، فإن القيود الداخلية حدّت من قدرتها على أداء دورها التقليدي في تمويل النشاط الاقتصادي، ما أسهم في تراجع الثقة بالقطاع المصرفي وبالسياسات النقدية عمومًا.
خيارات التشديد النقدي
تعزز تقارير صادرة عن مؤسسات دولية، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، هذا التوصيف، إذ تشير إلى أن ضعف السياسات الاقتصادية الكلية، وغياب الاستقرار النقدي، يمثلان أبرز العوائق أمام أي تعافٍ اقتصادي مستدام في سوريا، حتى في حال تخفيف العقوبات.
تؤكد هذه التقارير أن استعادة الثقة تتطلب بيئة نقدية أكثر شفافية، وإجراءات واضحة لحماية المدخرات، وتحفيز الإنتاج بدل الاعتماد على الجباية والرسوم.
ويرى شهدا أن السلطات لجأت إلى سياسات تشديد نقدي في ظل عجز مالي مزمن، وتراجع الاحتياطيات، وصعوبة الوصول إلى التمويل الخارجي، إلا أن كلفة هذه الخيارات وقعت بشكل غير متوازن على المجتمع، فبدل أن تسهم في تحقيق استقرار نقدي مستدام، أدت إلى توسيع الفجوة بين الدخل والأسعار، وإضعاف الثقة بالعملة الوطنية.
الطريق إلى التعافي
يخلص شهدا إلى أن أي مسار جدي للتعافي الاقتصادي لا يمكن أن ينجح من دون مراجعة شاملة للسياسات النقدية والمالية، تعيد توجيهها نحو دعم الإنتاج، وتخفيف القيود على السيولة، وحماية القدرة الشرائية.
Loading ads...
كما يشدد على أن تخفيف العقوبات، في حال تحقق، لن يكون كافيًا بحد ذاته ما لم يترافق مع إصلاحات داخلية تعالج جذور الاختلال النقدي، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، بوصفها شرطًا أساسيًا لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





