6 أشهر
"مطمر نفايات تل الضمان".. كارثة بيئية تعيشها منطقة جبل الحص جنوبي حلب
الجمعة، 14 نوفمبر 2025
يشتكي أهالي منطقة جبل الحص، التي تضم قرى وبلدات ناحيتي تل الضمان وخناصر في ريف محافظة حلب الجنوبي الشرقي، من الأثر البيئي الكارثي الذي يتسبب به مطمر النفايات في قرية جب الخفي، والذي يقع في نقطة متوسطة بين عشرات القرى، ويؤكد الأهالي الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا أن المطمر بات يشكّل تهديداً حقيقياً لمختلف نواحي حياتهم اليومية، من الزراعة إلى الصحة، وصولاً إلى البيئة المحيطة التي تدهورت بشكل واضح.
شكاوى أهالي منطقة الحص
ويعبر سكان المنطقة عن استيائهم مما وصفوه بـ"سياسة الإهمال"، قائلين إن محافظة حلب لا تتذكر منطقة جبل الحص إلا عندما تبحث عن مكان للتخلص من نفايات مدينة حلب، ويقول مصدر محلي في تل الضمان لموقع تلفزيون سوريا: "بدلاً من أن تسعى المحافظة لتنمية منطقتنا، تزيدنا بلاءً فوق بلاء، وتكرس تهميشنا كمنطقة نائية ومنسية"
وتتصاعد شكاوى أهالي منطقة جبل الحص عقب عمليات الترحيل المكثفة للنفايات التي نفذتها محافظة حلب من مكب الشيخ سعيد (عين العصافير) على الأطراف الجنوبية للمدينة، ويأتي هذا الإجراء بعد احتجاجات ومناشدات شهدتها الأحياء الجنوبية، وفي مقدمتها حي الشيخ سعيد، مطالبة بترحيل النفايات والتخلص من الدخان الكثيف المتصاعد بشكل متواصل من المكب، والذي كان يتسبب بتلوث خانق للأهالي.
غير أن نقل النفايات إلى مطمر جب الخفي في منطقة جبل الحص أثار موجة استياء واسعة، إذ يرى الأهالي أن استجابة المحافظة لمطالب سكان الأحياء الجنوبية جاءت على حسابهم، معتبرين ذلك ظلماً مضاعفاً لمنطقة تعاني أصلاً من التهميش وقلة الخدمات، ويطالب السكان اليوم بحل جذري ومستدام، من خلال إقامة مشروع لتدوير النفايات يحول الضرر إلى فرصة تنمية حقيقية، تساهم في تحسين البيئة وتوفير فرص عمل لأبناء المنطقة بدلاً من تحميلهم أعباء إضافية.
قال مصطفى سلوم، أحد أهالي منطقة جبل الحص، لموقع تلفزيون سوريا: "على المسؤولين في محافظة حلب أن يجدوا حلاً لمشكلة التلوث الخطيرة التي يتسبب بها مطمر النفايات، لقد لوّثوا أكثر من 250 قرية وبلدة في جبل الحص، فالهواء ملوث، والأجواء مغبرة وغير صحية، والأمراض بدأت تنتشر بين السكان، وخاصة بين الأطفال الذين يعانون من آثار هذا التلوث يومياً"
وأضاف سلوم "نأمل أن تسمع شكاوانا هذه المرة، فالمحافظة أهملت المنطقة في كل الخدمات، لا كهرباء ولا مراكز صحية كافية، والآن جاؤوا ليضيفوا فوق معاناتنا نفايات مدينة حلب، لم يبقَ لنا سوى المطالبة بوقف هذا الضرر قبل أن تتحول منطقتنا إلى بؤرة بيئية خطرة غير صالحة للعيش، ماذا يريدون منا، أن نترك أراضينا وقرانا ونهجر المنطقة"
استجابة رمزية
دفعت شكاوى أهالي منطقة جبل الحص محافظة حلب إلى التحرك ميدانياً، حيث أوفدت مدير الإدارة المحلية والبيئة، أحمد كردي، في زيارة إلى مطمر تل الضمان للاطلاع على واقع العمل فيه ومعاينة الأوضاع البيئية المحيطة، وخلال جولته في المنطقة، التقى كردي بعدد من الأهالي، واستمع إلى شكاواهم ووعدهم بوضع خطط طارئة ومستدامة لمعالجة التلوث وتحسين الواقع البيئي.
إلا أن سكان المنطقة يرون أن الزيارة كانت شكلية أكثر منها عملية، إذ لم يعلن المسؤولون عن جدول زمني واضح لمعالجة المشكلة، ولم تطرح أي مشاريع فعلية لتدوير النفايات يمكن أن تساهم في تنمية المنطقة والتخفيف من آثار المطمر البيئية التي أثقلت حياتهم اليومية.
قال محمد الأحمد، أحد أهالي بلدة تل الضمان، لموقع تلفزيون سوريا: "ماذا بقي في هذه المنطقة لم تلوّثوه؟ لا سكان، ولا بيوت، ولا ماء، ولا كهرباء، ولا زراعة، ولا طبابة، ولا مدارس، ولا حتى أفران، أأُكمل العدّ أم يكفي؟ كل شيء هنا متروك ومهمل"
ويضيف الأحمد: "في السابق زارت المنطقة بعثة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعمٍ وتمويلٍ من فريق عمل ياباني، وأكدت حينها أن منطقة جبل الحص تعد من أنسب المناطق للاستشفاء، لما تمتاز به من نقاء هواء، وارتفاع في نسبة الأوكسجين، وانخفاض في الرطوبة، وأنها تصلح لإقامة مشاف ومزارع لإنتاج البذور ومداجن نموذجية، لكن ذلك كان قبل أن يتحول المكان إلى مطمرٍ للنفايات".
يرى محمد الأحمد أن الزيارات الشكلية والمتابعات المحدودة من قبل الجهات الرسمية لن تغيّر شيئاً من الواقع المأساوي الذي تعيشه منطقة جبل الحص، مشدداً على ضرورة تحرّك فعلي وجاد لوضع حدٍّ للتدهور البيئي الذي يواجهه السكان يومياً.
ويشير الأحمد إلى أن الحياة في المنطقة تكاد تكون شبه معدومة، إذ تتفاقم معاناة الأهالي بين الجفاف وقلة الأمطار من جهة، والكارثة البيئية الناجمة عن المطمر من جهة أخرى، مضيفاً أن أبناء المنطقة ينتظرون اهتماماً حقيقياً من الجهات الرسمية يعيد إليهم شيئاً من الأمل بالحياة في بيئة نظيفة وآمنة.
مشروع مزدوج الفائدة
قالت مصادر محلية معنية بالشأن البيئي في منطقة جبل الحص لموقع تلفزيون سوريا: "ماذا لو تحوّل مطمر تل الضمان إلى مشروع حيوي واستثماري يحقق فائدة اقتصادية وبيئية للمنطقة ولحلب عموماً؟ فالمطمر اليوم هو الوجهة الرئيسية التي تنقل إليها النفايات القادمة من مدينة حلب، لكنه في حال استثماره بشكل صحيح يمكن أن يصبح مصدر تنمية مستدامة بدلاً من كونه عبئاً بيئياً"
وتساءلت المصادر: "تخيلوا شكل منطقة جبل الحص لو نشأ فيها مثل هذا المشروع، كيف سينعكس إيجاباً على سكانها الذين يعيشون في واحدة من أكثر المناطق تهميشاً وفقراً في محافظة حلب، وربما شمال سوريا بأكمله" وأضافت المصادر: "لا يوجد ما يمنع من فتح الباب أمام مستثمرين سوريين أو محليين للدخول في مجال إعادة تدوير النفايات في سوريا، فمثل هذه المشاريع لا يجب أن تقتصر على المدن الكبرى، والمستثمرون في هذا القطاع الحيوي يستحقون تسهيلات ومميزات خاصة نظراً لأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبوه في حماية البيئة وتعزيز الاقتصاد المحلي"
وأوضحت المصادر أن كمية النفايات الصلبة في مدينة حلب تقدر بنحو 2800 طن يومياً، وهو رقم كبير نسبياً يتطلب خطة علمية متكاملة تشمل كوادر بشرية متخصصة، وأسطولاً من المعدات والآليات والحاويات والضواغط، إضافة إلى تقنيات حديثة لمعالجة النفايات وفق أساليب بيئية مستدامة تتيح الاستفادة القصوى منها.
وتجمع النفايات حالياً في مكب مؤقت بقرية عين العصافير في منطقة الشيخ سعيد، قبل أن يتم نقلها إلى مطمر تل الضمان في ريف حلب الجنوبي. لكن، وفق المصادر نفسها، فإن "هذه الثروة الهائلة ترمى دون أي معالجة أو تدوير أو استفادة منها، ما يتسبب بآثار بيئية خطيرة تطال الأرض والهواء والمياه، وتؤثر في مختلف مظاهر الحياة"
وكشف مصدر خاص لموقع تلفزيون سوريا أن إحدى الشركات السورية المتخصصة في معالجة النفايات ومياه الصرف الصحي تنوي التقدم بعرض رسمي إلى مجلس مدينة حلب لتنفيذ مشروع متكامل لتدوير النفايات باستخدام تقنيات بيولوجية حديثة، بحيث يتم استخراج الكهرباء والأسمدة وبيعها بالشراكة مع المجلس، وأشار المصدر إلى أن المشروع لا يزال بحاجة إلى تنسيق الجهود وتسريع الإجراءات لضمان انطلاقه في أقرب وقت ممكن" وأضاف أن المبادرة ستبدأ من مدينة حلب على أن تعمم التجربة لاحقاً على باقي المحافظات السورية، مؤكداً أن المستثمرين سوريون يسعون إلى نقل خبراتهم وتجارب الدول المتقدمة إلى الداخل السوري.
لحل مشكلة النفايات بحلب، لا بد من إجراء دراسة شاملة لوضع خطة وطنية لإدارة النفايات، تتضمن إنشاء معمل ضخم لتدوير القمامة وفق المواصفات العالمية، والاستفادة من تجارب دول رائدة في هذا المجال، والتي تعتمد بشكل كامل على تدوير النفايات لإنتاج الطاقة والمواد القابلة للاستخدام.
Loading ads...
تبقى منطقة جبل الحص نموذجاً صارخاً لما تعانيه المناطق النائية في ريف حلب من تهميش بيئي وخدمي، حيث تحول مشروع يفترض أن يكون خدمياً إلى عبء ثقيل على السكان والبيئة معاً، وبين وعود رسمية مؤجلة، ومطالب شعبية متكررة، تزداد أصوات الأهالي مطالبة بحل جذري ومستدام يوقف الكارثة البيئية ويحول النفايات من مصدر ضرر إلى فرصة للتنمية والاستثمار. ويبقى السؤال الذي يطرحه أبناء المنطقة قائماً: هل ستتحرك الجهات المعنية قبل أن تتحول جبل الحص إلى بؤرة بيئية ميئوس منها، أم ستبقى الزيارات والتصريحات مجرد محاولات لتجميل الواقع؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


