35 دقائق
من أجل دراسة الطب.. لماذا يغامر أردنيون بدراسة الثانوية العامة في بلاد خطرة
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

عمّان – لم تكد الطالبة الأردنية آمنة الرواشدة تبدأ رحلتها الدراسية في اليمن، حتى باغتها الموت في حادث دهس بمدينة عدن، بعد نحو يوم ونصف من وصولها، لتنتهي رحلة كانت تأمل أن تقودها إلى دراسة الطب، وتفتح وفاتها مجددا ملف سفر طلبة أردنيين إلى بلدان تعاني نزاعات مسلحة وأوضاعا أمنية مضطربة، بحثا عن شهادات ثانوية عامة بمعدلات مرتفعة تتيح لهم الالتحاق بالتخصصات الجامعية التي يطمحون إليها.
كانت آمنة قد غادرت الأردن وفي ذهنها هدف واضح يتمثل في نيل شهادة الثانوية العامة بمعدل يقارب 99% مما يتيح أمامها فرصة المنافسة على مقعد في كلية الطب. وعقب وصولها إلى اليمن، تولى ممثل المكتب المسؤول عن تنظيم رحلتها استقبالها وإيصالها إلى أحد الفنادق، بانتظار استكمال معاملات تسجيلها.
ويقول أحد أفراد عائلتها للجزيرة نت إن التواصل معها توقف مساء الجمعة، بسبب عدم توفر خدمة الإنترنت لديها إلا داخل الفندق، قبل أن تتلقى العائلة نبأ وفاتها إثر تعرضها لحادث دهس، في صدمة أنهت آمالها بمستقبل كانت تخطط له.
ويكشف قريب الطالبة أن قرار إرسالها إلى اليمن جاء بعد دراسة الأسرة لعدد من الخيارات المتاحة خارج الأردن، في ظل ضغوط مالية تواجهها، خصوصا أن اثنين من أبنائها يتابعان دراسة الطب في جورجيا، وما يترتب على ذلك من نفقات تثقل كاهل الوالد.
ويضيف أن الأسرة بحثت إمكانية التحاق آمنة بالدراسة في مصر أو ليبيا، إلا أن المقارنة بين تكاليف هذه الوجهات انتهت إلى اختيار اليمن، باعتباره الخيار الأقل عبئا على ميزانيتها، رغم الظروف التي تمر بها البلاد.
وبحسب قريبها، كانت آمنة تتطلع إلى تحقيق نتيجة استثنائية في امتحانات الثانوية العامة، تساعدها على الوصول إلى التخصص الذي تحلم به. ويرى أن رحيلها يسلط الضوء على التحديات التي تواجه بعض الأسر الأردنية في تأمين فرص تعليمية تتوافق مع طموحات أبنائها وإمكاناتها الاقتصادية، والأسباب التي تدفعها إلى البحث عن تلك الفرص خارج حدود المملكة.
ولا تقف القضية عند تجربة آمنة وحدها، إذ يشير تربويون إلى توجه بعض الطلبة الأردنيين خلال سنوات سابقة إلى دول مثل تركيا، ثم إلى وجهات أخرى بينها اليمن والسودان وليبيا، للحصول على شهادات الثانوية العامة أو تحسين فرصهم في الالتحاق بالتخصصات الجامعية التي يرغبون فيها.
يرى وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور فايز السعودي أن وفاة آمنة الرواشدة تفتح ملفا تعليميا واجتماعيا يتجاوز الحادثة، ويتصل بالأسباب التي تدفع بعض الأسر الأردنية إلى إرسال أبنائها لدول تعاني أوضاعا أمنية خطيرة.
ويقول للجزيرة نت إن هذه القرارات لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، وإنما بمجموعة من الضغوط التعليمية والاقتصادية، تبدأ بالمنافسة على المعدلات المرتفعة، وتمتد إلى محدودية المقاعد الجامعية في التخصصات المطلوبة، وفي مقدمتها الطب.
ويستحضر السعودي تجارب سابقة لطلبة توجهوا إلى تركيا والسودان وليبيا ومصر للحصول على شهادات ثانوية عامة، مشيرا إلى ما أثير آنذاك بشأن تجاوزات واستغلال بعض الطلبة، ومعتبرا أن استمرار البحث عن بدائل خارجية يستدعي مراجعة أسباب الظاهرة.
ويطرح الوزير الأسبق أسئلة يعتقد أن الجهات المعنية مطالبة بالإجابة عنها، أبرزها عدد الأردنيين الذين يغادرون سنويا لاستكمال الثانوية العامة أو تحسين معدلاتهم، وأعداد الراغبين في دراسة الطب ممن لا يجدون فرصا مناسبة داخل المملكة.
ويشير إلى أن الأعباء المالية تؤدي دورا حاسما في تحديد وجهة الطالب، إذ تستطيع الأسر المقتدرة اختيار دول أكثر استقرارا، بينما قد تدفع التكاليف المرتفعة الأسر محدودة الدخل إلى البحث عن خيارات أقل كلفة، حتى إن كانت محفوفة بالمخاطر.
في المقابل، يؤكد مهند الخطيب مستشار وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية والناطق الإعلامي باسم الوزارة أن الحصول على شهادة ثانوية عامة غير أردنية لا يعني بالضرورة تحسن فرص الطالب في القبول بالجامعات الأردنية، خصوصا الرسمية منها.
ويوضح الخطيب للجزيرة نت أن الطلبة الحاصلين على شهادات ثانوية عربية أو أجنبية، سواء من داخل المملكة أو خارجها، يتنافسون على نسبة محددة من المقاعد الجامعية وفق السياسات العامة للقبول.
ويضيف أن المنافسة بين هذه الفئة شديدة نتيجة ارتفاع معدلات الشهادات التي يحملها المتقدمون، ما يتطلب حصول الطالب على معدل مرتفع جدا حتى يتمكن من الالتحاق بالتخصص الذي يرغب فيه.
وتضع هذه التوضيحات تساؤلا إضافيا أمام الأسر التي تختار إرسال أبنائها إلى الخارج، يتعلق بمدى جدوى تحمل تكاليف السفر والدراسة ومخاطرهما، في ظل عدم وجود ضمانات للحصول على المقعد الجامعي المنشود بعد العودة.
من جانبه، يعزو الناطق الإعلامي الأسبق لنقابة المعلمين الأردنيين نور الدين نديم جانبا من المشكلة إلى ما يصفه بعدم الانسجام بين أساليب التدريس والامتحانات والتقييم من جهة، وقدرات الطلبة وميولهم واستعداداتهم من جهة أخرى.
ويقول للجزيرة نت إن المنظومة التعليمية لا تمنح التوجيه التربوي والمهني الاهتمام الكافي لاكتشاف قدرات الطلبة ومساعدتهم على اختيار التخصصات المناسبة، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى البحث عن طرق بديلة للوصول إلى تخصصات مثل الطب والهندسة.
ويشير إلى أن المشكلة ليست في صعوبة الامتحانات وحدها، وإنما في البيئة التعليمية بمكوناتها المختلفة، بما في ذلك المعلم والطالب والمناهج وأساليب التقييم.
ويؤكد نديم أن حماية امتحان الثانوية العامة من الغش والتسريب ضرورة لا خلاف عليها، لكنه يميز بين نزاهة الامتحان وجودة التعليم، معتبرا أن تشديد الرقابة لا يكفي لمعالجة فجوات التعلم أو ضمان عدالة التقييم.
ويدعو إلى تطوير أساليب التدريس، والكشف المبكر عن التعثر الدراسي، وتعزيز التعليم المهني والتقني، وتوفير توجيه يساعد الطلبة على اختيار مسارات تتناسب مع قدراتهم الفعلية، بدلا من حصر النجاح في الوصول إلى تخصص جامعي بعينه.
ويثير السعودي بدوره تساؤلات بشأن نظام الحقول والمسارات التعليمية الجديد، ومعايير توزيع الطلبة على التخصصات، ومدى مراعاتها لرغباتهم وقدراتهم، إلى جانب الطاقة الاستيعابية للجامعات وكلفة الدراسة فيها.
ويشدد على أنه لا يحمل نظاما تعليميا واحدا مسؤولية سفر الطلبة، لكنه يطالب بمراجعة السياسات التعليمية بصورة علمية، والاستماع إلى تجارب الأسر والطلبة، ودراسة العلاقة بين القبول الجامعي والأعباء المالية والخيارات المتاحة داخل المملكة.
كما يدعو السعودي إلى مراجعة الرسوم الجامعية وتوسيع فرص التعليم وفق الإمكانات المتاحة، مؤكدا أن التعليم ينبغي أن يبقى وسيلة لتحقيق طموحات الشباب، لا عبئا يدفع الأسر إلى خيارات قد تعرض أبناءها للخطر.
وبين تحذيرات الوزارة من الاعتقاد بأن الشهادات الأجنبية تضمن القبول الجامعي، ودعوات التربويين إلى إصلاح منظومة التعليم والتوجيه والقبول، تبقى قصة آمنة الرواشدة شاهدا مؤلما على رحلة لم تكتمل.
Loading ads...
غادرت آمنة الرواشدة الأردن بحثا عن معدل يفتح لها باب كلية الطب، لكنها لم تعد لتحقيق حلمها، تاركة وراءها أسئلة عن الكلفة التي قد تدفعها الأسر حين يصبح الطريق إلى التعليم خارج حدود الوطن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




