ساعة واحدة
الفيلم الملحمي "الانتفاضة".. حين يتحول الغضب إلى معركة لانتزاع الحرية
الخميس، 24 سبتمبر 2026
على مر القرون، شهدت البشرية ثورات وانتفاضات لا حصر لها، ساهمت في تشكيل العالم الذي نعيش فيه اليوم، مدفوعة بالرغبة في العدالة والتغيير؛ بدءا من الانتفاضات القديمة الدامية المليئة بالأحداث من أجل الاستقلال والحقوق المدنية، ووصولا إلى "الربيع العربي".
في هذا السياق يأتي فيلم "الانتفاضة " (The Uprising)، الذي كتبه وأخرجه المخرج البريطاني بول غرينغراس، وعُرض في دور السينما في 11 سبتمبر/أيلول الماضي؛ وقدم قصة حقيقية جريئة ودموية يتردد صداها عبر التاريخ، صورت اللحظة الفارقة التي يتحول فيها الحزن الفردي إلى غضب جماعي، يدفع الجماهير الغفيرة التي طالما عوملت باعتبارها مجرد أرقام لا قيمة لها، للمطالبة بكرامتها وانتزاع حقها في تقرير المصير.
من خلال تجسيد غرينغراس، لتمرد وقع في إنجلترا خلال القرن الرابع عشر ووضع التاج البريطاني القوي في مأزق حقيقي، قامت به جماهير ظلت تعاني من "هجمات الموت الجماعي، وقسوة الضغوط الاقتصادية، وترزح تحت وطأة الاستبداد ".
وبدلا من الخوض في التفاصيل الدقيقة لهذا السياق التاريخي، ركز غرينغراس على الربط بين معاناة فلاحي القرن الرابع عشر ومعاناة الجمهور الذي يشاهد الفيلم اليوم؛ باعتبار أن "مشاعر الغضب والإحباط والتطلع لعالم أفضل، تظل مؤثرة في كل العصور ".
استحضر الفيلم ببراعة أجواء العصور الوسطى الموحلة والقاتمة؛ إذ تتعالى أصوات الحيوانات، وتتصاعد سحب الدخان، ويبدو شعر الناس أشعث وملابسهم متسخة، فيما يفتقر الجميع إلى النظافة الشخصية، إلى درجة أنك "تكاد تشم رائحة الأجساد عبر الشاشة ". كما صوّر العنف بوحشية ومباشرة، من دون تجميل، بدءا من قطع الرؤوس وصولا إلى اختراق السهام للأجساد.
ونجح غرينغراس – الذي سبق ترشيحه لجائزة الأوسكار – في دمج المُشاهِد تماما في قلب الأحداث، عبر اعتماد أسلوب التصوير السينمائي الواقعي الخشن، لصنع لوحة ألوان باهتة ومكتومة، "تجعل المشاهد يعتقد أنه لم تكن هناك أشعة شمس قبل القرن الثامن عشر على الأقل ".
كما اتسمت رؤية غرينغراس لإنجلترا في تلك الفترة بواقعية مذهلة، حيث تُعبّر الحقول الخاوية الموحشة عن غياب السكان، بينما يتحرك الناس بتثاقل، وقد غلفتهم حالة من القذارة والإنهاك؛ فالفقر ساحق، وشعور بالحزن يخيّم على كل شيء. وأضفى أسلوب غرينغراس المعتمد على الكاميرا المحمولة المهتزة، "طابعا مباشرا ووحشيا يبعث على عدم الارتياح أحيانا ".
تدور أحداث الفيلم في عام 1381، حيث كان شرق إنجلترا يعيش ظروفا مثالية لاندلاع ثورة شعبية، بعد 3 عقود من تفشي وباء الطاعون، الذي أودى بحياة ما بين ثلث ونصف السكان؛ وترك خلفه أناسا تطحنهم الضرائب، ويحكمهم ملك مراهق هو ريتشارد الثاني (الممثل وودي نورمان)، يخضع لتوجيهات مستشارين أثرياء متملقين متعطشين للسلطة.
يتتبع الفيلم مزارعا فقيرا سُمي بـ "الحرّاث " (الممثل أندرو غارفيلد)، من كثرة عمله في حرث الأرض مع ثوره؛ وهو يشق طريقه بصعوبة بالغة في أرض صغيرة موحلة، وقد علاه الطين وضاق نَفَسه؛ بعد أن خطف الطاعون زوجته وأطفاله، ولم يُبقِ له سوى كوخ يأويه، وحيوان يشاركه السكن أحيانا، وكفاح يومي شاق ومُضن من أجل البقاء.
ما إن يواجه الحرّاث أمرا بفرض ضريبة جديدة، حتى ينفجر في نوبة غضب عارم، ليجد نفسه فجأة في قلب تمرد يضم في قيادته شخصيات مثل القس جون بول (الممثل جيمي بيل) الذي يقود حركة دينية تدعو للمساواة وترفض فساد رجال الدين، والجندي السابق وات تايلر (الممثل كوزمو جارفيس).
فيهبّ "الحرّاث " ومعه العديد من الأصدقاء والجيران لإشعال شرارة "ثورة الفلاحين "، ويحشدون عشرات الآلاف من عامة الشعب الإنجليزي للزحف نحو لندن، معتقدين أن كل ما يحتاجونه هو إيصال مطالبهم إلى الملك، دون أن يتوقعوا أنهم سيتلقون صدمة قاسية.
يوضح المؤرخ الإنجليزي دان جونز، أن مصطلح "ثورة الفلاحين " الذي صاغه المؤرخون، لا يعكس حقيقة التنوع الكبير في فئات الذين شاركوا فيها؛ فلم تكن انتفاضة للمعدمين فحسب، بل تحركت قرى بأكملها، وانضم قادة محليون، وكهنة وعمال ونساء إلى سكان لندن الذين كانت لديهم مظالمهم أيضا؛ "حتى امتد التمرد ليشمل نحو 85% من البلاد". كما لم تكن الثورة موجهة ضد الملك وحده، بل كانت "حركة شعبية حقيقية "، ضد المستشارين والأساقفة والنبلاء والمسؤولين الفسدة.
ويضيف جونز قائلا: لا بد من القول إنها كانت قضية عادلة، "لكن التمرد خرج عن السيطرة بشكل مروع "، فرغم أن المظالم كانت حقيقية والشعب كان يتعرض للاستغلال، "لكن الانتفاضة اتخذت طابعا وحشيا "، وامتد العنف ليتجاوز المسؤولين الملكيين ويطال آخرين لم يتورطوا في فرض الضرائب.
لذا وصلت الثورة إلى نقطة الانهيار، وقُتل قائدها العسكري "تايلر "، ونجح الملك في تهدئة الحشود، وطاردت حكومته قادة التمرد وأعدمتهم، وألغت مواثيق الحرية.
وإذا ما قِيست الثورة بمدى تحقق مطالبها الأساسية، فإنها "تُعتبر فاشلة بشكل كامل تقريبا ".
رغم غرابة إظهار "الحرّاث " مهارات قتالية مذهلة، مع أنه قضى حياته في الحقول وليس الحروب؛ "جاءت الأداءات التمثيلية من الطراز الأول على كافة الأصعدة ".
فبرز كل من "جيمي بيل " و "كوزمو جارفيس " بامتياز في دوري المتمردين الرئيسيين. وتألقت "كاثرين ووترستون " في دور والدة الملك ريتشارد رغم قلة حواراتها، في حين ترك "سكاي يانغ " انطباعا قويا بشخصية "الكاتب " الذي يلعب دورا محوريا في مجريات الأحداث. غير أن الممثل الأيرلندي الشاب "وودي نورمان "، هو من قدم أداء آسرا في كل لحظة ظهر فيها على الشاشة، و "خطف الأضواء بتجسيده لشخصية الملك المراهق الذي يحمل ندوبا نفسية عميقة، لكنه يثبت دهاء ومكرا يثيران الدهشة ".
فيلم "الانتفاضة " الذي يستغرق عرضه ساعتين و7 دقائق، وتم تصنيفه للكبار فقط، بسبب محتواه من المشاهد العنيفة والدموية؛ "عمل مُتقن الصنع والأداء، لكنه مُرهق للمشاهد "، بحسب الناقد المسرحي فرانك شيك.
ومن ناحيته، قال أندرو غارفيلد لمجلة "تايم " الأمريكية: أعتقد أن كل من يشاهد العمل سيتساءل: ماذا تفعل في مواجهة ظلم فادح كهذا؟ وكيف نناضل من أجل حقنا في عيش حياة تتسم بالحرية والكرامة والترابط الإنساني؟.
وقال المخرج غرينغراس، الذي وثق الاضطرابات في أيرلندا الشمالية، ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وغيرها من الأماكن التي كانت تشهد انهيار الأنظمة السياسية؛ إبان عمله المبكر في الأفلام الوثائقية:
لطالما التهمت الثورات نفسها، فهي تبدأ بآمال الناس وأحلامهم العارمة، لكنها تتحول إلى فوضى بمجرد إسقاط السلطة. لذا، أترك للجمهور مهمة التأمل في الأمر واستخلاص استنتاجاتهم الخاصة، "على ضوء أحداث العصور الوسطى، التي تُعد انعكاسا لواقعنا المضطرب ".
Loading ads...
ولكن، "بخلاف خاتمته المخيبة للآمال، يُعدّ الفيلم ملحمة تاريخية تستحق المشاهدة، وتنبض بروح معاصرة، نادرا ما نجدها في هذا النوع من الأعمال "؛ كما تقول الناقدة الفنية لاسي باوغر ميلاس.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

تطلعات الشارع المغربي في الانتخابات التشريعية
منذ ثانية واحدة
0




