ساعة واحدة
الفنانة التشكيلية والكاتبة السعودية مجد الدبّاغ: كل منا يضيف شيئاً مختلفاً إلى معنى الهوية الوطنية
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

بعقلٍ مفعم بالأفكار، وروحٍ معاصرة تستند إلى جذور ثقافية عميقة، وشغفٍ بالتعبير البصري والألوان والكلمات، دخلت الفنانة التشكيلية والكاتبة السعودية مجد الدبّاغ عالم الإبداع بأسلوبها الخاص. فهي ترى في الفن والكتابة أكثر من مجرد وسيلتين للتعبير، بل مساحة لاكتشاف الذات، والاحتفاء بالثقافة، وتحويل الأفكار والأحلام إلى أعمال تنبض بالحياة.
وفي أعمالها، تلتقي الريشة بالكلمة لتشكلا عالماً يحمل الكثير من شخصيتها ونظرتها إلى الحياة، ويعكس شغفها المستمر بالتجريب واكتشاف مساحات جديدة للإبداع.
في هذا الحوار الخاص بمناسبة اليوم الوطني السعودي، نقترب من عالم مجد الدبّاغ، ونتعرف إلى رحلتها الإبداعية ومصادر إلهامها.
بدأت رحلتي مع الرسم في المنزل، برفقة عمّتي، عندما كنت صغيرة. كان الرسم بالنسبة إليّ وسيلة مرحة تتيح لي أن أكون من أريد، بعيداً عن القيود والتوقعات. ومع تقدّمي في العمر، ابتعدت تدريجياً عن ذلك الجانب من نفسي، إلى أن جاءت فترة كوفيد، حين عثرت على أدوات فنية قديمة وبدأت أجرّب الرسم من جديد. في عام 2021، وبينما كنت أبحث عن طريقة أعود بها إلى ذاتي، وجدتني أعود إلى الرسم بشكل تلقائي. ومنذ ذلك الحين، أصبح وسيلة أعود إليها باستمرار للتعبير عن عالمي الداخلي، ومنح مشاعري وتجربتي شكلاً ولوناً بطريقة تختلف عمّا تستطيع الكلمات التعبير عنه. أما الكتابة، فلا أذكر لها بداية محددة. أشعر وكأنها كانت حاضرة دائماً، من خلال أفكار غير مكتملة لكتب وقصص. ومع الوقت، تحوّلت الكلمات والعبارات المتفرقة إلى قصائد، ثم بدأت أدمج أجزاءً من حياتي الواقعية بشخصيات خيالية. ومن هنا بدأت رحلتي في عالم السرد القصصي.
يأتي إلهامي إلى حدّ كبير من رحلتي في النمو والتجارب التي أسهمت في تشكيل شخصيتي، بدءاً من المحطات المهمة في حياتي، وصولاً إلى التفاصيل اليومية البسيطة التي تدفعني إلى الشعور أو التساؤل أو تكوين رأي، وربما النظر إلى الأمور من زاوية مختلفة. لا أبحث عن الإلهام بشكل متعمد، بل أستجيب لما أشعر به في داخلي في تلك اللحظة.
في الرسم، قد تبدأ الفكرة ببساطة، ثم تتطور تدريجياً، وأحياناً أمسك الفرشاة من دون خطة مسبقة، وأترك نفسي أكتشف إلى أين ستأخذني. لا أعرف دائماً منذ البداية ما الذي أريد التعبير عنه، فغالباً ما تكشف لي عملية الرسم ذلك من خلال اللون والشكل والحركة.
أما الكتابة، فعادةً ما تنطلق من مشاعر أكثر قوة. أحياناً أكتب عن اللحظة التي ولدت فيها تلك المشاعر، ثم أتركها تتطور إلى عمل خيالي. وقد تتحول هذه اللحظات إلى نقطة بداية لكتاب جديد، تتوسع قصته لاحقاً وتتبلور من خلالها شخصياته وعوالمه.
وفي الرسم والكتابة، أحب أن أترك الفكرة تبدأ من دون أن أضع لها نهاية محددة مسبقاً، وأمنحها المساحة الكافية لتقودني إلى حيث تريد.
لا أستطيع القول إنني أربط أعمالي بوعيٍ تام بجِيلي، لكنني أرى بعض أوجه التشابه بين رحلتي ورحلتهم. يبدو أن هناك اليوم قدراً أكبر من الانفتاح والوعي العاطفي والاستعداد لاستكشاف ما يحدث بداخلنا وما يدور من حولنا. قد نتشارك حوارات متشابهة حول الهوية والمشاعر والنمو والتعبير عن الذات، لكنني لا أبدع بهدف تمثيل رحلاتهم أو التعبير عنها. وإذا رأى أحدهم شيئًا من نفسه في أعمالي، فإن هذا التواصل يحدث بشكل طبيعي. قضيت معظم حياتي أهرب من مشاعري، لأن محاولة فهمها كانت تبدو لي مرهقة وثقيلة. لكن الرسم والكتابة غيّرا علاقتي بها، فتحا لي مجالاً للبقاء مع ما أشعر به بدلاً من الهروب منه. والفكرة التي أواصل استكشافها من خلال أعمالي هي التعرّف إلى مشاعري بكل ألوانها وأشكالها المختلفة، والحضور معها، ومنحها المساحة لتوجد وتتخذ الشكل الذي تحتاج إليه.
أعتقد أن معرضي الأول ”الدورات“، هو الذي ترك الأثر الأعمق في داخلي. كانت تلك المرة الأولى التي شعرت فيها بأنني أضع جزءاً من نفسي وروحي أمام العالم. كان الرسم بالنسبة إليّ تجربة شخصية جداً، وفجأة أصبحت أسمح للآخرين بأن يعيشوا تجربة شيء خرج من داخلي. كما كانت تلك تجربتي الأولى في التخلي فعلياً عن أعمالي الفنية، وهو شعور جمع بين البوح العاطفي والتحرر. وتعلّمت أنه بمجرد أن تغادر اللوحة يدي، تبدأ في تكوين علاقتها الخاصة مع كل من يلتقي بها.
من الصعب عليّ اختيار عمل فني واحد، لأن كل عمل وُلد في مرحلة مختلفة من حياتي، ولكل منها سبب خاص يجعلها مميزة بالنسبة إليّ. أشعر أن اختيار عمل واحد يشبه تفضيل مرحلة واحدة من حياتي على سائر المراحل. ومع ذلك، هناك عمل أو عملان بقيا عالقين في ذهني، لأن رؤية مشاعري وهي تتجسد أمامي في شكل ملموس جعلتني أدرك مدى شدّتها وقوتها. اقرؤوا أيضاً: الفنان التشكيلي السعودي فيصل الخريجي: أحلم ببناء عالم فني متكامل
بالنسبة إليّ، التحدي ليس في تحويل المشاعر إلى تجريد، لأنني لا أحاول فهم اللوحة أو تفسيرها أثناء رسمها. ففي معظم الأحيان، لا أفهم تماماً ما يحدث إلا بعد اكتمال العمل. أستمر ببساطة إلى أن أشعر بأن اللوحة قد اكتملت. أما التحدي الأكبر، فهو أن أثق بما يظهر على اللوحة من دون أن أحكم عليه. أحياناً تفرض اللوحة مسارها الخاص، وتأخذني في اتجاه لم أتوقعه، فتتغير بالكامل. هناك شيء من الخوف في فقدان ذلك الإحساس بالاتجاه، لكن عليّ أن أثق بالعملية بما يكفي لأتبعها. وحتى بعد الانتهاء، تحتاج بعض الأعمال إلى وقت حتى أتمكن من فهمها بشكل كامل، مما قد يجعل كتابة قصصها أمراً صعباً. أعرف أنها مكتملة، لكن معناها قد يتكشف لي لاحقاً. نادراً ما أمزج التجريد بأساليب فنية أخرى، إلا أن بعض عناصر السريالية وجدت طريقها أحيانًا إلى أعمالي، من خلال عناصر يمكن التعرّف عليها من الحياة الواقعية.
كان التصوير الفوتوغرافي أول وسيلة إبداعية انجذبت إليها بعد الرسم في صغري، وظل جزءًا من حياتي لسنوات طويلة. وأصبح وسيلة أترجم من خلالها رؤيتي للعالم عبر عدسة الكاميرا. أكثر ما يجذبني هو التكوينات الموجودة في الطبيعة، والبحث عن طرق مميزة لالتقاطها. وعلى عكس وسائطي الإبداعية الأخرى، ينبع التصوير بالنسبة إليّ من الملاحظة أكثر من المشاعر. أما الشعر، فهو أقرب بالنسبة إليّ إلى كتابة اليوميات، ولكن بصورة غير مباشرة. غالباً يبدأ بكلمات أو عبارات متفرقة أسمعها في ذهني فأدوّنها، ثم أتركها لتكوّن بنيتها الخاصة. أما الكتابة الروائية، فتمنحني مسافة أكبر عن ذاتي. قد تنبع المشاعر مني، لكنها حين تصبح جزءاً من شخصية ما، تتحول إلى جزء من قصة شخص آخر. أرى هذه الوسائط أشكالاً مستقلة للتعبير. فالرسم والشعر والكتابة الروائية غالباً ما تنبع من المصدر العاطفي نفسه، لكن كلًّا منها يمنحه شكلاً ولغة مختلفين، بينما يلتقط التصوير الفوتوغرافي الطريقة التي أرى بها العالم من حولي.
يمنحني الرسم والكتابة مشاعر متشابهة، ولكن بطرق مختلفة قليلًا. في الرسم، غالباً ما أصل في النهاية إلى فهم أعمق لما أشعر به، تلك اللحظة التي أنظر فيها إلى العمل بعد اكتماله وأفكر: "آه، الآن أصبح الأمر منطقياً"، وهناك شعور بالخفة حين أرى شيئًا كان يعيش بداخلي يتخذ شكلًا ملموساً أمامي. أما الكتابة، فأشعر بها أكثر كنوع من التحرر، وكأن المشاعر تخرج عبر يدي وتنساب على الورق، فتمنحني مساحة أوسع للتعبير عنها. ويمكن للرسم أن يمنحني الشعور نفسه بالتحرر، خصوصاً عندما أتناول مشاعر عميقة أو تجارب مؤثرة، لكنه يساعدني أيضاً على فهم ما أشعر به بشكل أوضح. وفي كلتا الحالتين، تمنحني العملية مساحة للتعبير عن مشاعري وإخراج ما يدور في داخلي بطريقة ملموسة. هناك قصيدة كتبتها أشعر بأنها تصفني بشكل شبه كامل، وتجمع الطرق المختلفة التي أعبّر بها عن نفسي. يقول أحد سطورها: "عقلها حديقة ملوّنة، تضم أزهاراً وأشجاراً من كل شكل وحجم"، وهذا السطر يجسّد عالمي الداخلي، المليء بالأفكار والمشاعر والصور والاحتمالات المختلفة.
يتم التعبير عن الذاكرة والهوية السعودية والحفاظ عليهما من خلال أشكال إبداعية متعددة. فبعضها يُوثَّق بصرياً عبر اللوحات التي تجسّد المناظر الطبيعية والمشاهد المختلفة، بينما ينتقل بعضها الآخر من خلال الموسيقى والفنون الكتابية، حيث تعبّر اللغة والاستعارات عن جمال المملكة العربية السعودية. كما تحمل الحِرف التقليدية جوانب من ثقافتنا وتاريخنا من خلال خاماتها وتقنياتها وأشكالها. وما أجده ذا معنى خاص هو أن وراء كل هذه الوسائط أفراداً يحمل كل منهم تجاربه الخاصة، ولحظاته اليومية، ومشاعره، ونظرته الشخصية. وكل واحد منا يضيف شيئاً مختلفًا إلى الصورة الأكبر لما تعنيه الهوية السعودية وكيف نشعر بها. ليس على عمل واحد أو شخص واحد أن يمثّل الهوية بأكملها، بل إن اختلاف وجهات نظرنا، مجتمعةً، يرسم صورة أكثر ثراءً وعمقاً لهويتنا، وجذورنا، والطريقة التي نواصل بها التطور.
Loading ads...
بالنسبة إليّ، يحمل اليوم الوطني السعودي شعوراً بالفخر والحماس عندما أتأمل كل ما مرّت به المملكة العربية السعودية من تغيّرات وتحولات. فهو يبرز مدى التقدم الذي وصلنا إليه، ويذكّرني في الوقت نفسه بالتطورات والإمكانات التي لا تزال أمامنا. كما يبعث في نفسي الدفء أن أرى الشوارع تنبض بالحياة، والناس يجتمعون بروح واحدة للاحتفال معاً. ففي تلك اللحظات، يسود شعور مشترك بالانتماء يجعل لهذا اليوم معنى أعمق بالنسبة إليّ. وأجد ارتباطاً قوياً بين ذلك وبين الطريقة التي أنظر بها إلى رحلتي الإبداعية. سواء كان معرضاً، أو كتاباً، أو أي محطة أخرى أصل إليها، فنادراً ما أراها كنقطة نهاية. بل أراها لحظة أتأمل فيها المسافة التي قطعتها، وأتساءل في الوقت نفسه إلى أين ستأخذني الرحلة بعد ذلك. ومن هذا المنطلق، فإن النمو والتحول والإحساس بالإمكانات التي أربطها باليوم الوطني، حاضرة أيضاً بشكل طبيعي في الطريقة التي أتعامل بها مع فني وكتابتي. إليكم أيضاً: التشكيلية السعودية منى القصبي و25 عام من الإبداع تعيد فيها صياغة الذاكرة والمكان بأسلوب معاصر
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



