تصبح اللغة في المجتمعات التي تعبر إلى فضاء التحرُّر عنصراً تأسيسياً مهمّاً، إذ تتجاوز وظيفتها الأساسية المتعارف عليها لتساهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، فالمفردات المتداولة في المجال العام تشارك في إنتاج نظام دلالي جديد ينظِّم التجربة الاجتماعية ويمنح الأفراد أدوات إدراك ذواتهم وعلاقاتهم وموقعهم ضمن التحوُّل الكبير الجاري على أرض الواقع. لذلك يمكن مقاربة المفردات المتداولة بعد تحرُّر سوريا بوصفها بنية لغوية غير مستقرة؛ لأنَّها ما زالت تتكوَّن في الزمن الراهن من خلال الاستعمال والتجريب، لتعكس وعياً اجتماعياً يسعى إلى ترسيخ مفاهيمه الناشئة، ويختبر في الوقت ذاته قدرته على إعادة صياغته ضمن أفق مستقبلي جديد.
يتبلور، في المجال السياسي، معجم لغوي يعيد تحديد معنى الفعل العام وآليات اشتغاله داخل الوعي الجمعي. فمفردات مثل الشرعية والمسؤولية والتمثيل والمشاركة والمرحلة الانتقالية باتت حاضرة في التداول اليومي ضمن النقاشات العامة، ولم تعد مقتصرة على المجال النخبوي المحدَّد، وذلك بعد أن توسَّع نطاق استعمالها خارج الإطار الاصطلاحي المتخصِّص إلى فضاء اجتماعي أرحب. هذا الحضور لا يقوم بتثبيت دلالات نهائية لهذه المفردات، وإنما يعمل على تشكيل المفاهيم بما يتناسب مع المرحلة القائمة فعلياً والتي تشهد جملة من التحولات الفعلية، حيث تتحرك المفردات داخل حقل تأويلي مفتوح، فتجعلها تخضع لإعادة تعريف مستمرة تبعاً للسياقات التي باتت تستخدم فيها. فتغدو المفردة السياسية أداة للتفكير الجماعي من خلال إعادة إنتاج معناها التداولي بعيداً عن أيِّ إقرار مسبق.
يبرز معجم اقتصادي جديد في سوريا بعد التحرُّر يتجاوز لغة الحاجة المباشرة، ليطرح مفردات ذات طابع بنيوي مثل الإنتاج والعمل والسوق والفرصة والاستثمار والأجر.
إنَّ الخطاب السياسي اليومي يميل نحو تشكيلات إجرائية؛ لأن مفرداته بدأت تتسلَّل إلى أحاديث الناس بوصفها عناصر ضرورية لفهم الممارسة السياسية وتقييمها. وهذا التحوُّل اللغوي يشير إلى انتقال في الوعي من التركيز على المجرَّدات التي كانت محظورة وغير القابلة للمساس إلى الانشغال بإمكانات الفعل وتنظيمه، ممَّا يعبِّر عن توجُّه جماعي نحو إعادة ضبط المجال السياسي، وربط المفردة بالفعل ضمن سعي واضح إلى جعل السياسة قابلة للفهم، وهو ما يقوم بدوره بإعادة تنظيم العلاقة بين الفرد والدولة.
أمَّا في الحقل الاجتماعي، فتشهد اللغة إعادة تنظيم لعلاقات الأفراد داخل الجماعة، فمفردات مثل المجتمع والتنوُّع والاختلاف والشراكة، تظهر بوصفها أدوات لغوية لتنظيم العيش المشترك بين أفراد المجتمع، على الرغم من أنَّ هذه الكلمات لا تشير إلى انسجام تام بين المكونات الاجتماعية داخل سوريا، لكنَّها تدلُّ على وجود وعي متزايد بالحاجة إلى لغة تستوعب التعدُّد، وتتَّجه نحو تشييد قدرٍ أساسي من القواعد الاجتماعية التي تتيح إدارة الخلاف ضمن نسق لغوي قادر على الاستمرار والتكيُّف. كما تبرز كلمات مثل الكرامة والاحترام والاستحقاق في حياة السوريين اليومية مشيرة إلى استعادة المكانة الاجتماعي للفرد، وركائز تحدد العلاقة بين أفراد المجتمع من جهة، وبين الفرد والمجال العام من جهة أخرى، فهي تسعى إلى إعادة تعريف الذات الاجتماعية، حيث لم يعد الفرد يعرِّف نفسه فقط من خلال موقعه الاقتصادي أو العائلي، بل من خلال حقوقه داخل المجتمع، وبذلك تغدو هذه المفردات مؤشرات على تحوِّل عميق في الوعي الاجتماعي، لتثبيت الانتماء والفاعلية، وإعادة رسم موقع الفرد على اعتباره ذاتاً فاعلة تمتلك حقَّ المشاركة والتأثير في الفضاء العام.
ويبرز معجم اقتصادي جديد في سوريا بعد التحرُّر يتجاوز لغة الحاجة المباشرة، ليطرح مفردات ذات طابع بنيوي مثل الإنتاج والعمل والسوق والفرصة والاستثمار والأجر. هذه المفردات لا تعبِّر عن واقع اقتصادي مكتمل، لكنَّها تشير إلى تحوُّل في طريقة التفكير بالاقتصاد، وذلك بانتقاله من كونه عبئاً يومياً إلى كونه مجالاً للتنظيم والبناء. كما يتَّسم الخطاب الاقتصادي اليومي بنبرة مزدوجة تجمع بين الواقعية الحذرة والتطلُّع المترقِّب، وهذا التعايش اللغوي يعكس وعياً جمعياً بطبيعة المرحلة، حيث تستخدم اللغة لضبط التوقُّعات بقدر ما تستخدم لإنتاج الأمل بالمستقبل.
تكشف اللغة المتداولة في سوريا بعد التحرُّر عن مجتمع يعيد إنتاج دلالته من داخل الكلام نفسه. فالمفردات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تتحرَّك بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل الوعي، إذ لا تقوم بوظيفة انعكاسية على الإطلاق.
وعلى مستوى أعمق، يمكن ملاحظة تحوُّل في مفردات الزمن، مثل المسار والمرحلة والمستقبل والخطة، ممَّا يشير إلى استعادة البعد الزمني في التفكير الاجتماعي، فاللغة لم تعد محصورة في توصيف اللحظة، إذ بدأت تبني سرديات ممتدَّة نحو المستقبل، حتى وإن كانت غير واضحة المعالم. هذا الحضور اللغوي للزمن يعكس بداية تشكُّل وعي تاريخي جديد، يرى الواقع بوصفه قابلًا للتطور، كما يطمح السوريون، ممَّا يعني انتقالاً مرحلياً يحمل داخله بذور التغيير في رؤية ممكنة، وتسايره المفردات اللغوية بحيوتها وازدهارها، وهو مؤشر حقيقي على صحة المسار الانتقالي الذي تمر به سوريا.
وبذلك يمكن التعامل مع مفردات السوريين بعد تحرُّر سوريا على أنها سجلٌّ اجتماعي مفتوح يتشكَّل عبر التداول اليومي، ويحتفظ بأثر التحوُّلات الجارية في الوعي الجمعي. هذا السجل لا يسعى إلى توثيق الوقائع في بعدها الحدثي فحسب، وإنما يلتقط طرائق إدراكها وتسميتها وإدماجها في التجربة الاجتماعية. فالكلمات المتداولة تختزن توقعات المرحلة، وما يرافقها من توترات. ومن خلال تتبُّع هذا الحقل المفرداتي، تتاح قراءة دقيقة لمسار التحوُّل الاجتماعي في مستوياته العميقة، خارج وسائط الخطاب الرسمي والإعلامي.
Loading ads...
تكشف اللغة المتداولة في سوريا بعد التحرُّر عن مجتمع يعيد إنتاج دلالته من داخل الكلام نفسه. فالمفردات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تتحرَّك بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل الوعي، إذ لا تقوم بوظيفة انعكاسية على الإطلاق. وتتبلور اللغة هنا بوصفها رؤية جماعية قيد التشكُّل، تحمل في مفرداتها تصوراً أولياً لمجتمع يسعى إلى إعادة تنظيم علاقاته ومعاييره المشتركة. ومن ثمَّ يصبح الاشتغال على هذه اللغة شرطاً ضرورياً لفهم أفق التحرُّر ذاته، باعتباره مساراً معرفياً وقيمياً يتقدَّم بقدر نجاح الجماعة في تحويل الكلمات إلى مبادئ ناظمة للفعل والعيش المشترك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

