بطلُنا رجل عجيب. تصفه المصادر بأنه مشؤوم الطَلْعَة، مذموم السمعة، لدرجة أنّه "لو وَضَعَ الملح في الطعام لفسَد منه، ولو أبصره إبليس لحيّاه، ولو مرّ بسوق لكَسَد، أو رأى الخمر الرحيق لفَسَد، وإن دخلَ بين أخوين متحابّين لداخَلَ كلّ منهما لأخيه الحسد، ولو نظرَ نظرة في الطب لما قَنعَ حتى يُفَرِّقُ بين الروح والجسد"، وذلك حسبما أورَد ابن فضل الله العمري في كتابه "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار".
يُعرّفه ابن كثير في "البداية والنهاية" بأنه عيسى بن عبد الله أبو المنعم المدني، مولى بني مخزوم، ثم يحدد صفاته بأنه "كان بارعاً في صناعته، وكان طويلاً مضطرباً أحول العين، وكان مشؤوماً، لأنه ولد يوم توفي رسول الله، وفُطِمَ يوم توفي الصدّيق، واحتلم يوم قُتِلَ عمر، وتزوج يوم قُتِل عثمان، ووُلِدَ له يوم قُتِل الحسين بن علي، وقيل وُلِدَ له يوم قُتِلَ علي".
الطريف أن طويساً نفسه كان لا يخجل من ذكر شؤمِه، فقد وقف ذات يوم مخاطباً قومه قائلاً: "يا أهل المدينة، ما دمت بين ظهرانيكم فتوقعوا خروج الدجال والدابة، فإن مت فأنتم آمنون، فتدبروا ما أقول: إن أمي ولدتني في الليلة التي مات فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفطمتني في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وبلغت الحلم في اليوم الذي قتل فيه عمر، وتزوجت في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي. فمن مثلي؟"، حسبما أورَد ابن مكي في كتابه "تثقيف اللسان وتلقيح الجنان".
يروي الأصفهاني عن طويس أخباراً شديدة الأهمية، إذ يقول عنه في كتابه "الأغاني" إنه لُقَّبَ بين الناس باسم طويس، وروي عنه أنه قال: "وكانت أمي تمشي بين نساء الأنصار بالنميمة". لكن هناك صفتين بارزتين أوردهما الأصفهاني عن طويس؛ الصفة الأولى أنه على حد قوله كان "أوّل من غنّى بالعربي بالمدينة (...) وكان لا يضرب بالعود. إنما كان ينقر بالدفّ". ويعضد ذلك مؤرخون كثيرون، منهم شهاب الدين الأبشيهي، حيث يذكر في كتابه "المستطرف في كل فن مستظرف": "وقيل: أول من غنّى في الإسلام الغناءَ الرقيق طويسٌ (...) وهو أول صوت غنى به في الإسلام هذا البيت: قد براني الشوقُ حتى/ كِدتُ من وَجدي أذوب".
وبالبحث عن كيفية تعلم طويس للغناء، نجد أنه وفقاً لبعض المؤرخين كان يُلازِم سبايا الفرس في زمن عمر بن الخطاب، فينقل منهم طريقتهم في الغناء ويُعرّبها، أو كما يقول ابن مكي: "أخذ طرائق الغناء عن سَبيِ فارس، وذلك أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، جعل لهم في كل شهر يومين يستريحون فيهما من المهن. وكان طويس يغشاهم حتى فهم طرائقهم".
أما الصفة الثانية وهي الأغرب، أنه كان "أوّل من ألقى الخنث بها (أي في المدينة)"، كما ورد في "الأغاني". والخنَث هو أن يفعل الشخص ما يفعله المخنثون.
ارتباط اسم طويس بالخنث في المدينة جعَله مضرب المثل في كتب المؤرخين واللغويين بدرجة تقترب من اشتهاره بالشؤم، فنرى أبا الفضل الميداني يضمه في "مجمع الأمثال" بأنه يُضرَب به المثل في الخنث والشؤم، فيُقال: "أشأَم من طويس" و"أخنَث من طويس".
والعجيب أنّ تلقيبه بطويس واشتهاره بالخنث لهما تفسير عند الكثيرين، منهم أبو نصر الجوهري في كتابه "الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية": "كان اسمه طاوس، فلما تخنَّث جعله طويساً".
حَفَلَت كتب التراث بالنوادر التي كان بطلها طويس، لكنّ واحدة منها بدَت مثيرة للانتباه، وهي تلك الراوية التي جاء فيها أن خولة أو فارِعة أخت حسان بن ثابت، المعروف بشاعر الرسول، كانت تكتب شعراً تتغزل فيه بأحد الرجال، وفق ما يذكر ابن عبد ربه الأندلسي في "العقد الفريد".
تبدأ الرواية بقصة تُحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه خرج إلى الحج وهو والي المدينة، وخرج الناس معه. و"كان فيمن خرج بكر بن إسماعيل الأنصاري، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. فلما انصرفا راجعين مرّا بطويس المغني، فدعاهما إلى النزول عنده. فقال بكر بن إسماعيل: "قُد البعير إلى منزلك. فقال له سعيد بن عبد الرحمن: أتنزل على هذا المخنّث؟ فقال: إنما هو منزل ساعة ثم نذهب".
يقول ابن عبد ربه الأندلسي في "العقد الفريد" إن طويس أسرّ إهانة سعيد في نفسه ولم يُبدها له، حتى جاء الوقت المناسب ليرد، حين طلب منه الضيفان أن ينشدهم شعراً، فقال: "يا خليلي نابني سهدي/ لم تنم عيني ولم تكد/ كيف تلحوني على رجلٍ/ مؤنس تلتذّه كبدي/ مثل ضوءِ البدرِ صورتُه ... ليس بالزّمّيلة النكد/ من بني آلِ المغيرةِ لا... خامل نكس ولا جحد/ نظرت عيني فلا نظرت... بعدَه عينٌ إلى أحدِ".
وفجأة التفتَ طويس إلى سعيد بن عبد الرحمن، وسأله: أتدري من قائل هذا الشعر؟ قال: لا. قال: قالته خولة ابنة ثابت عمتك، في عمارة بن الوليد بن المغيرة. هنا اشتدَّ غيظ سعيد، فقال له بكر: لو لم تقل ما قلته لم يسمعك ما أسمعك. فوصلت القصة إلى عمر بن عبد العزيز، فأرسل إليهما فسألهما، فأخبراه؛ فقال: واحدة بأخرى والبادي أظلم.
لكن في رواية أخرى يختلف اسم العشيق الذي تغزّلت فيه أخت حسان بن ثابت، فيقول ابن فضل الله العمري في "مسالك الأبصار"، وأبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني"، وغيرهما، إنها كانت "تتعشّق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي".
بيدَ أنّ طويساً كان يعترف بخنثه لكنه كان يُنكر كفره ويؤكد إيمانه وربما يرى أنهما ليس بينهما أي تعارُض، إذ يروي النويري في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب" أنّ المدينة كان فيه مخنث يُقال له النغاشي، فقيل لمروان بن الحكم إنه لا يقرأ من كتاب الله تعالى شيئاً. فبعث إليه فاستقرأه أمّ الكتاب. فقال النغاشي: والله ما معى بناتها، أو ما أقرأ البنات فكيف أقرأ أمّهنّ؟ فقال: أتهزأ لا أمّ لك. فأمر به فقتل.
بعدها قال ابن الحكم: من جاءنى بمخنّث فله عشرة دنانير. فوصل الخبر إلى طويس، فقال: "أما فضّلَنى الأمير عليهم بفضلٍ حتى جعل فيّ وفيهم شيئاً واحداً". أي أنه يرى نفسه مختلفاً النغاشي الذي لا يقرأ القرآن. ولما خاف على نفسه خرج حتى نزل السويداء، فلم يزل بها بقيّة عمره، وعاش فيهاحتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك.
ولعلّ أكبر دليل على إيمانه ما نجده في الرواية التي تحكي أنّ "أبان بن عثمان بن عفان لمّا أمَّره عبد الملك على الحجاز أقبل، حتى إذا دنا من المدينة تلقّاه أهلها وخرج إليه أشرافها، فخرج معهم طويس. فلما رآه سلّم عليه، ثم قال له: أيها الأمير، إنى كنت قد أعطيت الله تعالى عهداً إن رأيتك أميراً لأخضبن يدى إلى المرفقين ثم أزدو بالدّف بين يديك. وحينها ضرب طويس على الدف وغنَّى: "ما بال أهلك يا رُباب/ خزرا كأنهم غضاب".
Loading ads...
المهم في هذه الراوية أنّ أبان بن عثمان بن عفان "طرِبَ حتى كاد يطير، ثم جعل يقول: حسبك يا طاوس، ولم يقل له طويس لنبله في عينه، ثم قال له: اجلس، فجلس. فقال له أبان: قد زعموا أنك كافر. فقال له: جعلت فداءك. والله إنى لأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأصلّى الخمس وأصوم رمضان وأحجّ البيت"، وفقاً لما رواه النويري.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






