6 أشهر
العدالة الانتقالية الثقافية في سوريا.. حين يواجه الكاتب ماضيه
الإثنين، 17 نوفمبر 2025
حين تخرج أمة من ركام الاستبداد، لا يكون أوّل امتحانها في السياسة أو الاقتصاد، بل في قدرتها على مواجهة نفسها، فالمجتمعات لا تتعافى بمرسوم، بل بمراجعةٍ شجاعة لتاريخها، ومحاسبةٍ عادلة لضميرها.
من هنا تكتسب مبادرة رئيس اتحاد الكتّاب العرب في سوريا، أحمد جاسم الحسين، أهميتها الخاصة، إذ لا تكتفي بطرح فكرة إصلاح مؤسسي، بل تفتح الباب أمام مفهوم جديد: العدالة الانتقالية الثقافية.
في مقالته المنشورة على تلفزيون سوريا بعنوان "نحو برنامج للعدالة الانتقالية في اتحاد الكتّاب في سوريا"، يقدّم أحمد جاسيم الحسين رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا رؤية تأسيسية جريئة تحاول أن تترجم مبادئ العدالة الانتقالية إلى المجال الثقافي، وأن تواجه أخطاء الماضي داخل الاتحاد نفسه، حيث ارتُكبت انتهاكات أخلاقية ومهنية خلال سنوات القمع الطويلة.
لقد فُصل عدد من الكتّاب من عضوية الاتحاد لمجرد وقوفهم إلى جانب الثورة، فيما مُنح آخرون امتيازات لأنهم مجّدوا القتلة وبرروا المجازر، بعضهم كتب تقارير أمنية، أو ألّف كتباً تمجّد رأس النظام، أو حرّض على العنف باسم "الكرامة الوطنية"..
ما يميّز هذا الطرح أنه لا ينزلق إلى منطق الثأر، بل يدعو إلى الاعتراف والمراجعة وجبر الضرر، في مسارٍ يعيد للكاتب السوري مكانته بوصفه ضميراً لا تابعاً، وصوتاً للمجتمع لا صدى للسلطة.
لماذا العدالة الانتقالية الثقافية؟
لأن الكاتب ليس مجرد شخص يدوّن، بل هو صانع للمعنى، ومهندس للذاكرة، ومنحاز بحكم المهنة إلى الحقيقة، فحين يتحوّل الكاتب إلى أداة في يد السلطة، أو إلى شاهد زور على آلام الناس، فإن الضرر لا يصيب شخصه وحده، بل يصيب صورة الثقافة نفسها ويهزّ ثقة المجتمع في الكلمة.
لقد فُصل عدد من الكتّاب من عضوية الاتحاد لمجرد وقوفهم إلى جانب الثورة، في حين مُنح آخرون امتيازات لأنهم مجّدوا القتلة وبرروا المجازر، بعضهم كتب تقارير أمنية، أو ألّف كتباً تمجّد رأس النظام، أو حرّض على العنف باسم "الكرامة الوطنية"، هؤلاء لم يسيئوا إلى زملائهم فحسب، بل إلى المعنى الأخلاقي للكتابة في وجدان السوريين.
إنّ العدالة الانتقالية الثقافية هي استعادة لتوازنٍ رمزي انهار منذ زمن، ومحاولة لإعادة تعريف علاقة الكاتب بالسلطة والناس، وتأكيد أن الحرية مسؤولية لا شعار، وأن القلم لا يُباع ولا يُستعار.
ما المقصود بالعدالة الانتقالية الثقافية؟
هي مجموعة من الإجراءات الأخلاقية والمؤسسية التي تهدف إلى معالجة الانتهاكات داخل الحقل الثقافي خلال حقبة الاستبداد وما بعدها، عبر الاعتراف، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح.
لكنّها تختلف عن العدالة الانتقالية السياسية في جوهرها؛ فبينما تسعى الثانية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، تسعى الأولى إلى إعادة بناء الوعي نفسه، إنّها البنية الرمزية للعدالة، لأنّها تهيئ المجتمع لتقبّل المحاسبة من دون خوف، والمصالحة من دون نسيان. القوانين يمكن أن تُفرض وتُطبق بيد القضاة وتنفذ من قبل المؤسسة الشرطية المكلفة بإنفاذ القانون، لكن الوعي لا يُفرض، والكتّاب هم من يصوغونه، لهذا، فإن إصلاح اتحاد الكتّاب العرب ليس مجرد خطوة إدارية، بل خطوة نحو إصلاح الذاكرة السورية.
وقبل أن نحدّد ما يجب على اتحاد الكتّاب العرب القيام به، يجدر بنا أن نستأنس بتجارب الشعوب التي سبقتنا في مواجهة مآسٍ شبيهة بمأساتنا، إذ عرفت دول كثيرة أشكالاً متنوّعة من العدالة الانتقالية الثقافية، اختلفت في الوسائل لكنها التقت في الجوهر.
في جنوب إفريقيا، أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة، وفتحت المجال أمام كل من ارتكب انتهاكات أو دعمها للاعتراف العلني مقابل العفو، الكتّاب الذين مجّدوا النظام العنصري لم يُعاقبوا قضائياً غالباً، لكنهم واجهوا عزلاً أدبياً ومجتمعياً، ومنع بعضهم من اعتلاء المنابر الثقافية، في حين كتب آخرون اعتذارات علنية أو شاركوا في مشاريع توثيقية لإعادة الاعتبار للضحايا.
في المغرب، لم تُفرض عقوبات مباشرة على الكتّاب الذين كتبوا لصالح السلطة خلال سنوات الرصاص، لكنهم واجهوا إعادة تقييم أخلاقي من قبل المجتمع الثقافي، بعضهم شارك لاحقاً في جلسات استماع أو كتب شهادات نقدية، من دون أن يُقصى نهائياً.
أمّا في ألمانيا، فقد خضع الكتّاب الذين دعّموا النازية لعملية "اجتثاث ثقافي"، تم فيها منعهم من النشر مؤقتاً، وسُحبت كتبهم من التداول، وفي ألمانيا الشرقية، كشفت ملفات الكتّاب المتعاونين مع جهاز "شتازي"، مما أدى إلى فقدان الثقة المجتمعية بهم، من دون أن تُفرض عليهم عقوبات جنائية مباشرة.
وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية، خضع الإعلاميون والكتّاب الذين حرّضوا على الكراهية لمحاكمات جنائية، خاصة من تورّطوا في إذاعة "ميل كولين"، وتم إنشاء برامج لإعادة تأهيل بعض الكتّاب، ودمجهم في مشاريع توثيقية ومصالحة.
القاسم المشترك في كل تلك التجارب هو السعي إلى العدالة من دون انتقام، والمساءلة من دون إذلال، والاعتراف بوصفه شرطاً أخلاقياً لأي عودة إلى الحياة العامة، ويمكن لاتحاد الكتّاب العرب في سوريا أن يستفيد من هذه التجارب ليبني مساراً خاصاً به، يبدأ بالاعتراف وينتهي بالإصلاح، عبر ثلاث مراحل واضحة:
أولاً- مرحلة الاعتراف والمراجعة:
إصدار إعلان رسمي يفتح باب الاعتذار والمراجعة الذاتية ضمن مهلة زمنية محددة، وتشكيل لجنة مستقلة تستقبل شهادات الأعضاء وتوثّقها. يُمنح من يقرّ بخطئه فرصة لإعادة الاندماج وفق شروط أخلاقية.
ثانياً- مرحلة جبر الضرر وإعادة الاعتبار:
- ردّ الاعتبار للكتّاب الذين فُصلوا لأسباب سياسية أو أخلاقية زائفة.
- تكليف من ارتكبوا إساءات بالمشاركة في نشاطات توثيقية أو كتابة نصوص اعتذارية.
- تقديم خدمات ثقافية أو مجتمعية تعويضية ضمن إطار "جبر الضرر الرمزي".
ثالثاً- مرحلة الإصلاح المؤسسي والتشريعي:
- تعديل النظام الداخلي للاتحاد وإلغاء المواد التمييزية أو السلطوية.
- سنّ “ميثاق شرف أدبي” يحدّد العلاقة بين الكاتب والسلطة والمجتمع.
- ضمان الشفافية في منح الجوائز والترشيحات، بعيداً عن الولاءات السياسية.
من خلال تلك الخطوات يتحوّل الاتحاد من مؤسسة شكلية إلى مختبر وطني صغير للعدالة، يقدّم نموذجاً يمكن أن يُحتذى في مؤسسات سورية أخرى.
جيل الكتّاب الشباب اليوم، الذي لم يولد داخل مؤسسات الخوف، يملك فرصة لتأسيس ثقافة جديدة، قوامها الحرية والضمير..
إن الكاتب السوري الذي عاش بين رقابة الدولة وخوف المجتمع يحتاج إلى مصالحة مع ذاته قبل أي مصالحة مع الآخرين، فاستعادة صورة الكاتب تتم عبر مواجهته لماضيه، والاعتراف بدوره في ترسيخ الصمت أو التواطؤ.
جيل الكتّاب الشباب اليوم، الذي لم يولد داخل مؤسسات الخوف، يملك فرصة لتأسيس ثقافة جديدة، قوامها الحرية والضمير، فالعدالة الانتقالية الثقافية هي الجسر الذي يربط تجربته الحرة بتاريخ ملوّث، لتبدأ الكتابة من جديد على أرض نظيفة.
هذه ليست دعوة للانتقام، بل للوفاء، ليست دعوة للعزل بل للشفاء، فالمجتمع الذي لا يواجه ماضيه يظل أسيراً له، والاتحاد الذي لا يراجع نفسه يفقد شرعيته، أما الكاتب الذي لا يعترف بخطئه فلا يكتب بل يراوغ.
Loading ads...
قد تكون العدالة الانتقالية الثقافية بداية أول سطر في كتاب سوريا الجديدة، حيث لا يُكتب الحبر بالخوف، ولا يُمحى الضمير برغبة في النسيان، بل تُكتب الحقيقة كما هي: مؤلمة، ضرورية، محرِّرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


