Loading ads...
جون تامني*لم يكن الاحتياطي الفيدرالي يوماً «قائد دفة الاقتصاد»، على الرغم من كل ما يُشاع ويُكتب عنه. فالحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن البنك المركزي الأمريكي تحوّل، بمرور الوقت، إلى ما يشبه برنامج تشغيل كامل للاقتصاديين، سواء داخل أروقته، أو خارجها. وهذه نقطة ينبغي وضعها في الحسبان وسط الجدل الدائم حول ما سيفعله «الفيدرالي»، ومدى استقلاليته، وما إذا كان يُفترض به أن يكون مؤشراً حقيقياً على آفاق الاقتصاد.إن ازدهار الولايات المتحدة، بهذا الشكل اللافت، يُعدّ دليلاً كافياً، لأيّ شخص عادي لا يحمل درجة دكتوراه في الاقتصاد، على أن أهمية «الفيدرالي» للاقتصاد أقرب إلى التنظير، أو حتى إلى نوع من التقديس الأكاديمي، من كونها واقعاً ملموساً. وربما تكون أفضل طريقة لفهم هذه الحقيقة هي تذكّر أن الرخاء الاقتصادي كان قائماً قبل أن يوجد الاقتصاديون أصلاً.فآدم سميث، على سبيل المثال، لم يكن اقتصادياً بالمعنى الحديث، كما أنه لم يخترع الرأسمالية كما يُروّج أحياناً. في أعظم كتاب اقتصادي كُتب على الإطلاق، لم يفعل سميث أكثر من توصيف سلوك إنساني قائم بالفعل، هو ما نطلق عليه اليوم اسم الرأسمالية. أما الاقتصاديون المدرَّبون والمتخصصون فقد ظهروا لاحقاً كنتيجة طبيعية للنشاط الاقتصادي نفسه، ذلك النشاط الذي أتاح وجود الجامعات والشهادات الأكاديمية من الأساس. ويمكن، بلا مبالغة، اعتبار الاحتياطي الفيدرالي لعبتهم التي تُبقيهم منشغلين.المعضلة الحقيقية تكمن في سوء فهم حجم تأثير المركزي، أو محدوديته. فهناك من يشير إلى برامج التيسير الكمي وتضخم الميزانية العمومية للبنك بوصفها دليلاً على نفوذ هائل وتدخل واسع. غير أن ما يُغفل غالباً هو أنه حتى في غياب الاحتياطي الفيدرالي، كانت البنوك ستواصل تبادل الأصول المدرّة للفائدة مقابل النقد، والعكس صحيح. بمعنى آخر، لم يكن التيسير الكمي ابتكاراً جديداً في عالم البنوك، بقدر ما كان دخول «الفيدرالي» إلى سوق قائمة بالفعل، ومحاولته، بشكل متزايد، أن يحل محل هذه السوق.ويعيد هذا إلى الأذهان مقال رأي حديث لكاتب في صحيفة «وول ستريت جورنال»، جوزيف ستيرنبرغ، حمل عنواناً لافتاً: «الاحتياطي الفيدرالي يعلن بهدوء أنه لم يعد يقود السفينة». ويذهب ستيرنبرغ إلى أن تقليص «الفيدرالي» لمشترياته من الأصول البنكية، برنامج التيسير الكمي، قد يؤدي إلى اضطراب أسعار الفائدة في سوق «الريبو»، حيث تقترض البنوك من بعضها بعضاً لليلة، واحدة تلبية لاحتياجاتها من الاحتياطيات، ما قد يدفع هذه الأسعار إلى تجاوز الهدف الذي يحدده المركزي لسعر الفائدة الفيدرالية. غير أن هذا الطرح يثير كثيراً من الحيرة، ولأسباب متعدّدة.أولاً، إذا كان «الاضطراب» سيحدث نتيجة انسحاب «الفيدرالي» وتراجع تدخلاته، فذلك أمر مرحّب به. فسعر الفائدة ليس سوى سعر كسائر الأسعار، وأيّ محاولة حكومية للتلاعب به لا تخلق رابحين حقيقيين. بعبارة أخرى، ما يقلق ستيرنبرغ من فوضى محتملة هو بالضبط ما نحتاج إليه أكثر، إذا كان ناتجاً عن تقليص دور الحكومة. فكيف يمكن الوصول إلى النظام إذا لم يُسمح للأسواق بأن تتحدث بحرية؟ثانياً، التخطيط المركزي يفشل دائماً، وفي كل مكان. وقد شهد العالم هذه الحقيقة عن قرب، وبأثمان بشرية باهظة، خلال القرن العشرين. وتحليل ستيرنبرغ يوحي بأن التخطيط المركزي قد يكون مقبولاً، أو حتى مفيداً، إذا كان من تنفيذ الاحتياطي الفيدرالي. لكن هذا غير صحيح إطلاقاً. فالتخطيط المركزي لا يكتسب فضائل جديدة لمجرّد أن من يقوم به يحمل درجة دكتوراه.وهنا نصل إلى البديل عن افتراضات الكاتب. إذ يبدو الرجل أسير قناعة مفادها أن البنوك المركزية، المملوءة بألمع العقول الاقتصادية، لا بد أن تتدخل. لكنه يتجاهل احتمالاً أكثر واقعية: إن ما يفعله الاحتياطي الفيدرالي لا يعكس عبقرية فذة، بقدر ما يعكس بيروقراطية حزينة تحاول إضفاء مسميات براقة على إجراء روتيني، كالتيسير الكمي، كي تظل اللعبة قائمة، ويستمر الاقتصاديون في «اللعب»، مقابل أجورهم.والراجح، في ضوء كل ما سبق، أن هذا هو التفسير الأقرب إلى الحقيقة. أما النمو الاقتصادي الهائل، فهو لم يكن يوماً نتاج توجيه مركزي محكم، بل نتيجة ديناميكية الأسواق نفسها، تلك التي لم تكن، ولن تكون، بحاجة إلى من يقود السفينة.* محرر ومستشار اقتصادي، ورئيس معهد «بارك فيو» الأمريكي
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

المزاد: تداول 16.7 مليون سهم بقيمة 506 ملايين ريال
منذ دقيقة واحدة
0





